رام الله ـ «القدس العربي»: ضرب الحزن المشهد الثقافي والفكري الفلسطيني برحيل الكاتب والشاعر الفلسطيني زكريا محمد، المختلف قولا وفعلا، وكأن الموت الذي توقعه الشاعر، الذي كتب عنه، لم يصدقه محبوه وقراؤه والمعجبون به، وهم كثر بالمناسبة.
وكان الشاعر والكاتب الفلسطيني زكريا محمد (73 عاما) قد كتب على صفحته الشخصية على فيسبوك في مارس/آذار الماضي: «ظلت مسافة أخرى ما بيني وبين الموت. لكنني أقطعها على عجل، كما لو أنني ذاهب إلى الدكان قبل أن يقفل بابه، كي أشتري ملحاً. الملح هو الموت، والمسافة تقصر، والأسف يملأ قلبي لأنني لم أكمل بعد كوخ القصب الذي أردته كي أسكنه».
ويمكن القول إن الشاعر الذي هجس بأسئلة الموت حتى غافله، وهو في عز عطائه الفكري والأدبي والشعري والسياسي، لم يتوقف لحظة واحدة عن العمل الثقافي والإنتاج الفكري، بل يسرع في الإنتاج، كمن يستشعر قرب أجله مدركا أهمية الزمن المتبقي له في هذه الحياة. ورغم معرفة هذه الحقيقة عن الشاعر الراحل واتفاق معظم المتابعين لمنجزه الثقافي والفكري، إلا أن رحيله لن يمنحه إدراك حجم الحزن والمرارة عليه، ولا الحب الذي خلفه وراءه.
وعلى سيرة الحب الكبير كتب الفنان خالد حوراني قائلا: «كان من حق زكريا محمد قبل أن يغيبه الموت بهذه السرعة أن يشعر، ولو بجزء يسير من كم هذا الحب والتقدير الكبير الذي يكنه له شعبه والناس في كل مكان، أن يعرف أكثر كان ليفرح ويحب ذلك بالتأكيد». وتابع: «مشاعر صادقة تفيض بها صفحات السوشيال ميديا وتعبر عنها الناس في فلسطين والخارج تجاه هذا الفقد الكبير، زكريا الشاعر والفنان والإنسان النبيل، الكاتب والمفكر المناضل الوطني الشجاع والعنيد، رحيله أوجع بلادا بأكملها». وشدد حوراني على أن زكريا تكرس كواحد من أبرز المثقفين الفلسطينيين، وقد استحق هذا الوفاء والتقدير، وهو يقف بجدارة إلى جانب الأسماء الكبيرة التي يعتز بها الفلسطينيون أمثال: إدوارد سعيد وغسان كنفاني ومحمود درويش وغيرهم.
وتابع: «كان على أحد ما أن يقول ذلك بالفم الملآن، فليس دائما يجود الزمان بهذا النوع من المبدعين بهذا النوع من الناس وهذه الموهبة والروح العالية، كان هذا الشاعر الذي سيذكره التاريخ يعيش بيننا بكل بساطة، وهو صوت فريد، في الشعر والبحث والتفكير.. يتحدث لغة أخرى. كان يناور الوجود يكتب للكائنات والنباتات، تدفقت منذ سنوات نصوصه في الكتب والمقالات وعلى فيسبوك بشكل خاص وهو الذي أتقن استخدام هذه المساحة والوسيلة بذكاء وكرم كما لم يفعل سواه».
واختتم: «كان من حق زكريا أن نقول له أكثر في حياته وعلى الملأ كم نحبه ونقدره، نتابعه بشغف كم كان أساسياً وضرورياً ونموذجاً لا يتكرر. غير أننا لم نفعل ذلك صراحة حتى لا يجفل قلبه ربما، أو تنزل دموعه على الصخرة من ثقل المشاعر التي تكنها هذه البلاد لأحد أولادها الأوفياء البررة والنبلاء جداً».
فالشاعر زكريا محمد مثقف استثنائي في الحالة الفلسطينية، متنوع الاهتمامات والاشتغالات الأدبية والفكرية من توثيق مشهد يومي بسيط عبر نصوص شعره الخاص به، الذي رفض أن يلوث بالحديث عن الاحتلال وقبحه، إلى قراءة وتفكيك رموز وحروف اللغات القديمة، إلى الاشتباك مع القضايا السياسية التي جعلته غير محبوب من السلطة ولا مثقفيها والمحسوبين عليها. وظل منتجه الفكري يتنقل بين مساحات ثقافية وسياسية، لكن الأهم أن ذلك لم يثنه عن الاشتباك في أحوال البلد وقضاياها السياسية، حيث حرص على تقديم رأيه السياسي والنقدي الحاد على صفحته الخاصة على فيسبوك. وهو ما جعل البعض يصفه بإنه «مُزعج للسُلطة» كُل سلطة، وحسب وصف الباحث رازي نابلس فإنه بصدق «يبدو مُزعجا وغير عقلاني، لكنه صادق، دون ذرّة انتهازية أو استفادة». ويشدد كل المتابعين للمشهد الثقافي أن زكريا محمد تميز بالشجاعة في التعبير عن مواقفه، دون أن يخشى تبعات الإعلان عن رؤاه في الملفات المختلفة، فقد كان مناضلا ثوريا منذ بدايات وعيه عندما انخرط في صفوف الجبهة الشعبية، ومن ثم الجبهة الديمقراطية وفي غيرها من الأطر الديمقراطية. كما عرف برفضه لاتفاق أوسلو وتأييده لـ«حركات المقاومة» ما كلفه أن يتم تجاهل منجزه وتهميش حضوره في المشهد الثقافي الرسمي.
وكان الحدث الأبرز في اشتباكه مع القضايا السياسية، عندما شارك في مظاهرات ضد السلطة على خلفية اغتيال نزار بنات، حيث اعتقله الأمن الفلسطيني عام 2021 خلال وقفة احتجاجية ضد الاعتقال السياسي في المنارة. وبعد الإفراج عنه قال: «إن السلطة الفلسطينية تحولت إلى نظام قمعي يعمل لمصلحة الاحتلال».
وتظهر كتابات وتعازي مجموعة من محبيه مقدار الخسارة برحيله، فالحركة الثقافة الفلسطينية برحيله خسرت ركيزة من ركائزها وواحداً من أهم مناضليها ومفكريها. فقد عاد زكريا إلى فلسطين عام 1994 وتولى منصب نائب رئيس تحرير مجلة «الكرمل» التي ترأسها محمود درويش.
وكتب الشاعر غسان زقطان عن رحيله: «اليوم خسرت فلسطين شاعرا كبيرا ومثقفا شموليا، ومناضلا شجاعا، المشّاء الكشّاف العنيد، رفيق الأيام الصعبة ورحلة البحث عن الوردة، جمعتنا الأحلام وأخذتنا الطرق، كان بيننا دائما لقاء أخير لم يحدث».
اما الناقد حسن خضر فكتب: «جمعتني بزكريا محمد محطات في مدن مختلفة كانت آخرها رام الله. لم أشاركه في الكثير من أفكاره ومواقفه السياسية، لكن شعرت دائماً أنه لا يُمثل، ولا يلعب على الحبال، على طريقة مقاولين معروفين». وتابع: «وما ينبغي أن يُقال في يوم رحيله إنه كان مسكوناً بهموم وجودية عبّر عنها بأدوات إبداعية مختلفة، كان الشعر أكثرها نجاعة بقدر ما أرى، وبما أن العيش في زمن صعود الفلسطينيين في التاريخ كان تجربة تكوينية نادرة المثال للكثيرين، تضافرت التجربة مع الهموم الوجودية وتفاعلت معها، وتركت كلتاهما أثراً دائماً عليه».
وشدد على أنه: «كان صادقاً، وعفيفاً، لا يجيد فنون العلاقات العامة، ولا النصب، أو الانخراط في ميليشيات ثقافية، كما فعل من هم أقل موهبة وثقافة، ونزاهة منه في المشهد الكارثي الذي وصله حقلنا الثقافي، لذا، في غيابه خسارة وبمثله يليق الرثاء».
أما القاص الفلسطيني زياد خداش فاستحضر قصة حدثت بينه وبين الشاعر للإضاءة على جانب من شخصيته النبيلة حيث قال: «في 2007 قطعت إسرائيل رواتبنا كاملة، كان أبي يصرف عليّ، كان يناولني كل صباح عشرة شواقل، كنت أسكن في غرفة صغيرة قرب السفارة الكندية في رام الله، لا قهوة في بيتي ولا خبز، زارني مرة زكريا محمد، فاعتذرت له: لا قهوة في بيتي يا زكريا سامحني، فابتسم مهونا عليّ الأمر. قائلا: كلنا نعاني ولا يهمك». وتابع: «في صباح اليوم الثاني، عدت إلى البيت من مدرستي، دفعت باب البرندا الزجاجية بيدي ودخلت لفتح باب الغرفة، ففوجئت بخمس ورقات نقدية من فئة المئة شيكل متناثرات على أرض البرندا، فاستنتجت أن زكريا العظيم قد جاء ورماها لي تضامنا مع قهوتي وخبزي، رأيته بعد الحادثة بأيام فشكرته على الـ500 شيكل، لكنه أنكر أنه هو الذي رماها لي، قائلا المهم زبطت حالك؟». وأضاف أنه: «على مدى سنوات طويلة منذ 2007 كان آخرها قبل شهرين فقط ظللت أشكر زكريا قائلا له: شكرا على الخبز شكرا على القهوة شكرا لأنك من بلادنا، وظل مصرا ضاحكا يقول: يا زلمة انت ما ازهقت، مش أنا مش أنا. لم أقل لزكريا أبدا إن صاحبة البيت بعد يوم واحد فقط حذرتني وهي ترتجف من شخص طويل وبشعر أبيض رأته من الطابق الثاني وهو يفتح نافذة البراندا ويرمي شيئا ما».
واختتم: «مع السلامة يا حبيبي يا زكريا. وشكرا على الخبز والقهوة ووجودك في بلادنا».
وكتب الشاعر إيهاب بسيسو منشورا على صفحته الشخصية حيث جاء فيه: «ديك المنارة» وشجاعة الكلمة، هكذا إذن وبكل بساطة لن تراه مجدداً في شارع السهل، أو شارع عيسى زيادة، قرب دار البلدية، أو في مقهى زمن، أو عند دوار المنارة، أو حيثما تلتقي خطاكما مصادفة أحياناً في شوارع رام الله ..فتومئ للرجل صاحب الشعر الأبيض الكثيف بالمحبة ويبتسم لك بهدوء معتاد، وقد تتبادلان حديثاً عابراً عن السياسة والبلد، وتؤجلان حديثاً أكثر فائدة عن الشعرية والتراث إلى لقاء آخر».
وتابع: «في هذه المدينة التي لا تكف عن ابتكار أبجديتها الخاصة في الحياة والرحيل، التقيت زكريا محمد وتعلمت من هذه القامة الثقافية والشعرية الكثير مما دونه في كتبه المشبعة بالعمق والشجاعة والإبداع الحقيقي للكلمة، زكريا، لسبب ما – لا علاقة له برحيل زكريا محمد الجسد – سأعود اليوم إلى قراءة «ديك المنارة» مقالاتك التي نشرتها قبل أكثر من عشرين عاماً في كتاب، وصدرت آنذاك عن مؤسسة مواطن، كأنها روحك الخفية، ما زالت تحلق عبر الأزمنة في المقالات التي لم تكف عن نحتها كفنان يحترف الحرية والحياة ..ولا أخفيك، سأرقب مرور طيفك المعتاد في شوارع المدينة، بانتباه أكثر بعد هذا اليوم، كي أطمئن أكثر إلى ديمومة حضورك الثري في التفاصيل. وداعاً زكريا محمد.