بيرون الإيلي
«الشك هو حليف الحكمة والحذر، وعدو الجهل والتهور.» (سقراط)
عندما نبحث عن المعنى في الحياة والاشياء قد لا نختلف لو قلنا إننا ندركه في اكتشاف العالم من جديد، قد تكون في المعرفة والنظريات العلمية، أو في الحياة اليومية من قبيل الهواية والعلاقات بالآخرين مثلما نمط معين يدرك من خلاله الفرد معنى جديدا يتيح له معرفة الأشياء في نفسها مثل وعي الإنسان بنفسه وجسده، أو حينما نتعرف عن المعنى في الآخر والعلاقة بيننا وبين الموضوع الخارج عنها، ولا مندوحة في هذا إلا بعد أن يخرج ويشذ عن العادة والمألوف ثم يكسر طوق الأنماط التي تستدير عليه من أجل أن يكتشف معنى جديدا يكذّب فهم حقيقة تُعاش لنمط معين، أو عقيدة أو فكرة واحدة، لذا من الجيد أن يرتاب الإنسان بمعرفته وطريقة عيشه، لكن هذا الشك يختلف سلفا عند الطائفة الأبيرونية على وجه تحديد، فكيف ما يكون هذا الاكتشاف، والبحث لا يكون إلا عن طريق السعي وراء المعرفة والعيش بوصفه البحث عن المعنى والخروج عن مفهوم تسليع الحياة وقولبتها.
لم يكن مفهوم الارتيابية أو المرتاب عند الطائفة الأبيرونية يساوي الشك ولم يصبح الشك (doubt) جزءا من الارتيابية إلا في العصور الوسطى، لكن قبل ذلك المرتاب الأبيروني لا يشك في أي شيء، بل هو أقرب إلى الحيرة بخصوص الأشياء لأن أبحاثه تتركه دون سبب يدعو للموافقة أو الرفض كما أن الشك يستلزم فهم ما يشك فيه أولا. من هنا جاءت مهمة الباحث بوصفه الأقرب موقفا إلى تعليق الحكم عند الطائفة الأبيرونية.
بيرون الإيلي (430- 490 ق. م) الذي سبق فترة سقراط آنذاك كان ملهم الفلسفة الأبيرونية، وقيل إن فلسفة أنيسيدس في القرن الأول كانت امتدادا لفلسفة أبيرون، حيث كتب عنها المقالات الأبيرونية، لكن لسوء الحظ أن هذا العمل لم يتم العثور عليه مثلما فقدت الكثير من المعارف، هذا التأثير امتد إلى ما بعد أفلاطون وأرسطو إلى سكيستوس ( 160- 210 ق. م) حيث كتب أهم أعمال تحت عنوان تم فقدان البعض منهم (Adversus Mathematikos) وهي عبارة لاتينية تعني ضد الرياضيات.
البحث أو المعرفة عند الأبيرونية
لقد تضمنت فلسفة بيرون ثلاثة أجزاء في معرفة الأشياء، أولها تصوّر في الكيفية التي تكون عليها الأشياء، وثانيها إقرار حول الموقف الذي يلزمنا اتخاذه إزاء هذه الأشياء في ذاتها، وثالثها إقرار الموقف، لكن في المقام الأول العالم غير قابل للتحديد بقدر ما هو غير قابل للقياس، ولهذا فإن حواسّنا لا تخبرنا بالحقيقة، أو هي عاجزة عن إخبارنا بها، لذا يجب علينا أن لا نثق في حواسّنا، وأن لا نقبل أي شيء إزاء الموقف العملي، هذا هو التصوّر الأولي في المعرفة عند أبيرون، لكنه أخذ ينضج مع سكيستوس في تعريفه لها: «الارتيابية هي القدرة على عرض تعارضات ضمن أشياء تظهر أو يفكر بها بأي طريقة، وهي قدرة تجعلنا بسبب التكافؤ في القوى بين المواضيع والأشياء المتعارضة، نعلق الحكم أولا ثم نشعر براحة البال ثانيا «فالمرتاب مهمته الأولى البحث عن الأشياء التي تعارض الشيء الذي يبدو له في المقام. من هنا أخذت الارتيابية عند الطائفة الأبيرونية مهمة السعي والبحث من خلال المقدمات الموضوعية لكنها تتوثق بطريقة الضد أو ما يصلح أن يكذب هذه المعرفة أو تلك. وهذا يشبه إلى حد ما عمل الفيلسوف كارل بوبر حينما يبحث عن سبيل لتكذيب نظريات علمية.
الحياة والموقف عند الأبيرونية
حينما لا يثق ولا يعتقد الأبيروني في الحواس يعود خطوة إلى الوراء في البحث عن القرائن والاحتمالات، لكنه في الوقت نفسه يعتدل في الرأي والمشاعر تجاه العيش وفي حياته. فهو لا يعتقد مسبقا بقدر ما يتفاعل مع ما يظهر له وقد تكون هذه الحقيقة التي يبحث عنها المرتاب بالمصادفة وحول هذه يخبرنا سكتوس حول الرسام أبيلز: إنه ذات يوم كان يرسم حصانا وإنه أراد يعرض في لوحته رغوة في فم الحصان، لكنه فشل في ذلك إلى حد جعله يتخلى عن الفكرة فأخذ الإسفنجة التي كان يمسح بها الألوان من فرشاتها ورماها على اللوحة وحين اصطدمت باللوحة، أنتجت تمثيلا لرغوة في فم الحصان. يتضح من هذا أن تعليق الحكم عند المرتاب الذي يتلوه راحة البال تأتي عندما لا يفترض أن يؤسس للحقيقة، بل يتعاطى مع ما تتجلى له من الحقائق وشتان ما بين الاثنين، بالتالي يبتعد الأبيروني عن الفلسفات الأخرى بعدم الدوغمائية في تأسيس الحكم في الأشياء وتختلف عن النظرة الأبيقورية التي تعتقد بيقينيات الحياة على الموت أو العكس.
الأخلاقية عند المرتاب الأبيروني
المرتاب ليس من لا يخاف عقاب الأعمال، أو العالم الآخر بسبب عدم اعتقاده بالجزاء أو المصير، فكل ما في الأمر إنه يبحث عن الأشياء الأكثر واقعية والأقرب إلى الحقيقة في الواقع من أجل أن يعلق الحكم عليها. لكن الإشكال الذي وجه لهم حديثا إنه ماذا لو كان الأبيروني يعيش النازية البشعة، ماذا يكون موقفه الأخلاقي منها، وكيف يعلق حكمه عليها وفي الوقت نفسه يأخذ عليهم أنهم يعيشون ويقولون بتقاليد وعادات المجتمع مع تحفظهم منها، ويمكن أن يرد هذا الإشكال من خلال فهم التعريفات الأبيرونية، حيث إن مدار البحث عندهم هو البحث عما يكذب الزعم بالحقائق والدوغمائية التأريخية فليس من شك ان تتعارض أوهام النازية وغيرهم ممن يعتقد أنه الحق المطلق مع متبنيات الأبيروني في الموقف والحياة الأخلاقية. ومثلها السرديات والأفكار والأسطورة، فهو لا يعلق الحكم إلا بعد أن يعجز عن إثبات عدم أحقية هذه الأفكار، لذا تجده يقف بمسافة آمنة من الأشياء التي لم تتجل لها الحقيقة بعد.
كاتب عراقي