عزيزة الفحلة
القاهرة ـ «القدس العربي»: تثير دوماً شخصية (الفتوة) المخيلة لما يمثله صاحبها من مُثل وقيم أخلاقية واجتماعية، فهو المُدافع عن المسكين والمظلوم في مواجهة الظالم. وتناولت حكايات نجيب محفوظ سيرة فتوات القاهرة في شكل فلسفي يبحث في كُنه العدالة وكيفية تحقيقها من خلال الإنسان، وكيف تنهار هذه القيمة إذا مال الفتوة واتبع هواه، ومن هنا كان وجوب الثورة عليه واستبداله بآخر يحقق للحارة فكرة العدالة، ومنه كان البحث عن السُلطة وكيفية التعايش معها، طالما كانت ملتزمة بتحقيق العدل، أو الثورة على ممثلها والإطاحة به، لأنه في الأول والأخير هو الذي أخل بشروط توليه المنصب (الفتوة) حتى لو كان حصل عليه بالقوة في مواجهة خصومه. لكن.. ماذا عن سيرة الفتوات الحقيقيين، الذي نسج محفوظ من بعضها حكاياته؟ وكيف تحول هؤلاء إلى بلطجية يتبنون موقف السلطة الأعلى في مواجهة الناس؟ هذه بعض من سيرتهم..
المقاومة والشرعية
بدأت فكرة الفتوات خلال حُكم المماليك، وقتالهم في ما بينهم، وكذا تعديهم على الناس والممتلكات. وبالطبع كان الناس آخر ما يمكن التفكير فيه، فتطوع البعض من شجعان الأحياء الشعبية للدفاع عنها وعن سكانها. فأخذت طائفة الفتوات شرعيتها من الناس أنفسهم، لحمايتهم من اعتداءات المماليك أو اللصوص وقطّاع الطرق. وامتد هذا الدور أيضاً خلال الحملة الفرنسية على مصر، ومشاركتهم بشجاعة في ثورتي القاهرة الأولى والثانية.
العمالة والمصلحة
وكعادة السُلطة التي لا يؤتمن شرها، تحوّل أمر الفتوات، وأصبحوا ضد الشعب الذي منحهم الشرعية، وجاء الاحتلال البريطاني إلى مصر عام 1882، محاولاً السيطرة على هؤلاء للاستفادة من سلطتهم بين العامة واستغلالهم قدر الإمكان، فكان أن تعاون بعضهم مع سلطة الاحتلال، فعانى الناس من بطشهم، وصولاً إلى أن البعض منهم حصل على الرعاية الأجنبية، لاستغلالها فى أنشطتهم والحصول على الحصانة فى مواجهة رجال البوليس المصري، بموجب الامتيازات الممنوحة للأجانب ـ سيحل البوليس في ما بعد محل سلطة الاحتلال ـ ففرنسا على سبيل المثال حرصت على مزاحمة بريطانيا في نفوذها من خلال الفتوات، ففتوة حي المرجوشي تمتع بالرعاية الفرنسية، وتدخل القنصل الفرنسي أكثر من مرّة للإفراج عنه، عندما كان يُلقي البوليس القبض عليه لاتجاره في المخدرات.

الراقصة إمتثال فوزي- علي الحسني – حميدو
ومع بداية القرن العشرين، أصبحت الفتونة قانونية، وأصبح هناك نظام اسمه «نظام الفتوات» وأصبحت الصلة قوية بين الفتوة والبوليس، حيث كان الفتوة يساعد الأخير في حفظ الأمن وحل المشكلات، وأحياناً القبض على المجرمين الهاربين في الحارة التي يسيطر عليها. ومن البوليس إلى الأحزاب في ما بعد، فكان مرشحو الانتخابات يحاولون استمالة فتوة الحارة أو الحي، حتى يضمن لهم العديد من الأصوات. الأمر نفسه الذي استمر بعد انقلاب يوليو/تموز 1952، وحشد الحشود لمباركة الزعيم الأوحد و(الاتحاد الاشتراكي) الذي يمثله، ثم الحزب الحاكم في ما بعد (الحزب الوطني) أيام السادات ومبارك، وصولاً إلى حزب (مستقبل وطن) هذه الأيام.
طرف من سيرة الفتوات
وحتى لا نعمم الأحكام على الفتوات، فنجد أن للبعض منهم مواقف لا تنسى في إطار القضايا الوطنية ومناصرة المظلوم، ومنهم نذكر كل من.. إسماعيل سيد أحمد، فتوة محرم بك فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، الذي كان يُهرِّب في سيارة والده السلاح للمقاومة الفلسطينية، وهو نفسه مَن خبأ الضابط محمد أنور السادات في فيلته في محرم بك، عقب حادث اغتيال أمين عثمان ـ السادات استخبى عند طوب الأرض ــ وكذلك (النونو) الذي كانت تخشاه بريطانيا العظمى نفسها، فكانت ترسل المؤن والعتاد لقواتها وللجيش المصري وللنونو لتتفادى غضبه. وقد عُثِرَ بين أوراق الرجل بعد وفاته، على خطاب شُكر عن دوره فى الحرب ضد إسرائيل عام 1948. وهناك علي الحسني، أو علي بيه، وهو فتوة أفندي يجلس بالبدلة وربطة العنق والطربوش، ويشغل وظيفة مفتش تموين بالجمالية، ولاعب دولي شهير في منتخب مصر لكرة القدم عام 1928. وهو الفتوة الوحيد الذي لم يكن له سجل إجرامي طوال حياته، وبالعودة إلى الإسكندرية نجد حميدو فتوة حي الأنفوشي، الذي في إحدى المناسبات تقديراً له ألقى إليه الخديوي عباس حلمي بعضا من الريالات الفضية، فأبى أن يلتقطها من الأرض، فغضب الخديوي، واستدعى حميدو إلى قصره في رأس التين، وسأله منازلة أحد خدمه، ووجه حميدو ضربة بالرأس للخادم، فأفقده الوعي، فأنعم الخديوي على حميدو لقب فارس، وصار من يومها حميدو الفارس.

