عناوين إسرائيلية للمرحلة المقبلة… عنصرية متطرفة وسلام غائب

حجم الخط
0

لن تجد العملية السلمية مكاناً في حسابات الكيان الإسرائيلي للمرحلة المقبلة، بعدما قوّضت توليفة «الكنيست»، المنتخب حديثاً، التي ستنعكس في تشكيلة الحكومة الجديدة، برئاسة بنيامين نتنياهو، خيار التقدم في المسار التفاوضي، لصالح غلبة العنصرية والعدوان ضدّ الشعب الفلسطيني.
وما عدا تحركات غربية وأمريكية، بائسة قد تنشط قريباً لاستئناف المفاوضات من باب ملء الفراغ وإدارة الصراع فقط وليس إنهاءه، فلا يجد الاحتلال مسوغاً للمضيّ قدماً في إحداث تقدم على المسار السياسي التفاوضي، أمام اختلال موازين القوى لمصلحته، وانتفاء القلق الوجودي الذي صاحبه، منذ بدء حراك التغيير العربي، في ظل التطورات والتفاعلات الجارية في المنطقة.
وقد كرّست نتائج الانتخابات، التي جرت في 17 الماضي، ذلك، حينما أظهرت ثقلاً نيابياً معتبراً للكتلة اليمينية الدينية المتطرفة، بحصولها على 67 مقعداً، من أصل 120، عقب نيل حزب الليكود، بزعامة نتنياهو، 30 مقعداً، بينما ذهب 40 مقعداً لما يسمى تيار اليسار الوسط، تعبيراً عن توجه الداخل الإسرائيلي لنزعة الغطرسة والتعنت في المفاوضات، والمزيد من الممارسات الاستيطانية الاحتلالية في الأراضي المحتلة. في حين حسمّ نتنياهو تلك المعادلة مبكراً، عند التراجع عن مضمون خطاب ألقاه أمام جامعة «بار إيلان»، معقل اليهود المتدينين «الحريديم»، عام 2009، حول «حل الدولتين»، وذلك بتأكيد أنه «لن يسمح بإقامة الدولة الفلسطينية، وسيستمر في الاستيطان»، بذريعة أن الانسحاب من الأراضي المحتلة سيهدد باستيلاء تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ»داعش» عليها. وعلى الرغم من تراجعه «المراوغ» عنها، فإن الإدارة الأمريكية، أسوّة بالسلطة الفلسطينية، لم تأخذاه على محمل الجدية.
وتصطف إلى جانب الليكود، الأحزاب اليمينية الدينية الأكثر تطرفاً حيال الدولة الفلسطينية، مثل حزب «البيت اليهودي»، (8 مقاعد)، الديني القومي المتطرف المنتصر لغلاة المستوطنين، بزعامة المتطرف نفتالي بينيت، وشعاراته المتشددة الرافضة لإخلاء المستوطنات وتقسيم القدس وحق العودة واستئناف المفاوضات، مقابل التمسك «بأرض إسرائيل التاريخية» وفق التعاليم اليهودية، باعتباره وريث حزب «المفدال» اليميني المتطرف وحركة «جوش أمونيم» الاستيطانية.
بينما حظى حزب «يهودوت هتوراة» الديني القومي المتشدد وحزب المتدينين المتزمتين «الحريديم» لليهود الغربيين «الأشكناز»، بستة مقاعد، وفق مرجعية تعاليم التوراة تجاه قضايا الصراع، و»الحق التاريخي في أرض إسرائيل الكاملة» و»القدس الموحدة» ورفض حق العودة، مع القبول أحياناً، بإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة.
أما حزب شاس (7 مقاعد)، برئاسة آرييه درعي، فيعبر عن مواقف غلاة المتدينين «الحريديم» من اليهود الشرقيين، مطالباً بالأحقية التاريخية «للشعب اليهودي» في «أرض إسرائيل» التوراتية، ورفض تقسيم القدس وإقامة الدولة الفلسطينية المتصلة والمستقلة، مقابل التوسع الاستيطاني باعتباره فريضة شرعية وواجبا مقدساً. ولا يحيد حزب «إسرائيل بيتنا»، اليميني المتطرف بزعامة أفيغدور ليبرمان، الذي حصل على 6 مقاعد، عن ذات الرؤية الصهيونية، بالدعوة إلى تهجير الفلسطينيين ورفض إقامة دولتهم المستقلة و»إعدام» المناهضين منهم للكيان المحتل، في حين يجمع حزب «كلنا» (كولانا)، برئاسة موشيه كحلون، وحصل على 10 مقاعد، بين العقيدة الدينية القومية واليمينية المتشددة.
وبالمثل؛ يأتي حزب «العمل»، الذي غيّر اسمه إلى «المعسكر الصهيوني»، في واقعة تاريخية مثيرة للاهتمام، بالتحالف مع حزب «الحركة» برئاسة ليفني، حيث يحاول إضفاء صورة الخروج المظفر من الانتخابات، بنيله 24 مقعداً، وذلك عند المقارنة برصيده المنفرد في انتخابات 2009 التي حصل فيها على 12 مقعداً، ومن ثم 15 مقعدا في انتخابات 2013، ولكنه أمر لا يغيّر كثيراً في وضع حزب سيطر على مقاليد السلطة في الكيان الصهيوني، منذ نشأته حتى عام 1977، ويسعى جاهداً منذ ذلك الوقت للالتصاق بها، أملاً في استعادتها يوماً. ولا يتمايز «المعسكر الصهيوني»، برئاسة إسحاق هرتسوغ، في مفهومه للدولة الفلسطينية عن الليكود، إزاء تصريحات هرتسوغ، قبل موعد الانتخابات بأسبوع، التي أكد فيها أن «الكتل الاستيطانية الكبرى ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية»، مما يعني بقاء أكثر من 650 ألف مستوطن ضمنها في أراضي الضفة الغربية، التي من المفترض أن تشكل، بالإضافة إلى قطاع غزة، مساحة الدولة الفلسطينية المنشودة. فعلى الرغم من أن بعض اليسار الإسرائيلي يزعم علناً تصالحه مع فكرة إقامة دولة فلسطينية، فإنه يرفض تقديم تنازلات تتعلق بالأراضي المحتلة اللازمة لإقامة الدولة، وسط تغييرات مستحدثة فيها لا يمكن أن تؤدي معها إلى دولة.
أما احتساب حزب «يوجد مستقبل» (11 مقعداً) إلى كتلة اليسار والوسط، لعلمانيته التي قد تخلق انطباعاً مغلوطاً بذلك، فهذا غير دقيق، إذ يقود لبيد، الذي شارك في الحكومة اليمينية السابقة، حزباً يمينياً، معلناً رفضه تقسيم القدس، وحق العودة، وتأييد ضم الكتل الاستيطانية الكبرى للجانب الإسرائيلي، ولكنه يدعو لاستئناف المفاوضات على قاعدة ما يتبناه من «لاءات».
في المحصلة، ترفع الأحزاب والقوى الإسرائيلية، بمختلف توجهاتها اليسارية، واليمينية، والدينية، «لاءات» العودة إلى حدود 4 يونيو/ حزيران 1967، وتقسيم القدس، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين ووقف الاستيطان، مقابل الحديث عن دولة فلسطينية منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح، لا تخرج عن إطار حكم ذاتي معني بالشؤون الحياتية والمدنية للسكان. أما الأمن والسيادة، فموكولان للاحتلال.
أما القائمة المشتركة، التي تضم في عضويتها أربعة أحزاب عربية، والتي تحالفت في ما بينها للمرّة الأولى من أجل تجاوز نسبة الحسم الانتخابية، ومواجهة مقولات عتاة المتطرفين الإسرائيليين، من أمثال ليبرمان وبينيت، فإنها ستكون في مجمل الأحوال خارج حساب النقاشات الدائرة حول تشكيل الحكومة. وعلى الرغم من تمثيلها للقوة الثالثة في «الكنيست»، بحصولها على 13 مقعداً، فإن تأثيرها في مسارات السياسة الإسرائيلية المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي سيبقى محدوداً، إذا ما قيضّ لها الاستمرار موحدة، وذلك أمام سطوة اليمينيين، والمتدينين، وغلاة ممثلي المستوطنين في «الكنيست»، وحكومة أشد تطرفاً برئاسة نتنياهو، وأمام معركة قوانين عنصرية متناسلة لأكثر من 54 قانوناً ضدّ الفلسطينيين العرب في فلسطين المحتلة 1948.
ولن يؤثر شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة على مسار المفاوضات، وفق مفهومها، بعدما قوضّت ممارسات الاحتلال الاستيطانية التوسعية «حل الدولتين»، الذي لم يعد قائماً فعلياً، ولكنه يشير إلى مزيد من سياسة الاستيطان والتهويد والعدوان ضد الشعب الفلسطيني. ولعل ذلك يستدعي استراتيجية فلسطينية موحدة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في المجلس المركزي، حول التحرك السياسي الأممي ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، ومراجعة الاتفاقيات المبرمة معه ومقاطعته وتعزيز صمود المقاومة الشعبية، تزامناً مع تحقيق المصالحة، وإنهاء الانقسام، وترتيب البيت الداخلي، بدعم عربي إسلامي، في مواجهة عدوان الاحتلال.

٭ صحافية وباحثة من الأردن

د. نادية سعد الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية