هل فعلاً الغرب حريص على أن يكسب قلوب وعقول العرب؟

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل

منذ سنوات وأنا أحلل العقل السياسي للحكومات الغربية بحكم وجودي أو تواجدي في جامعات الغرب لا سيما منها الأمريكية والبريطانية والألمانية. وبالمناسبة إفرازات هذا العقل ليست بالضرورة ممثلة لِما يراه كثير من المفكرين أو النخبة المثقفة أو الشعوب الغربية بشكل عام تجاه قضية فلسطين على الأقل في السنوات الأخيرة نتيجة زيادة الوعي أو القضايا العربية الأخرى ومعها إلى حد كبير ربما الإسلامية باعتبار التلازم الطبيعي أو الإفتراضي أو حتى الجدلي بين فكرة العروبة والإسلام. وقد كان هدفي (و إنْ كنتُ أعرف لماذا يتصرف العقل السياسي الغربي تجاه فلسطين والعرب بكل هذه العدائية الحادة) أن أتوصل إلى تشخيص لهذا العقل: هل هو مغيب، هل هو مقموع، هل هو مُملى عليه هل يتعرض لضغوط أكبر منه أم هل هو عقل مريض؟ لماذا مثلاً رئيس أكبر دولة في العالم وهو الرئيس (باراك أوباما) بدأ عهده قبل ثلاث سنوات ونيف يروج لفكرة حل الدولتين في (إسطنبول) و(القاهرة) ويندد بالإستيطان باعتباره عقبة كأداءَ أمام تقدم مفاوضات السلام مع الفلسطينيين وفجأة يتغير موقفه مائة وثمانين درجة ويذعن تماما للمنطق الصهيوني بضرورة استئناف المفاوضات من غير شروط مسبقة أو أن وقف الإستيطان لا يجب أن يكون شرطا للمفاوضات؟ ويعيد الإسطوانة نفسها كلما قتلت ‘إسرائيل’ فلسطينياً أو غارت طائرات أمريكية الصنع على منازل الفلسطينيين في غزة (وهي بالكاد يمكن أن يُطلق عليها صفة منازل مقارنة بمنازل المستوطنين على حدود غزة) بأن ذلك مشروع ومدعوم أمريكيا وغربيا لأنه يمثل حق ‘إسرائيل’ في الدفاع عن نفسها، ولا نرى تدخلا حاسما على الأقل لأي من منظمات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تشجب أفعال ‘إسرائيل’ مكرِّسةً في أذهان العرب والمسلمين والأحرار في العالم تبعيتها للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية. خلال هذا الأسبوع كنت هنا في الدوحة (بمدينة اللؤلؤة) أتحاور مع أمريكيين حول إمكانية إعادة إنتخاب (أوباما) وعندما ذكرت نمطية الموقف الأمريكي المتحيز مطلقا إلى جانب جرائم ‘إسرائيل’ ومحارقها ومذابحها في فلسطين وتعسفها في حقوق الفلسطينيين أجابوا وكأنهم مبرمجون ‘أنتَ تعرف كما نعرف أن اللوبي اليهودي (وأنا أسميه الصهيوني) قوي في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما سياسيا واقتصاديا وماليا وإعلاميا….’ فمثلاً تصدير مفهوم ‘الربيع العربي’ من قِبَلِ الحكومات الغربية بقيادة عرابها الأمريكي يأتي ضمن سلسلة طويلة وتاريخية ونمطية من تصدير المعنى أو المعانيExportation of meanings وهو بضاعة أمريكية مُزجاةٌ ورائجة ونمط أمريكي بالتحديد. وقد كُتب قبل سنوات كتاب حول هذه ‘الأيديولوجيا’ مثل تصدير ثقافة ‘دالاس’ و’دينستي’ وأفلام (كلينت إيستوود) الكاوبوي الذي يدخل بلدة ما ويطهرها من الأشرار الذين يعيقون تدفق مصالح العم سام ويقفون حجر عثرة أمام تمدد الغرب في العالم وكمطاعم الوجبات السريعة أو الجنجفود Jung Food كما يسميه الأمريكيون أنفسهم وتعني (الأكل غير الضروري وثمة من يصفه بأكل الزبالة). وقد هاجم أو تهجم ولم يكتفِ بالنقد فحسب مؤلفو هذا النوع من الكتب الحكومات الأمريكية التي تصر على احتلال العالم ثقافيا ومصادرة فكره وتاريخه. أذكر أنني أجريت حوارا مطولا مع المفكر البريطاني التربوي المعروف (ديفد باكنجهام) في جامعة لندن قبل سنوات وأكد لي أن العقل السياسي الغربي والأمريكي تحديداً لا يفترض فقط بل يُجزم (وعلى أساس هذا الجزم يتحرك سياسيا واقتصاديا وعسكريا) أن حكومات العالم الثالث (وهي تسمية أيديولوجية مسمومة صنعها وصدرها الغرب) ولم تردْ (عبارة شعوب لأن الغرب لم يتعاطَ معها في المطلق) غير قادرة على التفكير وصناعة قرارات حياتها وليست بالتالي جديرة بالإنفراد بثرواتها وعلى الغرب الذي هو الأصلح والأقوى التدخل للتصرف بتلك الثروات وهي نظرية عنصرية فاشستية قادها (دارون). ومع أن كثيرا من تلامذته وأتباعه إنتقدوا الجانب اللاإنساني في نظريته إلا أن العقل الغربي السياسي ما يزال متشبثا بها كتشبثه بأفكار (مكيافيلي) حول أن ‘الغاية تبرر الوسيلة’. منذ إعطاء فلسطين للصهاينة (وننزه الساميين الحقيقيين يهودا وعربا وإسرائيليين من هذه الصفة) وحكومات الغرب بقيادة بريطانيا وفرنسا في البداية ثم إنضمام الولايات المتحدة الأمريكية معهما بكل ثقلها السياسي والإقتصادي والعسكري وغيرها من دول الغرب ولا تُستثنى دول الكتلة الإشتراكية السابقة بقيادة الإتحاد السوفييتي السابق وروسيا حاليا واليابان والصين إلى حد ما لا تنفك هذه الدول بدرجات متفاوتة ربما وعلى مدى عقود ستة وأكثر تصور لشعوبها أن الفلسطينيين خطر على ‘إسرائيل’ وأن شعوب الغرب والعالم يجب أن لا تتعاطف مع أي فلسطيني أو عربي طفلا كان أم شيخا إمرأة كانت أم عجوزاً تقوم ‘إسرائل’ بقتلهم لأنهم أهداف مشروعة. وللأسف لأن جماعات الضغط الصهيونية السياسية والإقتصادية والإعلامية قوية ومكتسحة للعقل السياسي والشعبي الغربي بقيت شعوب الغرب إلى وقت قريب مخدرة ومغسولة أدمغتها ومقتنعة ومتشربة لتلك الأضاليل. فقط مؤخرا وعت بعض فئات من شعوب الغرب حقيقة ما يُسمى ‘إسرائيل’ بَيْدَ أنه ليس بالمستوى الذي يجعل الحكومات الغربية تقيم الدنيا ولا تقعدها على مذابح ‘إسرائيل’ ومحارقها داخل فلسطين وخارجها لأن قوى الضغط في الغرب توعز للحكومات الغربية أن المواطنين الغربيين المتعاطفين مع الفلسطينيين والعرب والمعترضين على سلوك ‘إسرائيل’ وهو الدفاع المشروع عن النفس هم أعداءٌ للسامية ويريدون أن يعينوا الفلسطينيين والعرب على إلقاء ‘إسرائيل’ في البحر. وعليه كلما يُقتل فلسطيني أو عربي بيد صهيونية داخل فلسطين أو خارجها يبرز مسؤول أمريكي أو غربي أوروبي ليقول إن من حق ‘إسرائيل’ أن تدافع عن نفسها وكأن المقتول فأراً أو صرصورا وليس إنسانا حديرا بالبقاء على قيد الحياة.

لا نقول نادرا بل لا يمكن أن ينعقد مؤتمر غربي هذه الأيام إلا ويبرز قادة الغرب وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني والفرنسي ومنظمات حقوق الإنسان الأممية وغير الأممية وغيرهم بدموع التماسيح وبالتباكي على المذابح في سوريا وآخرها (مذبحة الحوله). العرب والمسلمون كلهم تتقطع قلوبهم إربا إربا ولسنا في حاجة إلى الأمريكيين والأوروبيين ليجعلوننا نتعاطف ونتضامن مع أشقائنا في سوريا. إن ‘الخريف العربي’ الذي خيم على العالم العربي لعقود طويلة صنعه الغرب نفسه عندما وقف في صف الحاكم الديكتاتوري الذي طيرته رياح الثورات الشعبية العربية والذي ما يزال يكرر الخطأ نفسه بوقوفه مع حكام ديكتاتوريين آخرين لم تثر شعوبهم عليهم بعدُ لأسباب كثيرة ولم يعبأ الغرب بمشاعر وأحاسيس الإنسان العربي لأن العقل العربي الجمعي كان معطلاً. والأدلة لا حصر لها، فعلى سبيل المثال فقط لا الحصر: هل اكترث الغرب بالشعب الليبي عندما وضع يده في يد (القذافي) وقبض الثمن من مليارات الشعب الليبي الذي كان (القذافي) يبددها يمينا ويسارا ويجوع الشعب الليبي ويحرمه من أبسط حقوقه ويطلق كلابه البوليسة لتعض كل من تسول له نفسه إنتقاد (القذافي) أو أحد أفراد عائلته أو مؤسسته؟ وكلنا يتذكر مثلاً زيارات (توني بلير) المكوكية لخيمة (القذافي) وكيف قبِل رئيس وزراء بريطانيا السابق التي تدعي بلاده أنها أم القيم الديمقراطية أن يكون مستشارا للقذافي ويقبض ما قيمته زهاء عشرة ملايين دولار وربما أكثر كما نشرت بعض الصحف ووسائل الإعلام البريطانية، وكيف أن رئيس وزراء إيطاليا السابق (برلسكوني) يُقبِّل يد (القذافي) على رؤوس الملأ، وكأنه ولي نعمته وصاحب الفضل عليه وكيف أن أعضاء في (الكونجرس الأمريكي) بدأوا يحجون إلى خيمة (القذافي) وكيف أن (هيلاري كلينتون) إستقبلت إبنه (المعتصم). الخلاصة أن الغرب لن يستــطيع مهما حاول أن يكسب قلوبنا وعقولنــــــا إلا إذا غير موقفه المتحيز إلى جانب ّإسرائيل’.’ أكاديمي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية