هوامش عائشة سلطان في المدن والسفر والرحيل

لم يساهم أحد في إثراء المكتبة العربية بمعلومات حول الدول والمجتمعات وأحوالها وناسها وثقافاتها، كما ساهم الرحالة العرب. فكانت كتبهم سجلا حقيقيا لمختلف مظاهر الحياة، خاصة في الأزمنة التي لم تكن فيها وسائل الاتصال والتواصل متوفرة، وأشهرهم محمد بن عبدالله بن محمد اللواتي الطنجي، الملقب بـ»ابن بطوطة» الذي زار 44 دولة، وقطع ما يقارب 120 ألف كم، خلال 29 عاما ونصف العام. ولم يتوقف الأمر عند ابن بطوطة، أو المسعودي، أو ابن فضلان، أو أحمد بن ماجد، أو أنيس منصور، أو جمال الغيطاني، أو يوسف القعيد، أو شيرين عادل، والقائمة تطول.
ولكل واحد من أولئك الرحالة طريقته في كتابة وقائع رحلته، ومشاهداته، إلا أن غالبية تلك الكتب، إن لم يكن كلها، انطباعات شخصية وواقعية عن المجتمعات والأماكن التي زاروها، أولئك الكتاب – الرحالة، تموضعت في قالب حكاية، ثمة اختراق، أو تجاوز قامت به الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان، إذ أنها حاولت معرفة ما وراء ما تراه العين، وما تسمعه الأذن. بحصافة فضاؤها مفتوح على علوم متعددة، ولغة أدبية، وسرد محكم، ومعرفة تقارب الاختصاص في دراسة سلوك البشر وشعائرهم وردود أفعالهم، من خلال السياق التاريخي لهذه الجماعة أو تلك، فهي لم تكتف بوصف الطبيعة والأبنية والعادات الغريبة والقوانين والسلوكيات وأشكال الفنون، بل حاولت فهم طبيعة الإنسان الذي يقف وراء ذلك، وفهم الإنسان باعتباره نتاجا لعملية التطور، يتطلب قدرا من فهم تطور أشكال الحياة كافة، ومعرفة البناء الاجتماعي الذي من خلاله يحدد المجتمع الأدوار التي يقوم بها الناس. (ولأننا من الجيل الذي تمتع بنعم البدايات، فقد سافرنا إلى عدة مدن في رحلات كانت تنظمها جامعة الإمارات، طالبات كلية العلوم السياسية كان نصيبهن من السفر الكويت والبحرين، لأسباب تخدم منهاج الإدارة، فقد كانت الكويت تشهد ازدهارا سياسيا لافتا، بينما البحرين كانت تطبق سياسة توطين الوظائف لأول مرة على صعيد دول الخليج، وكان مطلوبا أن نطلع على تلك التجارب الرائدة) في هذه الأسطر القليلة لخصت سبب الرحلة، ومن قام بها، وإلى أين، ولماذا، في مكان آخر من الكتاب تذكر الكويت كما ينبغي لمؤرخ أن يذكرها، وتذكر الكويت كما ينبغي لعاشق أن يذكرها، وتذكر الكويت كما ينبغي لسائح أن يذكرها، فتصبح صورة الكويت اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا واضحة، وكذلك فعلت مع بيروت وزحلة وبراغ وياشيموف وإسطنبول وبانكوك وفلورنسا وميونخ وبادن وبروكسل وفينيسيا وفيرونا وفيينا ودبروفنيك وبرشلونة.

لقد تركت عائشة سلطان بصمة مميزة في أدب الرحلات، بصمة تميزها عن غيرها ممن كتبوا في هذا المجال لما بين طياته من معلومات قيّمة ونادرة، دون إسهاب ممل، أو تكرار أو إعادة، فهو بمثابة سيرة موجزة لعصرنا الراهن.