صبري نخنوخ
وحتى لا يُتهم كار الفتونة بعدم المساواة بين الجنسين، فنجد العديدات من النساء وقد احترفن الفتونة، ومنهن.. جليلة فتواية الجيزة، عزيزة الفحلة فتواية المغربلين، توحة فتواية المطرية، زكية المفترية فتواية حي المناصرة.
فتوة مصر يحيي فتوة العالم
تأتي حكاية زكي الصيرفي فتوة الحسينية وكأنها سيرة لحال شلة الضباط الأحرار، فقد ساندهم الصيرفي كثيراً، وكان في بداياته يجلس بين الأهالي ويعمل على حمايتهم، فكان مصدراً للأمان، ثم تحول الأمر بعد ذلك، فأصبح هو مصدرا لإرهاب المواطنين وسرقتهم لتحقيق مصالحه الشخصية. ونأتي إلى نوادر بعض الفتوات، ولعل من أشهرها واقعة الفتوة إبراهيم كروم فتوة بولاق، الذي كان البوليس والإنكليز يتفادونه، لما له من سطوة ونفوذ وأتباع. وبعد انقلاب يوليو كانت له بعض المواقف، كالتبرع بألف جنية مصري عام 1956 لتسيلح الجيش ـ القوي فيه الأقوى منه ـ ويُقال إن وزير الداخلية زكريا محيي الدين استدعاه وطلب منه التوسط لإجراء صلح بين أكبر عائلتين في المدبح، بعد أن دارت بينهما معركة دامت لأكثر من شهر، سقط فيها عدد كبير من الجرحى والقتلى. وبالفعل تم الصلح في لقاء حضرته القيادات الأمنية، وبدأ بتلاوة القرآن الكريم لكل من الشيخين مصطفى إسماعيل ومحمد صدّيق المنشاوي، وأرسل له وزير الداخلية خطاب شُكر لجهوده فى حل النزاع. لكن.. هل شفع للرجل تبرعه بالنقود والتدخل لحل نزاع فشلت فيه وزارة الداخلية؟ فعندما علم كروم بموعد عودة عبدالناصر من مؤتمر «باندونغ» ذهب إلي سيرك إبراهيم الحلو ـ أشهر مدرب أسود في مصر هو وعائلته ـ وطلب منه استعارة أسد يركبه أثناء استقباله للزعيم، إلا أن إبراهيم الحلو رفض خوفاً على حياة الناس، وأقنع كروم باستبداله بـ(حصان) بالفعل ركب كروم حصانه واستقبل (أبو خالد) بموكب حاشد من أهالي بولاق، وكتب على أكبر لافتة في ميدان عابدين.. (إبراهيم كروم فتوة مصر يحيي جمال عبد الناصر فتوة العالم). لكن فتوة العالم لم يعجبه أن يكون هناك فتوة غيره، وبعد أشهر تم إلقاء القبض على كروم بتهمة الانضمام لتنظيم الإخوان المسلمين، حيث كان كروم بالفعل عضواً في جماعة الإخوان منذ عام 1944، وقد نسيّ عبد الناصر نفسه، أنه كان أحد أعضاء الجماعة. وهكذا الحال دوماً مع الفتوات الزملاء، فالحارة لا تسع إلا فتوة أوحد.
عصر البلطجة
ورغم تفاوت سيرة الفتوات وأحوالهم، والانتهاء الرسمي للفتونة في عهد مصطفى النحاس، بعد مقتل الراقصة امتثال فوزي عام 1936 على يد فؤاد الشامي فتوة عماد الدين، لعدم دفعها الإتاوة وإهانته أمام الجميع. إلا أن المهنة لم تمت، وإن اتخذت عدة أشكال، أهمها في وقتنا الراهن فئة (البلطجية) الذين يمكنهم حل المشكلات بعيداً عن الدولة وتحت عينها في الوقت نفسه، بالخطف والتهديد والضرب، وفق فكرة تخليص الحق بين الخصوم. ولهؤلاء دور كبير أكثر شراسة وقوة في الانتخابات البرلمانية مثلاً، وكذلك تصفية الخصوم، والعمل لصالح رجال الأعمال، والنظام الحاكم بشكل عام، ولعل حالة صبري نخنوخ في ثورة يناير/كانون الثاني 2011 أكبر مثال على حالة البلطجة، فهو المثل والقدوة للجيل الصاعد من البلطجية الهواة، فالمستقبل مضمون مهما حدث، خاصة وقد تم الإفراج عن نخنوخ منذ سنوات في ظل النظام الحالي نظير خدماته الجليلة، بذريعة حالته الصحية المتدهورة!