أرشيف
الناصرة- “القدس العربي”:
قال المربي شرف حسّان، رئيس لجنة متابعة التعليم العربي داخل أراضي 48 (هيئة مهنية ومستقلة تقود النضال من أجل حقوق الأولاد العرب في مجال التعليم) إن وزارة التعليم الإسرائيلية تنتج حالة اغتراب منهجية بين المعلمين العرب وتلاميذهم، ما يؤدي لتورط كثيرين منهم في مستنقع الإجرام.
في الشأن الإسرائيلي قال حسّان، في حديث لصحيفة “هآرتس” العبرية، إن الانقلاب القضائي لم يكن ممكناً من دون الانقلاب الذي شهده جهاز التعليم في إسرائيل، في العقود الأخيرة، وهو يهيئ الطلاب اليهود ليكونوا يمينيين من دون تربية للديمقراطية أو للتفكير النقدي.
حسان: التغييرات الدستورية التي يبادر اليمين الصهيوني إلى إجرائها الآن قائمة في كتاب تدريس المدنيات، الذي صودق عليه قبل نحو 8 سنوات.
ويضيف: “التغييرات الدستورية التي يبادر اليمين الصهيوني إلى إجرائها الآن قائمة في كتاب تدريس المدنيات، الذي صودق عليه قبل نحو ثماني سنوات، وهو كتاب موضع خلاف، صودق عليه إبّان تولي النائب المعارض غدعون ساعر، وزير التعليم في حكومة الاحتلال السابقة. يشار إلى أن شرف حسّان يعمل في التربية والتعليم في مدينته طمرة، قضاء عكا، وهو دكتور في علم الاجتماع، وفي أطروحة الدكتوراة التي كتبَها، خصّصَ فصلاً كاملاً لعملية تسلل أجندات اليمين الاستيطاني إلى وزارة التعليم الإسرائيلية.
ويستذكر حسّان أيضاً أنه، في أواسط تسعينيات القرن الماضي، بلورَ اليمين الاستيطاني الإستراتيجية المسماة “الاستيطان في القلوب”، والتي تعني “تأليف القلوب”، وتطبيع أفكار متطرفة وعنصرية وغيبية، حيث أقيمت أطر ومنظمات صهيونية عديدة ومختلفة، ركّزت جهودها في تسريب أجندات الصهيونية الدينية والتيار الاستيطاني، وفي نزع شرعية المعارضين.
ويوضح حسّان أن ذلك تمّ من خلال إدخال مشاريع تعليمية مختلفة، تغيير مناهج التعليم، والاستيلاء على مواقع أساسية في وزارة التعليم، مثل اللجنة المهنية في برنامج تدريس المدنيات، اللجنة التي تقرر المضامين التي يتم تدريسها.
ويضيف: “في المدارس الإسرائيلية يتعلّمون المدنيات من منظور اليمين الاستيطاني. ليس ثمة عرب في الكتاب، ولا خط أخضر. ليس صدفة أن رُبع أبناء الشبيبة الإسرائيلية قد صوّتوا لسموتريتش وبن غفير. وقد أعيدت كتابة الكتاب بضع مرات. راجعتُ طبعته الجديدة، المحدَّثة وأعترف بأنني صُدمتُ للغاية. إعادة الكتابة، أيضاً، بدأت في فترة ساعر. لم تحصل التغييرات مرة واحدة، بل بدأت بتغيير واستبدال فصول بدت لهم يسارية. تغيّر كتاب التدريس ومنهاج التدريس بصورة عميقة، بروح اليمين الاستيطاني. وهي التغييرات التي هيّأت، برأيي، الأرضية للانقلاب السياسي القضائي الحاصل الآن”.
ويوضح حسّان أيضاً أن هذا الكتاب يعالج بصورة موسعة، مسألة تعيين القضاة وحجة المعقولية، أيضاً حيث يتم تقديم نماذج عديدة من العالم تُبيّن أن ما يجري في إسرائيل هو أمر طبيعي، أو أنه يحصل في دول أخرى أيضاً، وسط تجاهل السياق المختلف.
ويضيف: “أحياناً، يوردون موقفين، إلا أن الروح العامة في الكتاب وطريقة بناء الحجج تُقنع بصدقيّة موقف المؤلفين. ويتم ذلك بطرق محنّكة مختلفة؛ تشويه، مقارَنات غير دقيقة، إخفاء أجزاء من المعلومات، وتمثيل للعرب بصورة غير حقيقية، بالطبع، إلى جانب تغييب الاحتلال والسكان القابعين تحته. هذا الكتاب يقود الأولاد اليهود لأن يكونوا صهاينة يمينيين، ويقود الأولاد العرب لأن يكونوا غاضبين ومُغترِبين”.
على هذا السؤال يجيب دكتور شرف حسّان بالقول: “مدرّس موضوع المدنيات في المجتمع العربي هي المهنة الأصعب. منهاج التدريس هو ليس المشكلة كلها. ثمة ترهيب منهجي أيضاً. المعلمون في المجتمع العربي يخشون التحدث علناً. قصة إقالة مفتش ومركز موضوع المدنيات من وظيفته بسبب مواقفه هي حدث مؤسِّس. المعلّم العادي يقول لنفسه: إن كانوا قد عزلوا المفتش المركّز، فماذا بإمكاني، أنا المدرّس العربي، أن أفعل؟ هذا التخويف يدفعهم إلى التفكير مرتين بأية جملة يُخرجونها من أفواههم. يجب أن نتذكر أن جهاز التعليم العربي قد تأسس، من الناحية التاريخية، في فترة الحكم العسكري. وبعدها، أصبح جهاز “الشاباك” طرفاً في التعيينات. هذا الجهاز مبني، من الأساس، على التحكّم والرقابة والسيطرة. أنا أدرّس منذ 25 عاماً، وأرى التغيير لدى الطلاب العرب، اليوم، في ظل استشراء الجريمة والمجرمين في الشارع العربي، وسط تواطؤ حكومي معها. الأولاد يرسمون أسلحة، يتحدثون عن حالات القتل، يستخدمون لغة عالم الإجرام، يقولون، على سبيل المثال، “أنزلوه” (قتلوه). حتى أنهم يستخدمون هذه التعابير لتهديد المعلّمين”.
حسان: هذا الكتاب (كتاب التدريس) يقود الأولاد اليهود لأن يكونوا صهاينة يمينيين، ويقود الأولاد العرب لأن يكونوا غاضبين ومُغترِبين.
“تدخل الشاباك انتهى بعد نضال جماهيري، لجنة دُفرات وقرار المحكمة العليا في التماس عدالة، في العام 2005. لكنّ الضرر قد حصل، فعلياً. لم تكن الرقابة على المديرين وأصحاب الوظائف المركزية فحسب، بل كان المعلمون العرب العاديون أيضاً تحت المراقبة. إضافة إلى ذلك، لم تكن التعيينات في تلك الفترة تجري وفق اعتبارات مهنية، ما ألحقَ ضرراً جسيماً بالتعليم العربي. خلال النظر في الالتماس، تعهدت الدولة بوقف تدخل الشاباك. إلا أن ما توقف آنذاك كان الجانب المكشوف، الرسمي. ممّا أراه وأسمعه من الأشخاص العاملين في الحقل، وكذلك من أخبار وتقارير نُشرت، يتضح أن هذا التدخل لا يزال قائماً ومستمراً”.
وفي ما يتعلق بالمدرسة العربية، يشدد دكتور حسّان في تحذيره على أنه حينما يتوقف التعليم في المدرسة عن الاهتمام بالقيم، بالهوية وبإعطاء الناس معنى، بل يتمحور حول العلامات والإنجازات التعليمية فقط، تصبح المدرسة مكاناً يولّد الاغتراب فيشعر الطلاب بغربة عميقة حيال العملية التعليمية بمجملها، يفهمون أن المواد التعليمية مقطوعة الصلة عنهم وعن واقع حياتهم، لا انتماء، بل العكس هو الصحيح. يشعرون بالاغتراب. والاغتراب يولّد الغضب والكراهية”.
“إنها تجربة غير لطيفة بشكل قاطع”.
ورداً على سؤال عن تجربته الشخصية، يوضح دكتور شرف حسان أنه، مع مرور السنوات، طوّر لنفسه مساحة لممارسة التعليم النقدي. ويضيف: “حتى حين تكون النصوص إشكالية. أطرح العديد من الأسئلة. أتيح للطلاب إمكانية الحديث والتعبير عن تجاربهم، عرض قصصهم وقصص عائلاتهم. أرسلهم للبحث، لإحضار قصاصات من الصحف، لفحص أمور وردت في كتاب التدريس. أتيح لهم المجال لمناقشة الواقع الحياتي الراهن بصورة أوسع. نعم أعبّر عن نفسي وأقول لهم بكل وضوح إن هذا هو موقفي الشخصي. فالقانون لا يمنع هذا. حتى الآن. صحيح. كثيرون من المعلمين لا يقولون، لأنهم يخشون. يضيّقون على أنفسهم حتى أكثر مما ينبغي”.
“لنقُل إن الوضع أصعب عليهم بكثير، لكن مع ذلك، الأمر ممكن، ضمن حدود معينة. لا أقول إن الوضع ليس معقداً. المعلمون العرب يشعرون بالاغتراب أصلاً. لا يؤمنون بالمضامين التي يدرّسونها. يشعرون بأنهم تحت المراقبة الإسرائيلية كل الوقت. يتخوفون من بيئتهم. أنا أومن بأن العاملين في مجال التربية والتعليم، في أي مكان وفي أي سياق، مُلزَمون بأن يكونوا ممثلين للتفكير النقدي ومعبِّرين عنه. عليهم تعليم الأولاد فهم الواقع بصورة مركّبة، البحث فيه وتفسيره”.
ورداً على سؤال آخر، حول تعرّض المعلمين في إسرائيل، بشكل عام، والعرب على وجه الخصوص، لمحاصرة حرياتهم، في السنوات الأخيرة، يقول حسّان: “منذ العام 2009، عام عودة نتنياهو للحكم، أرى توجّهاً واضحاً لدى الجهاز التعليمي نحو الحدّ من حرية المعلمين. يرغب الجهاز في طرح الأسئلة وإعطاء الإجابات، بدلاً من تعليم الطلاب طرح الأسئلة والتفكير بالإجابات، بأنفسهم. هذا منطقي، لأن مناهج التدريس التي وُضعت بروح اليمين الصهيوني الحاكم اليوم لا تريد للطلاب، عرباً كانوا أم يهوداً، أن يتخيلوا واقعاً أو عالماً آخر مغايراً لواقع الهيمنة الذي يقترحه اليمين”.
وعن العلاقة المتوترة بين المعلمين وبين الطلاب في المدارس العربية، في ظل إلزامهم بتعليم مضامين تتنافى مع هويتهم الوطنية، يقول حسّان: “إن الأولاد غاضبون، يشعرون بأننا نكذب عليهم. إنهم أذكياء جداً. يعرفون أن الواقع غير مُنصف بحقهم، يعرفون أن ثمة تمييزاً كبيراً في الدولة، بين اليهود والعرب”.
وعن ذلك يعطي مثلاً من مجال الجغرافيا تحديداً: “أسماء الأماكن التي تظهر في كتاب التدريس هي الأسماء الصهيونية. هذه ليست الأسماء التي يعرفها الطلاب. إنهم يعرفون أسماء أخرى. نحو ثُلث الطلاب العرب هم من عائلات مُهجَّرة (لاجئون في وطنهم)، يعرفون أسماء قراهم التي دُمِّرت في 1948، وهم يعيشون بالقرب منها غالباً. حتى أنه في بعض القرى هنالك بلدة يهودية قد أقيمت فوق أنقاض القرية، وتحمل اسماً مشابهاً لاسمها، أو ورثت أرضها واسمها حرفياً”.
حسان: مناهج التدريس، التي وُضعت بروح اليمين الصهيوني الحاكم اليوم، لا تريد للطلاب، عرباً كانوا أم يهوداً، أن يتخيلوا واقعاً أو عالماً آخر مغايراً لواقع الهيمنة الذي يقترحه اليمين.
“يقول الطلاب ما هذا، المادة (التدريسية) غير صحيحة، البتّة. يقولون إنه لا ديمقراطية. إن هنالك عنصرية، وهذا غير ديموقراطي. إنهم يقيمون في بلدات عربية تعاني من مشاكل حادة وعميقة في مجال البناء والتخطيط والبنى التحتية، والكثير من بيوتها مبنيٌّ من دون تراخيص، بينما يرون البلدات اليهودية المزدهرة بجوارهم. عندئذ، يطرحون أسئلة مثل؛ لماذا تبدو بلدتنا بهذه الصورة، بينما تحظى البلدات اليهودية بشروط أخرى؟ لماذا لا يمكننا العيش في بلداتهم؟ الطلاب يفهمون الواقع. البعيد عن الواقع هو كتاب التدريس.
لا حديث في السياسة في جهاز التعليم في المجتمع العربي. لا تربية سياسية. هذا الإسكات لا يتيح للأولاد حتى مجرد التعبير عن الواقع الذي يعيشونه والتجارب التي يمرون بها. الأولاد يرون، يشعرون ويعرفون أن الواقع يمسّ بهم، إنهم يشعرون بالتمييز، لكنهم لا يستطيعون التعبير عن ذلك، لأن الحديث معهم يجري حول المواد التعليمية التي يمتحنون فيها، وترتبط مصائرهم بها. وهكذا، لا يبقى سوى هذا الشعور؛ الغضب، انعدام الأمل، دون أي حديث حول ذلك”.
“نعم، هنالك تحسن. التفسير لذلك هو أن الأمور مركّبة. أولاً، الفجوات بين اليهود والعرب لا تزال قائمة بالطبع. الفجوة تتمثّل، حسب التقديرات، في ما بين ثلاث وأربع سنوات تعليمية، وهذه فجوة كبيرة. التحسن، الظاهري، في جميع المؤشرات يغطي على واقع أن الصورة الحقيقية هي صورة تقاطب اجتماعي. الأقوياء يزدادون قوة، والضعفاء يزدادون ضَعفاً. بكل تأكيد، نعم.
هؤلاء الأولاد الذين يُلفَظون من الجهاز تلتقطهم منظمات الإجرام. هذا الواقع الراهن لم يكن في الماضي. ينبغي على المجتمع العربي أن يستيقظ. وبسرعة”.