قصص وأفلام الرعب تثير مشاعر غير مفهومة في كيان الإنسان، وتأثيرها الذي يعلَق في الذاكرة، قد يجعل النوم يجافيه ليوم أو أيام. وأحيانا، قد يشعر من سمع أو شاهد حكاية مرعبة أنها قد تحدث له، أو يهاجمه أبطالها في أي وقت، خاصة في الأماكن المظلمة أو غير المأهولة. بيد أن الذعر والهلع الذي تتسبب فيه تلك الحكايات والأفلام يظل علامة استفهام كبرى أمام الإقبال المنقطع النظير على سماع، أو قراءة أو مشاهدة أي مادة تتناول حكايات مرعبة، بل إدمانها في بعض الأحيان. والمثير للدهشة والذعر معا، أن جميع حكايات الأطفال تقريبا، تنطوي على عنصر الرعب بشكل أساسي. قد يتخيَّل البعض أن دمج الرعب والهلع في حكايات الأطفال بدعة مستحدثة، لكن بمراجعة الحكايات التراثية والقص الشعبي الموجَّه للأطفال والكبار، الذي تواتره الرواة على مدار آلاف السنين، يُلاحظ أن الرعب والإثارة عنصر أصيل يحيل القصص أكثر رعبا من حبكات الوقت الحالي.
وتؤكد سينثيا هوفنر الباحثة في جامعة ولاية جورجيا الأمريكية، التي تدرس الآثار النفسية لوسائل الإعلام، قائلة: «بادئ ذي بدء، يجب إدراك أن الرعب لا يُقبل عليه البشر بشغف إلا عند الشعور بالأمان». ويفسِّر هذا إلحاح الأطفال على سماع حكايات مرعبة من الأم أو ممن يثقون فيهم، وعندما تَرِد مقاطع شديدة الرعب، يسارعون إلى احتضان الذي يقصّ لهم الحكاية؛ والمنطق نفسه ينطبق على البالغين. وعلى النقيض، عندما يوضع الطفل أو البالغ في مواقف مُرعبة شبيهة في الواقع، قد تكون ردة فعله مُختلفة تماما.
وتواصل سينثيا هوفمان قائلة: «غالبا ما يُقبل الذكور خاصة في طور النمو على مشاهدة أفلام الرُعب أكثر من الإناث، والسبب أن المجتمعات تتوقع من الذكر الشجاعة»، ولهذا، قد يفسِّر الذكور أن الإقبال على مشاهدة أفلام الرعب يعمل على ترسيخ فكرة الصلابة والشجاعة في نفوسهم. وعلى المُنوال نفسه، قد تُدمن إناث مشاهدة تلك الأفلام كنوع من التحدي لنظرة المجتمع للأنثى؛ حتى تثبت لنفسها في اللاوعي مدى قوَّتها الداخلية، وقدرتها على تحدي الصِّعاب. وتؤكد الإحصاءات تلك الفرضية؛ حيث أن عشَّاق أفلام الرعب التي تحتوي على وحوش أو أشباح أو مناظر دامية في زيادة مطَّردة. ومن الجدير بالذكر، في عام 2014، احتلت أفلام الرعب نحو 2.69% من إيرادات السينما، لكنها قفزت إلى 12.75% عام 2021، كما يوضح هذا قاعدة بيانات مشاهدة الأفلام على الإنترنت؛ ما يُثبت تزايد الباحثين عن الرُّعب.
وإثبات الشجاعة، سواء علانية أو أمام الذَّات، ليس السبب الوحيد وراء عشق الأفلام والحكايات المُرعبة؛ فالمُتعة والإحساس بالراحة والانتعاش عامل جاذب أكبر؛ ودفع ذلك القائمون على الآداب تصنيف الأعمال المُرعبة لونا أدبيا موثقا منذ عام 1931.
وعشق أو كره أفلام وحكايات الرُّعب دوافعه النفسية هي السعى وراء تحفيز جميع الحواس. وتحفيز الحواس قد ينبلج من مشاعر إيجابية مثل الفرح والإثارة، أو مشاعر سلبية، كالقلق والتوتّر؛ وأفلام الرعب تثير كليهما على حدٍّ سواء، والنتيجة تحفيز تدفُّق الأدرينالين في جسد الإنسان، ما يمنحه إحساسا بالمُتعة والإثارة، إلى جانب تعاظم الإحساس بالطاقة وتداخل الأحاسيس أثناء المُشاهدة أو القراءة أو سماع الحواديت والحكايات المُرعبة. وكلَّما زاد حجم محفِّزات الحواس ونسبتها عند الإنسان، تعاظم الشعور بالبهجة والرَّاحة والإنجاز عند الانتهاء من التجربة المُرعبة.
الشعور بالإثارة التي يوفرها الرعب تُمتع العقول بالخيال، وتعمل على تحفيز الشعور، فيتدفُّق الأدرينالين بالجسم وتحدث الإثارة المُبتغاة. ولهذا أطلق على الإحساس بالرعب بأنه «تجربة عدم يقين ذات الخواص الحسِّية التي يتحوَّل فيها الضار إلى مُمتع»، وللأسف، يدمن الإنسان كل ما هو ضار.
وبالوقوف عند الإحساس بالرعب والخوف وعلاقتهما بتعاظم المتعة، أثبتت العديد من الدراسات العلمية أن الرُّعب الترفيهي يوفِّر للفرد سياقا خياليا يستطيع فيه «اللعب بالخوف»، من خلال الانغماس في سيناريوهات التهديد والجريمة. وفي تلك اللحظة، يتماهى عاشق الرُّعب الترفيهي مع الشخصيات والأحداث، ويتملَّكه شعورها نفسه عند مجابهة الأخطار، وتتعاظم الاستجابة عند تصوير الوحوش المخيفة والأشباح؛ فيحدُث تحفيز لـ»منظومة الخوف» المزوَّد بها العقل البشري منذ مراحل التطوُّر البشري في العصور الغابرة. لكن، يجب الأخذ في الحُسبان أن منظومة الخوف المتوارثة من الأسلاف ذات طبيعة انتقائية. ولهذا، تعمل أفلام وحكايات وأدب الرُّعب على إشباع تلك المنظومة القائمة في اللاوعي عند إعادة تصوير المخاطر التي تعرَّض لها الأسلاف منذ ملايين السنين، وتقديمها كمخاطر لا تزال تحدِّق بالجنس البشري. وتجدر الإشارة إلى أن عشق الرُّعب المتواتر في الحواديت والأساطير والأفلام، سببه استحضار نماذج لمواقف قد يتعرَّض لها الفرد، وما أكثرها في الحياة اليومية. ومن ثمَّ، تتحوَّل لدى البعض نموذجا تعليميا غير مباشر لكيفية التصرُّف السليم تحت ضغط نفسي، وكذلك كيفيه مجابهة المخاطر. ولهذا السبب يلاحظ أن الأساطير والحواديت الموجهة للأطفال تنطوي جميعا على وجود عنصر مرعب، حتى ولو كانت الحدوتة شديدة الرومانسية مثل «سنووايت» و»سندريلا».
ويؤكِّد علماء النفس المختصون بمرحلة الطفولة المبكِّرة أن الحكايات المرعبة التي تثير القلق لدى الطفل شديدة الأهمية؛ لأنها تمده بالخبرات الحياتية التي يعوزها. ولا يمكن إنكار أنه بفضل حكايات الثعلب الماكر استطاع العديد من الأطفال تلافي أخطار عديدة. وبالنسبة للبالغين، تبين أثناء جائحة «كوفيد-19»، لأطبَّاء النفس أن محبي أفلام الرعب كانوا أكثر ثباتا، ولم يتملَّكهم القلق والخوف من الجائحة، كما هو الحال بالنسبة لمن هم دون ذلك، والسبب أن اللاوعي لديهم استدعى منظومة الخوف المتوارثة من الأجداد، التي تدرَّبت بشكل جيِّد على سيناريوهات شبيهة.
وإدمان البعض للشعور بالخوف والقلق والصدمة وتحفيز الحواس والاشمئزاز من مناظر العنف المُرعبة، يمكن تفسيره على غرار نظرية «الدوافع البشرية» للفيلسوف الإسكتلندي دافيد هيوم David Hume (1711-1776) التي تشير إلى أن الإنسان يستمتع بالأعمال التراجيدية، كلما زادت فيها جرعة الحزن والخوف والقلق. لكن أيضا يمكن تفسير هذا الإدمان بأنه محاولة من الفرد لاستكشاف الجانب المظلم في نفسه لمجابهته، ولا يعني هذا بالضرورة احتمال تحوُّل مدمن الرعب إلى مجرِم أو سفَّاح؛ فغالبا ما يميل ذوو الدوافع الإجرامية إلى أنشطة لا تمت للعنف بصلة. ومع إدمان الإحساس بالخوف يتحوَّل العمل المُرعب والمشاهد المقززة لمواقف كوميدية تثير الضحك عند الشعور بالاستمتاع. ولهذا يُعتقد أن إدمان الرُّعب يسبب تبلُّد المشاعر، لكن أظهرت دراسة حديثة أن الوصول لأي درجة من درجات الاستمتاع بالرُّعب أو حتى الاشمئزاز منه لا علاقة له بتبلُّد المشاعر.
الشعور بالإثارة التي يوفرها الرعب تُمتع العقول بالخيال، وتعمل على تحفيز الشعور، فيتدفُّق الأدرينالين بالجسم وتحدث الإثارة المُبتغاة. ولهذا أطلق على الإحساس بالرعب بأنه «تجربة عدم يقين ذات الخواص الحسِّية التي يتحوَّل فيها الضار إلى مُمتع»، وللأسف، يدمن الإنسان كل ما هو ضار.
كاتبة مصرية