مكانان أخذا حيزا كبيرا من كتابها، هما دبي والقاهرة. ولا عجب، فدبي هي مسقط رأسها، والقاهرة هي (بيضة القبان) بين العواصم العربية. في حديثها عن دبي تذهب إلى البدايات، إلى نشأتها، إلى حي أو فريج عيال ناصر (سكنته عائلتي سنوات الخمسينيات، كان أهله مزيجا من عائلات دبي وآخرين قدموا من إمارات أخرى، كان يطل على البحر مباشرة) ثم تنطلق بوصف سكان ذلك الفريج، وأعمالهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، وعاداتهم، وتقاليدهم، وحركة التطور التي شهدتها مدينتهم (كسرت المدرسة الرسمية للبنات محرما كان سائدا حتى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي تقريبا. وبدأت بعثات التعليم من دولة الكويت تتّولى بناء المدارس عندنا في دبي كما في باقي الإمارات) وتتابع رصدها لتلك التطورات، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية بسرد يجتاحه الحنين بين سطر وآخر (حينما أرى البحر داخل أحشاء المدينة المكتظة بالزحام، والبشر، والتلوث، والقسوة، أشعر بأنني أسقط أمام الحنين كطفلة فاجأها سيل جارف.. متى سيشرق البحر في مدينتي كالنهار؟ متى سيحق لأمي أن ترى بحرها كل يوم كما كانت تفعل، يوم كان بيتنا يجاور البحر والأصداف ورمل الشاطئ وقوارب الصيادين؟). وتذهب في وصف الناس (سكان تلك المنطقة) رجالا ونساء، الكبار منهم على وجه التحديد، (لنحتفظ قدر الإمكان بهوية المدينة وتاريخها) هذا ما تقوله. وكأنها تريد أن تملأ العقل الجمعي بما كان خشية من أن تطمس تلك المعالم حضارة الإسمنت. في حديثها عن دبي تتداخل سيرتها الشخصية مع سيرة المكان، ولا عجب، فهي جزء منه، وحياتها جزء من زمن صيرورة المكان، والتحولات التي طرأت عليه.
أما مصر، أو القاهرة على وجه التحديد فقد كانت مراحا ومستراحا (في حي الحسين كانت قهوة الفيشاوي التي اعتاد أن يجلس فيها أدباء مصر ومشاهيرها أيام زمان، كان المقهى بسيطا جدا، وخاليا من أي ملمح من ملامح الفخامة، مع ذلك فأنت تشعر بروح حلوة تجتاحك وأنت تجلس في هذا المقهى، أنت القادم من بلدان الحداثة والمباني العملاقة والبراقة، هذه الروح لها علاقة بتفاعلك مع المكان، وتاريخه، فأنت لا تحب أو تتفاعل مع خشب الطاولات أو رائحة البن العبقة، إنك تتفاعل مع روح القاهرة القديمة، مع تاريخ يمتد إلى مئات السنين) هذا الزمن الذي يشعر به كل من زار القاهرة، ونظر إليها بعين المتبصر، تعرج على ذكره كلما رأت معلما تاريخيا، أو مسجدا، أو تحفة فنية، أو تذكرت حدثا، وبتلك الطريقة تستكمل صورة مصر منذ الفراعنة إلى ثورة يناير/كانون الثاني. بطريقة تذكرنا بأحد تعاريف البلاغة: (البلاغة في الإيجاز).
في حديث مباشر معها عن المجتمع المصري، أسهبت في تحليل بنية ذلك المجتمع، فاستغربت أنها لم تكتب تلك المعلومات المهمة على المستوى السوسيولوجي في كتابها، فقالت: هناك حساسيات لا يجوز اللعب حتى على أطرافها، هذه الملاحظة، أو الحذر رافقها في حديثها عن كل المجتمعات التي تحدثت عنها في كتابها. لقد تركت عائشة سلطان بصمة مميزة في أدب الرحلات، بصمة تميزها عن غيرها ممن كتبوا في هذا المجال لما بين طياته من معلومات قيّمة ونادرة، دون إسهاب ممل، أو تكرار أو إعادة، فهو بمثابة سيرة موجزة لعصرنا الراهن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية