التوتر في لبنان حاضر في كل مكان، من تهديدات من الجنوب صادرة من قائد الجيش الإسرائيلي الذي هدد بإعادة لبنان إلى العصر الحجري، في رسالة لحزب الله حليف إيران، إلى إطلاق النار على سيارة وزير الدفاع اللبناني في حكومة تصريف الأعمال موريس سليم بمحلة جسر الباشا بمنطقة الحازمية شرقي بيروت.
وهناك التوتر الذي شهدته الضاحية الجنوبية في العاصمة اللبنانية يوم الخميس، بعد يوم من المواجهات بعد قلب شاحنة محملة بالأسلحة بحراسة حزب الله وأدت لمقتل شخصين، وأطلق الرصاص بجنازة عضو حزب الله، أحمد قصاص الذي قتل يوم الأربعاء. وقام الجيش اللبناني الذي تقدم الولايات المتحدة الدعم العسكري له بنقل الأسلحة في الصناديق إلى «مركز عسكري» ولم يقل البيان من قام بنقل الأسلحة وأين انتهت. وقال إن «قتالا» اندلع بين الحرس المرافقين للشاحنة وسكان المنطقة.
ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» (10/8/2023) عن شاهد عيان قوله إن سكان القرية حاولوا المساعدة بعد انقلاب الشاحنة لكن الحرس أصيبوا بالذعر وأمروا كل واحد بالمغادرة وأن الشاحنة محملة بشحنة لحزب الله، وهو ما قاد للتوتر في المنطقة المسيحية المعادية لحزب الله. وانتشرت لقطات على منصات التواصل الاجتماعي والتي كشفت عن المواجهات، مع أنه لم يتم التأكد من صحتها. وفي لقطة تظهر رجالا حول الشاحنة يصرخون ويرمونها بالحجارة، وفي لقطة ثانية ظهر رجلان وهما يطلقان النار من موقع غير معروف. وفي لقطة ثالثة، رجلان يطلقان النار من كنيسة على ثالث في زقاق. ولقطة رابعة تظهر مقتل رجل تم الكشف عن هويته، فادي بيجاني من المنطقة. وسارعت الأحزاب المعادية لحزب الله لشجب الحادث والفوضى التي تكشفت في أعقابه، وزاد غضبهم عندما أصدر حزب القوات اللبنانية بيانا يوم الأربعاء، زعم فيه أن مسؤولا وجد ميتا في وقت سابق تعرض لكمين واغتيل. وجاء في البيان أن صور كاميرا المراقبة تظهر سيارتين تحملان عددا من الأشخاص قامت باعتراض طريق المسؤول في الحزب إلياس حصروني واختطافه، وان الأدلة والصور سلمت للسلطات الأمنية مع طلب تحديد هوية المتورطين في أقرب وقت. وتم تداول شريط على منصات التواصل لإمرأة من المنطقة المسيحية تهاجم حزب الله وتطالب بالتسليح وتقسيم لبنان، وناشدت البطريرك الماروني حمايتهم مثلما يحمي حسن نصر الله الشيعة.
توتر توتر
إلا أن الحادث الأخير هو جزء من الجو السياسي المتوتر في لبنان بعد فشل البرلمان باختيار رئيس خلفا للرئيس ميشيل عون الذي غادر سدة الحكم قبل عام تقريبا. ومنذ ذلك الوقت تدير شؤون البلاد حكومة تصريف أعمال وسط اختلافات النخب التي تواصل حماية نفسها والدفاع عن مصالحها. ولدى اللبنانيين ما يخشوه على مصيرهم وحياتهم، فهناك أزمة اقتصادية خانقة وتزايد معدلات الفقر الذي لم يفرق بين المواطنين واللاجئين، ثم هناك الاقتتال بين فتح وفصيل إسلامي أسفر عن مقتل مسؤول كبير بحركة فتح في مخيم عين الحلوة قرب صيدا اللبنانية. كما ويعاني لبنان من زيادة معدلات هجرة العقول الباحثة عن فرص أفضل خارج البلد بسبب الأزمة المالية وعدم تمكن المواطنين من الحصول على مدخراتهم من البنوك. ولم يتفق الساسة على تعيين حاكم لبنك لبنان بعد خروج حاكمه السابق رياض سلامة الذي بقي على رأسه لثلاثة عقود.
معاقبة سلامة
ويواجه سلامة سلسلة من التحقيقات في فرنسا وألمانيا. وأعلنت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا عن إضافته لقائمة العقوبات بتهم الفساد المالي لتحقيق الثراء لنفسه وشركائه. ونفى سلامة مزاعم الدول الثلاث التي تفرض العقوبات وقال إنه سيطعن فيها. وقال إن بعض أصوله جمدت بالفعل في تحقيقات سابقة. وقالت وزارة الخزانة الأمريكية في بيان إن «تصرفات سلامة الفاسدة وغير القانونية ساهمت في انهيار حكم القانون في لبنان» وإن «سلامة أساء استغلال منصبه في السلطة بما ينتهك على الأرجح القانون اللبناني من أجل إثراء نفسه وشركائه من خلال تحويل مئات الملايين من الدولارات عبر شركات وهمية من الباطن للاستثمار في عقارات في أوروبا».
ملاذ المجرمين
وعلق ديفيد شينكر بمقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» (2/8/2023) قائلا إن لبنان هو ملاذ عالمي للمجرمين. وقال شينكر الذي عمل مسؤولا بإدارة دونالد ترامب إنه «حتى لو كانت الملاحقات القضائية التي تشتد الحاجة إليها ضد أعضاء حزب الله غير متاحة حاليا، إلا أنه يتعين على الجهات المانحة الضغط على بيروت لتسليم الأفراد الآخرين المتهمين بارتكاب جرائم في الخارج، بدءاً من حاكم مصرف لبنان، سلامة».
وأضاف إنه لم يتم القبض على سليم عياش، العضو في حزب الله والذي أدانته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي حققت بمقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري عام 2005 مثلما لم يتم الكشف عن المتورطين بانفجار بيروت الذي حلت ذكراه الثالثة في 4 آب/أغسطس.
وهو الحادث الذي يعد أكبر تفجير غير نووي في التاريخ وأدى لتدمير مرفأ بيروت ومناطق في العاصمة بيروت وسمع دويه في جزيرة قبرص. ونتج الانفجار عما يقرب من 3000 طن متري من نترات الأمونيوم المخزنة بشكل غير مناسب. وأسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة أكثر من 6000 آخرين وتشريد نحو 300 ألف شخص. ويقول شينكر إن حزب الله كان مسؤولا عن الكارثة إلى جانب عدد من المسؤولين الحكوميين. وكما هو متوقع في لبنان، توقفت الإجراءات القانونية المتعلقة بالتحقيق. ويعلق شينكر أن الذكرى السنوية المتعلقة بمطلوب في قضية اغتيال سياسي والذكرى السنوية لانفجار كارثي لم تحدد الجهة المسؤولة عنه، تقدمان صورة عن «ثقافة الإفلات من العقاب» المستمرة في لبنان، وكذا الدور الذي يلعبه لبنان كملاذ للمجرمين المعروفين وغير المعروفين والمشتبه فيهم والمطلوبين في الخارج. وهذا جزء من مشكلة عميقة تسهم فيها الحكومة اللبنانية بشكل فاعل كما يقول.
فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الأزمة الاقتصادية، بات لبنان دولة فاشلة تعتمد على الدعم الدولي الذي يهدده اليوم احتقار بيروت للمساءلة، كما يقول.
ورغم وجود استثناءات في تعامل لبنان مع المطلوبين إلا أنه أصبح بالفعل ملاذا للفارين من العدالة، نظرا لنهجه المتساهل. واشار إلى قضية رامي عدوان، سفير لبنان في فرنسا الذي اتهم في حزيران/يونيو باغتصاب موظفتين في سفارته. وبعد التحقيق في هذه الادعاءات وغيرها طلبت باريس من بيروت رفع الحصانة عن الدبلوماسي للسماح بمواصلة محاكمته في فرنسا. إلا أن وزارة الخارجية اللبنانية استدعته إلى بيروت، بدلا من إجباره على مواجهة الادعاءات ضده، وبذلك وفرت الحماية له من الملاحقة القضائية.
