ميناء الدوحة القديم يحتمي بمياه الخليج مطلاً على أبراج شاهقة ويروي قصص صائدي اللؤلؤ

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
1

الدوحة ـ «القدس العربي»: الزائر لقطر يستقبله من سمائها قبل نزول طائرته مطار حمد الدولي، ميناء الدوحة القديم، راسماً لوحة مضيئة تلفت الأنظار، بموقعه الاستراتيجي، والذي أصبح في السنوات الأخيرة وجهة سياحية، تغازل الجميع لزيارتها حتى تروي لهم حكايات مدينة خجولة كانت إلى وقت قريب مغمورة حول مياه الخليج، قبل أن تقرر في غمرة من الزمن أنها ستكبر وتعانق أبراجها السماء.

وصلت إلى منطقة الميناء الواقعة في قلب العاصمة القطرية الدوحة، غير بعيد عن سوق واقف الحيوي، الذي ارتبط اسمه كثيراً بالدولة، أي قطر، التي احتلت واجهة الأحداث الدولية، وتحديداً خلال مونديال 2022. الوصول لم يكن صعباً فشارع الكورنيش الحي والنابض بالحياة، يقود الزائر من دون مشقة نحو وجهته، وتحديداً مع إنارته الفريدة التي تضيء المكان، وهي المصنوعة من فولاذ على شكل سعف نخيل، ممتد لعدد من الكيلومترات، ويتناغم مع تعرج الشارع، وله إيحاء ضمني بمناخ المنطقة الصحراوية. يرتبط الميناء لدى الكثير من الدول بالصيد والتجارة وتبادل المواد، أما في قطر فكان إلى عقود خلت، مصدراً أساسياً للدخل، وإعالة الأسر من خلال مهنة صيد اللؤلؤ. عبرنا الشارع المحيط بمتحف الفن الإسلامي الذي أصبح لوحده أيقونة تميز قطر، ويسترعي الانتباه بهندسته وكونه لؤلؤة تربض شامخة فوق مياه البحر، وتتطلع باهتمام لكل ما يجري حولها وتتابع أدق تفاصيل رحلة البناء.

بحر وميناء وأبراج

تركنا خلفنا المتاحف، ومناطق الجذب السياحي، حتى صرنا في محيط ميناء الدوحة القديم، الذي يتحول تدريجياً لمحطة رئيسية للرحلات البحرية السياحية، ومقصداً لعشاق البحر، وحيث تربض سفن عملاقة ويخوت فاخرة. كان الميناء سابقاً مركزاً تجارياً تمر عبره السفن التقليدية، وشرياناً اقتصادياً للدولة التي نوعت مؤخراً من اقتصادها وصارت تمنح الاهتمام لكل قطاعات الخدمات. يمكن أن ترى من بعيد وأقصى ركن في ميناء الدوحة القديم مجموعة واسعة من المرافق والخدمات متاحة لزواره من المسافرين، بما في ذلك مكاتب الهجرة، والجمارك، وخدمات الصرافة، ومواقف سيارات الأجرة والحافلات، التي تقوم بجولات في المدينة، وكذلك السوق الحرة، ومقهى، ومناطق انتظار ركاب وموظفي السفن السياحية.
وأينما التفت الزائر في المكان يرى الدوحة أمامه، ومن زواياها المختلفة، ويعيش التحولات التي شهدتها قطر، بما فيها نهضتها العمرانية التي توسعت وامتدت في كل مكان، بخطوات لإعادة إحياء تراث الأجداد.

إعادة إحياء تراث الأجداد

بدأ تطوير الميناء القديم وتحويله إلى مرفق سياحي بحري جذاب، بعد عام 2017 حين تم نقل العمليات البحرية إلى ميناء حمد الجديد، خارج أسوار العاصمة الدوحة، وكانت الخطة الاستفادة من المرفق لإبراز تاريخ البلد، وإتاحته للزوار من كل مكان، للمواطنين والمقيمين، مع اعتماد نمط عمراني أصيل يستلهم من النمط القديم الضارب بعمق تاريخ المنطقة. المتجول في المكان بعد أن يتجاوز الحديقة الواسعة على مدخل الميناء القديم وبعد أن يخلف وراءه شارع الكورنيش الرئيسي، يتسوعب ملامح الخطة التي روعيت خلال إعادة تأهيل المرفق. من الواضح جداً أن الخطة كانت بارزة أمامهم، وهي الاستفادة من هذا المرفق أي الميناء القديم الواقع في منطقة استراتيجية، وجعله ملاذاً ومقصداً، خصوصاً لموقعه المميز القريب من مرافق الجذب السياحي على غرار متحف قطر الوطني، ومتحف الفن الإسلامي، وحديقة البدع، وممشى الكورنيش، وسوق واقف، والمحطة الرئيسية، وملعب 974.

نمط عمراني أصيل

بعد تجاوز المدخل والحدائق المنتشرة يمنة ويسرة، تظهر المباني تدرجياً، واللافت فيها أنها مستوحاة من تصميم الأبنية قديماً مراعاة للبيئة القطرية القديمة، وهو نمط عمراني محافظ بنوافذ صغيرة وارتفاع خجول، وشوارع ضيقة وهذه يحكمها الطقس الذي يشهده البلد. وأبرز ما تلتقطه العين عند السير في المكان، الألوان، وتحديداً الزاهي منها، والتي تعكس ألوان الحاويات المستخدمة سابقاً في الميناء خلال عمليات الاستيراد والتصدير قبل 2017.
يتحدث مجموعة من القطريين قابلتهم في مطعم مطل على البحر، أن ميناء الدوحة القديم أصبح محطة انطلاق وعودة للسفن السياحية، ووجهة لرحلات السفن السياحية العملاقة التي كانت حاضرة خلال بطولة كأس العالم التي استضافتها قطر. ويعتزون كون ميناء الدوحة القديم بمرافقه المطورة، تحول إلى نافذة تطل منها العائلات والشباب على مياه الخليج خلال العطلات، للتمتع بالأجواء الجميلة وسط المناطق الخضراء، وتناول الوجبات وممارسة الرياضات البحرية أو المشي.

قصص الصيد والغوص

أخبرني الكهل حسن الملا عن أعمال تطوير مشروع ميناء الدوحة القديم، بما فيها إنشاء حي الميناء الذي يوفر للزوار خدمات عديدة ومتنوعة، أهمها سوق تجاري، وسوق للأسماك ومحلات تجزئة ومطاعم ومقاه، بالإضافة إلى فندق ومراس للمراكب والسفن ومسارات للدراجات الهوائية والمشي، ومحطة لاستقبال السفن البحرية السياحية الكبيرة. تحول ميناءُ الدوحة الذي تكلف تطويره نحو مليار ونصف المليار دولار، إلى مرفأ دائم لاستقبال البواخر السياحية، وأصبح أحد المعالم السياحية في قلب العاصمة، والمرفأ يسمح باستقبال باخرتين عملاقتين في آن واحد، والتوقعات أن تجذب دولة قطر نصف مليون زائر على متن البواخر السياحية.
يشير محدثنا أن موقع الدوحة سمي قديما بـ«البدع» قبل أن يُطلق عليها اسمها الحالي خلال القرن التاسع عشر، ويُعتقد أن اسم «الدوحة» جاء من كونها بنيت على إحدى «الدوحات» وهي الخلجان المستديرة. وتنتشر هذه الرواية لدى العديد من المؤرخين ممن كتبوا عن قطر وعصورها. وموقع الميناء في قلب الدوحة التي اتخذها الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني (جد أسرة آل ثاني الحاكمة في قطر) مركزاً ومقراً لحكمه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واستمرت كذلك فيما بعد، جعله في قلب التحولات التي شهدتها الدولة. وفي العاصمة الدوحة وُقعت سنة 1868 أول اتفاقية تعترف فيها بريطانيا بحكم الشيخ محمد بن ثاني الذي عاش فـي «البدع» مع ابنه الشيخ جاسم إلى أن توفي الشيخ محمد سنة 1878. يستذكر كبار السن من القطريين، الموقع الذي أصبح يعج بالسياح والزوار، أيام ماكانت الموانئ موقعاً استراتيجياً في الدولة، حيث من المكان يمكن أن نرى فرضة الشيوخ وهي من الوجهات السياحية العصرية والمطورة الجديدة بالدوحة بعد أعمال تطويرها وإتاحتها أمام الزوار وتوفير كافة الخدمات السياحية المهمة لجعلها وجهة مميزة للجميع تتماشى مع مفهوم أنسنة المدن. وتم تخصيص الواجهة البحرية للمشاة فقط، وتغطية 40 في المئة من مساحة الفرضة بالمسطحات الخضراء والأشجار، بالإضافة إلى توفير مقاعد للجلوس وإنارة تعمل بالطاقة الشمسية.

حكايات اللؤلؤ

كما تُعد فرضة الشيوخ الواقعة في محيط ميناء الدوحة من أقدم مرافئ الصيد بالدوحة، حيث شهدت منذ بدء إنشائها عدة أعمال توسعة حتى وصلت إلى الشكل الحالي، وهي تبرز جهود إحياء التراث والمحافظة على الموروث.
يروي القطريون أنه من «قديم الزمان» وحتى اكتشاف النفط، وفّر صيد اللؤلؤ فرصًا للعمل والمعيشة لسكان المشيخات المطلة على الخليج العربي. ولأنه كان النشاط الأساسي في المنطقة في تلك الأزمان، فقد شكّل صيد اللؤلؤ أيضًا النظرة الاجتماعية والثقافية للمنطقة، حيث كانت مهنة مغرية ومخيفة في نفس الوقت. خلال جولاتي في دروب ميناء الدوحة وبيوته التي صارت مطاعم ومقاه تغص بالزبائن، لا تخلو الأحاديث عن تجارة اللؤلؤ، وهي التي شكلت قبل قرن واحد فقط في قطر ثلاثة أرباع صادرات المنطقة، وكان الغوص مهنة شائعة للقطريين قبل اكتشاف النفط والغاز. كان الجميع يستعيد ذكريات الماضي ورحلات الغوص الطويلة التي كانت تبعد صيادي اللؤلؤ عن منازلهم لشهور، يحبسون فيها أنفاسهم تحت الماء في كل مرة لمدة تصل إلى دقيقتين وفي عمق يصل إلى 18 متراً، في ظروف صعبة تسببت أحياناً في خسائر في الأرواح.

حارس ذاكرة مدينة متجددة

يعتز أهل البلد بالتأكيد أن كل قطري تقريباً لديه قريب كان غواص لؤلؤ في الماضي. ونحن نراقب غروب الشمس وانعكاس أشعتها على مياه الخليج، تراءت لنا الأبراج الشامخة التي تعانق السماء، وتشع أنوارها وترى من كل مكان. وشهدت الدوحة في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين نمواً كبيرا في بناء التجمعات السكنية الكبيرة والأبراج الشاهقة، كما أنشئت شبكة كبيرة من الطرق السريعة والأنفاق والجسور. بدأت العائلات القطرية تصل المكان وتتجول في أرجائها تحديداً مع افتتاح محلات تبيع كل شيء تقريباً، من أغراض السفن والصيد، إلى الملابس، والتذكارات، ومنتجات تقليدية. كما يتضمن الميناء العديد من المطاعم التي توفر وجبات مختلفة من العالم، وكأنها توحي إلى أثر الموانئ في انفتاح الشعوب على بعضها والتلاقي الإنساني في أوسع تجلياته. وأنا جالس قبالة الشاطئ تراءت لي صور قطر التي تتوسع وتتمدد، ومعها أدوارها وإسهاماتها، ومشاركاتها الدولية، حيث أصبحت قبلة العديدين في مختلف المجالات. خلال ساعات المساء واعتدال درجات الحرارة، عج ميناء الدوحة القديم بزوار من مختلف الجنسيات والفئات والطبقات، في فسيفساء تعبر عن التناغم الذي تشهده قطر في السنوات الأخيرة، وكان لابد لأي زائر أن يكتشف عمقه من خلال مينائها القديم، المتجدد، وهو يرمز لحيوية الدولة التي أرادت أن تكون حاضرة، وهو ما تكرس في بطولة كأس العالم، وقبلها في حوارات ومنتديات دولية، جعلت منها وجهة مفضلة، ومقصداً حيوياً. وما يزال الميناء حارس ذاكرتها، يروي للزائر قصص اللؤلؤ ونشاط الدوحة، قبل عصر النفط والغاز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية