يتميز السؤال عادة بثنائية ظاهره وباطنه، حيث يكون أحيانا مدعوا للإفصاح التام عن نواياه، بقدر ما يكون في أحايين أخرى مدعوا لإخفائها، انسجاما مع خصوصية السياق. وهي الظاهرة الملازمة ضمنيا لطبائع الكلام. إذ بفضل هذه الثنائية، يتطلع الكلام، إلى توسيع مساحاته، وتنويع منعطفاته ومسالكه. وبفضل الثنائية ذاتها، يتم توريط كل من المتسائل والمتلقي في سياق خلافي، ينزاح بالكلام من سياقه السلس إلى نقيضه السجالي، الذي يغتني ويتجدد بالطاقة المزدوجة التي يتمتع بها السؤال. وهي لعبة لا تخلو من تعقيداتها بالنسبة للطرفين معا، خاصة حينما يغامر المتسائل/ اللاعب، بترحيل مسلمات المتلقي من أروقتها الآمنة المطمئنة، إلى أخرى حارقة، وموحشة. ترحيل لا تلبث معه المسلمات ذاتها، أن تكشف عما يتخللها من فراغات كانت من قبل مشمولة بأناقة الكتمان، وبوداعة التستر. من ذلك مثلا تساؤلنا المفاجئ، ودون سابق إنذار، عن مصداقية المدونة الشعرية، التي تنكبّ الحداثة العربية على تدبيجها ليل نهار، رغم أنها غدت مسيجة بما لا حصر له من التحصينات النظرية، التي تسهر على حمايتها، من أي تصدع/تساؤل محتمل، يمكن أن يتسرب خلسة إلى معمارها. تساؤل سيفضي بالسياق إلى موقف خلافي، سيذهب لا محالة بالمتحمس للمدونة ذاتها، إلى تأويله بحضور نية مبيتة وآثمة لدى المتسائل، تسعى إلى تعكير صفو التلقي، ضدا على استمتاعه ولعدة عقود خلت، بتجارب شعرية تواظب «الحداثة العربية!» على مراكمة متونها هنا وهناك.
وتوخيا للمزيد من الوضوح، سيكون من الضروري التنبيه إلى أن السياق الذي نحن بصدده، يتمحور أساسا حول إشكالية البحث عن أفق شعري، يتميز باستثنائيته ومغايرته التي لم تعلن بعد – في مشهدنا العربي – عن احتمال ظهورها. أي ذلك الأفق الذي يمكن أن تكتشف فيه القراءة المستقبلية والعنيدة بعضا من ملامح تفاعلاتها مع تلك الأسئلة الشائكة، التي تحاصرها بها الأصوات اللامتناهية لأرواح الوجود وأشباحه. مع العلم أن هذه التفاعلات، لن تتحقق إلا على ضوء ارتقاء الأفق ذاته، بحداثيته الجمالية والفكرية إلى مستوى «حدث ثقافي وحضاري» يؤثر بحضوره القوي في توجيه وتأطير ما يواكبه من مسارات فكرية وجمالية. وإذا كانت هذه الإمكانية جد مألوفة لدى الجغرافيات المتنورة، المسكونة بحرقة السؤال، بما هو بحث دائم وملح عن المؤجل واللامتناهي، فإن الأمر يختلف جملة وتفصيلا بالنسبة لجغرافياتنا العربية المنغلقة على خصوصيتها المأزومة تاريخيا وحضاريا. ومرد ذلك، مجموع ما تعانيه من احتقانات على المستوى المجتمعي والسياسي، التي تفتح شهية الدرس الأنثروبولوجي كي يتسلى بغرائبها وعجائبها. وهي احتقانات من شأنها التسريع بإفشال مشاريع إنجاز شعرية هذا الأفق، وفق مقتضياته الكونية، كي تظل في نهاية المطاف مراوحة مكانها، ومتدثرة بوهم انتمائها إلى زمن «حداثي» مثقل بأوهامه واستهاماته.
بمعنى، أننا وفور شروعنا في وضع خطاطة محتملة لهذا لأفق الشعري المحلوم به، سوف نستشعر مباشرة برودة الاستحالة، وهي تتهيأ لممارسة محوها القاسي على كل ما يتطلع إليه تساؤلنا الاستهلالي من بوح. حقيقة هي ذات مرارة لاذعة في آن، ومجرد التلميح العابر إليها، قد يطيح بأغلب الأبراج الشعرية التي دأب الحلم التحديثي على تشييدها، منذ بداية منتصف القرن الفارط، إلى الآن. كما لو أنها محض معالم ورقية قابلة للاحتراق، مع هبوب أول شرارة من شرارات السؤال.
وفي حالة ما إذا نحن سلمنا بأن الحق في الكتابة يشمل الجميع، ما دام الأمر يتعلق بالاستجابة الحتمية والتلقائية التي يستشعرها الكائن تجاه نداء القول، إلا أن هذا الحق لا يفي باحتمال كتابة نصوص حداثية مؤهلة لاقتحام مدارات الكوني. ذلك أن هويتنا العربية الإسلامية المثقلة بأعباء ذاكرتها المأساوية، تمارس هنا حضورها الأرعن خلال إنتاجها للكتابة.
وسيكون من الضروري، التأكيد على أن القول بتداعي أبراجنا الشعرية، يندرج لا محالة في سياق وضعها على محك المنجز الكوني. وللكوني هنا مداراته الآهلة بإشكالياتها المعرفية، التي تمتلك ما يكفي من الطاقة الشعرية والفكرية، المؤهلة للتسرب إلى نسغ العناصر، التي منها تتشكل أسئلة الكائن في علاقته العاصفة مع أسئلة الوجود. وهنا تحديدا، سوف نصطدم بمزايدات حداثتنا المعطوبة، التي لا تتورع هي أيضا في الجزم بانتماء منجزها الشعري إلى «ملكوت» الكوني، مستعينة على ذلك بمراكمة ما أمكن من المقولات ذات الصلة. فضلا عن مماهاة كتاباتها بأعمال رموز الشعرية الكونية، الأكثر تداولا في ذاكرة القراءة الحداثية من قبيل: إدغار آلان بو، فريديريك هولدرلين، راينا ماريا ريلكه، شارل بودلير، أرتور رامبو، ستيفان مالارميه، إيزرا باوند، غارسيا لوركا، ت. س. إليوت، والت ولتمان، سان جون بيرس، وغيرهم من الأسماء الكبيرة المتوزعة على القارات الخمس. ولعل الإشكال المؤرق الذي سيطالعنا في هذا الباب هو، استحالة إقناع شعرائنا باتساع تلك الهوة الفاصلة بين اطلاعهم على تجارب شعراء الحداثة الكونية، وقدرتهم على صياغة نصوص تنتمي إلى مدارات هذه التجارب. مع الأخذ بعين الاعتبار أن القول بالاطلاع لا يعني بالضرورة القول بالفهم والتمثل. وفي حالة الجزم بأن الجميع يتحدث عن عزرا باوند على سبيل المثال لا الحصر، فأيهم ضمن هذا «الجميع» سيدعي تمثله الفعلي لشعريته؟ خاصة أن قراءة الآخر/الكوني، تخضع لقوانينها ولمقتضياتها، التي لا قبل للعامة من المتعاطين للشعر بأسرارها ومضايقها. علما بأن شرط القراءة – بما هي فهم وتمثل وتأويل -لا تختلف عن شرط الكتابة.
وفي حالة ما إذا نحن سلمنا بأن الحق في الكتابة يشمل الجميع، ما دام الأمر يتعلق بالاستجابة الحتمية والتلقائية التي يستشعرها الكائن تجاه نداء القول، إلا أن هذا الحق لا يفي باحتمال كتابة نصوص حداثية مؤهلة لاقتحام مدارات الكوني. ذلك أن هويتنا العربية الإسلامية المثقلة بأعباء ذاكرتها المأساوية، تمارس هنا حضورها الأرعن خلال إنتاجها للكتابة. بما هي هوية ذات، تعاني من رهاب القهر المركب. أي، ذلك القهر الزاحف من كل الأنحاء الممكنة والمحتملة. من دهاليز الماضي كما من مشارف المستقبل. قهر قوامه تاريخ طويل من المنع والحرمان، وتاريخ طويل من الجهل والتجهيل. فضلا عن جبروت ذلك الإخضاع الجحيمي، الذي يطال الجسد والروح، كما يطال الحلم والمخيلة. قهر يطال الصفحة، الحبر والكلمات. الصمت والبوح.
قهر مقبل من دياجير الموروث، ومن حرائق الحداثة، ما يجعل الشاعر العربي «الكبير!» مطاردا بلعنة المراوحة الدائمة داخل سجف إقليميته الضيقة، وداخل لعنة التخبط الدرامي في أوحال الاستحالة المجردة من أمل الإمكان. ونقصد بها، الاستحالة التي تحول بينه وبين انسداد مجاله الثقافي والحضاري، لتعزله عن غبطة الانفتاح على تجربة اللأمتناهي، بفضاءاتها التي يوجد فيها شعراء الحداثة الكونية، محفوفين بنصوصهم المنصهرة في فعل انكتابها بكل ما تبتدعه من أشكال ولغات ومقاربات، أي النصوص المتنقلة بأسئلة جمالياتها، والمهاجرة عبر قارات هذا العالم، كما عبر مجاهل العالم الآخر.
تلك هي فعلا حداثة الكوني وشعرياته، المنفتحة على أقاصي تمظهرات القول، متخلصة بذلك من مقولات الرحم، ومقولات الأصل، وممتلكة بترحالها السلس في امتدادات جغرافيات التلقي، سلطة انبعاثها الأسطوري، المتجدد والمتعدد. ثمة، حين تتهيأ القراءة للبحث عن تخومها اللامرئية، وبصيغة جمع لا يحده زمان أو مكان. وثمة أيضا، حين يتهيأ السؤال، لاكتشاف المزيد من جغرافياته.
لكن، مقابل ثراء هذا التواصل التفاعلي، الذي يستمد منه سؤال التحديث مصداقيته، سيجد الملاحظ نفسه -هنا – ضحية حالات العزل والاغتراب، التي تعاني مشاريع التحديث من إحباطاتها. سواء كانت متمثلة في بؤس مقروئيتها، بفعل ضآلة وهزال ما يتم توزيعه من دواوين. أو في خبرتها المتقدمة بتحديث خيمياء القهر، بمجموع مرجعياته المجتمعية السياسية، الثقافية والجمالية. وهي بالمناسبة الخيمياء الوحيدة، التي بها فقط، يكرس الشاعر «الكبير» مأساوية حضوره الفادح داخل محفل الغياب.
تلك هي إذن، مشاريع التحديث.. عبثا تحاول أن ترفرف بآلاف الأجنحة المهيضة، وهي تعيش غربة اضطهادها المجالي، طريحة أوهام التأسيس، والتكريم والتحديث. وأسيرة وجود سياحي داخل مجالها الشعري أو خارجه، حيث ما من أثر لمضارب الحداثة. وتلك أيضا ربما هي بعض من النوايا المبيتة لمنطوق السؤال.
شاعر وكاتب مغربي