ونفس الأمر مع سلامة، الذي تمتع بحصانة من مخاطر الملاحقة القضائية في الخارج. وفي أيار/مايو أصدرت فرنسا وألمانيا مذكرات توقيف دولية بحقه بتهم الفساد. فهو متهم باختلاس حوالي 300 مليون دولار من البنك المركزي خلال فترة رئاسته لبنك لبنان التي انتهت بالانهيار المالي. ونظرا للكسب غير المشروع الدائم والمستشري الذي أدى إلى إفلاس الدولة، تكاد الجرائم المزعومة لسلامة غير واضحة.
ولكن بالنسبة للكثيرين في لبنان والخارج، فقد أصبح سلامة رمزا لسوء الإدارة الرسمي. وأمر القضاء اللبناني بمصادرة جواز سفره بحجة منعه من الهرب. ومن هنا، فمن المحتمل أن يكون منعه من السفر إلى الخارج والإدلاء بشهادته في أوروبا محاولة لمنعه من الكشف عن معلومات خاصة بالدولة وربما يورط العشرات من كبار السياسيين والمصرفيين في لبنان.
وهناك كارلوس غصن الرئيس التنفيذي السابق لشركتي رينو ونيسان. فقد اعتقل رجل الأعمال الذي يحمل الجنسيات اللبنانية والبرازيلية والفرنسية في اليابان عام 2018 بتهمة سوء الإدارة المالية وإساءة استخدام أصول الشركة. وعندما كان خارج السجن بكفالة في عام 2019 تم تهريبه خارج اليابان في صندوق كبير لأجهزة الموسيقى، ليجد في النهاية الملاذ الآمن له في لبنان. ويعيش الملياردير اليوم حياة مرفهة في بيروت مع زوجته، على الرغم من كونه مطلوبا في طوكيو وباريس، وتقدر ثروته بـ 70 مليون دولار.
ولا يقتصر الأمر على الفارين من العدالة بل وعشرات الاغتيالات السياسية في لبنان التي لم يبت فيها القضاء ولم يعاقب مرتكبيها. ففي شباط/فبراير 2021 مثلا، اغتيل لقمان سليم، الناقد البارز لحزب الله، على يد فريق الاغتيالات في معقل الميليشيا الشيعية، ولم يتم إحراز أي تقدم في هذه القضية.
ضغط الخارج
ويرى الكاتب أن نهج بيروت غير المتناسق من العدالة، قد يكون مصدر انزعاج الدول المانحة. فبعد أكثر من ثلاث سنوات على بدء الأزمة المالية التي أدت لخسارة الليرة اللبنانية 98% من قيمتها وتخلف لبنان عن سداد ديونه السيادية، بات لبنان يعتمد وبشكل كبيرعلى المساعدات الأجنبية.
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في السنوات الأخيرة عن وضع أفراد النخبة اللبنانية على قائمة العقوبات بتهم الفساد وبناء على «قانون ماغنيتسكي العالمي» الأمريكي و«قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية». وحظيت هذه العقوبات بدعم من الحزبين في الكونغرس الأمريكي ورافقها إحباط كبير نظرا لعدم تحقيق تقدم في لبنان، فقد دعا بعض المشرعين الأمريكيين، وأبرزهم السناتور تيد كروز، إلى إنهاء المساعدة الأمريكية للبنان بسبب فسادها وتسامحها مع حزب الله. ومع ذلك فالعقوبات وإن كانت أداة مفيدة إلا أنها لا تحل مشكلة الإفلات من العقاب في لبنان. ولن يؤدي انتخاب رئيس لبناني جديد أو تشكيل حكومة جديدة إلى تغيير في السياسة. وعليه يجب على واشنطن التركيز على تعزيز حكم القانون. وأشار الكاتب إلى اللجنة الخماسية: الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر التي اجتمعت في الدوحة للضغط على لبنان لإجراء انتخابات رئاسية وتشجيع الإصلاح الاقتصادي. وهددت «اللجنة الخماسية» بفرض عقوبات على الأفراد الذين يعرقلون الانتخابات لكنها لم تحدد أي تداعيات على من يعرقلون الإصلاحات وتنفيذ حكم القانون.
وبدلا من التركيز على انتخاب من سيكون بلا شك رئيسا تنفيذيا ضعيفا آخر، يجب على واشنطن وشركائها التركيز على المساءلة، بدءاً من سلامة.
ومن هنا يقترح الكاتب على «اللجنة الخماسية» التفكير بإمكانية اشتراط سفر الوفد اللبناني إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر بتسليم سلامة إلى فرنسا.
لا تغير في تنظيم المرفأ
وترى نعوم ريدان بمقال نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى (9/8/2023) أن انفجار بيروت كان يجب أن يرغم الدولة اللبنانية على اتخاذ تدابير جذرية مع السفن غير المستوفية للمعايير، وإصلاح قطاعها البحري، وضمان محاسبة المسؤولين عن سوء إدارة المرافئ والفساد. وبعد ثلاث سنوات على الكارثة، تشير بعض المصادر إلى أن السفن التي تعاني من عيوب كبرى تستمر في دخول المرافئ اللبنانية ومغادرتها دون عوائق وسط تدخل سياسي مستمر في التحقيق في قضية الانفجار. ومنذ انفجار مرفأ بيروت، استمرت المرافئ اللبنانية في استضافة سفن تشوبها عيوب كبيرة.
تحقيق دولي
ويقول مايكل فخري في مقال بالجزيرة الإنكليزية (6/8/2023) إن تحميل النخبة اللبنانية المسؤولية عن التفجير هي الخطوة الأولى للتعافي من الكارثة. فبعد ثلاثة أعوام لم يحاسب المسؤولون عن الانفجار، في وقت تستمر فيه النخبة اللبنانية تخريب التحقيقات والعملية القضائية التي أعلن عنها بعد الحادث. ولا يكافح الضحايا وعائلاتهم للحصول على العدالة بل ويحاولون التعافي من التفجير الذي حدث وسط أزمة زادت سوءا بسبب النخبة نفسها. فمنذ عام 2019 انهارت قيمة العملة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي بشكل أدى إلى تضخم من ثلاثة أرقام وانتشار الفقر والجوع ونتج عنها موجات من الهجرة. وحسب البنك الدولي، فهذا الوضع كساد مقصود هندسته النخبة السياسية للبلد. والأزمة هي واحدة من الانهيارات الاقتصادية التي شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. ويقول الكاتب إن وضع الاقتصاد اللبناني وغياب التحقيق بالمرفأ هو نتاج نظام الإفلات من العقاب في لبنان. ومن هنا فتحقيق دولي في التفجير سيكون خطوة أولى وكافية لتحميل السلطات اللبنانية المسؤولية ومنح اللبنانيين الأمل وسط معاناة لا تنتهي يعيشونها. ورغم الدعوات المتكررة في لبنان ومن الخارج بتحقيق بدون تدخل سياسي، إلا أن الذكرى الثالثة شهدت رسالة مفتوحة وقع عليها 350 فردا ومنظمة في داخل وخارج لبنان، بمن فيهم عدد كبير من الضحايا دعما لقرار في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لتحقيق مستقل في تفجير مرفأ بيروت.
ويواصل لبنان أزماته وتوتراته اليومية، والمفارقة أن تلفزيون لبنان الذي سجل في عصوره الذهبية ذاكرة لبنان الحديثة، يواجه مشكلة التوقف عن البث. وصدرت رسائل متناقضة من وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد المكاري الذي قال إنه لم يصدر أي قرار بإغلاق تلفزيون لبنان ونقابة العاملين بالتلفزيون التي أكدت أن الأزمة لم تنته. وسبب الأزمة هي إضراب العاملين فيه بسبب عدم تلقيهم رواتبهم منذ عام 2021. وطالما كان تلفزيون لبنان محلا للتندر والسخرية بسبب تأخره في بث الأخبار أو بث برامج قديمة، إلا أن أزمته هي جزء من أزمة بلد فاشل، وهو عنوان عن زمن كانت فيه لبنان تقدم أجمل ما لديها في الفن والمسلسلات والمقابلات، وهناك من يقول إن أرشيفه المهم أتلف في معظمه أو بيع لجهات خاصة، لبنان للبيع وينهار ويهرب منه أبناؤه وتتمسك النخب الطائفية بمكاسبها.