ثلاث قراءات عن الصورة بوصفها خطابا

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: في ندوة نوعية ومغايرة في الدرس الأكاديمي العراقي، أقام قسم اللغة العربية في كلية الآداب في جامعة البصرة ندوة بعنوان «الصورة بوصفها خطاباً»، قدم فيها ثلاثة أساتذة من الكلية بحوثاً اختلفت في موضوعها وطرائق بحثها عن الصورة الفوتوغرافية وخطابها.
لؤي حمزة عباس قدم دراسة بعنوان «الصورة الفوتوغرافية في ضوء تحليل الخطاب» بحث فيها عن صورة الذات والآخر، وعلاقة الصورة الفوتوغرافية بالزمن وتحولاته.
عباس أشار إلى أن صورة الذات هي اختراع الذات عن نفسها، وصورة الآخر هي اختراع الذات عما ليست هي. من هنا لن تكون صورة الآخر هي الآخر، بل هي صورتنا عنه، ثمة ارتباط، يسميه الطاهر لبيب شغفاً، بالآخر- الصورة على حساب الآخر- الواقع. و»الذات هل يمكن إدراكها خارج ارتباط الصورة شغفها… أتأمل صوراً متعددة لشخصية محددة مثل نجيب محفوظ؛ على سبيل المثال، وأم كلثوم، صور صباهما، وصور فتوتهما، وصور شبابهما، وصور كهولتهما، وصور شيخوختهما، وأسأل نفسي: أي الصور نجيب محفوظ وأيها أم كلثوم؟ وأجيب: ليست ثمة صورة محددة هي نجيب محفوظ بعينه، وليست ثمة صورة محددة هي أم كلثوم بذاتها، فالإنسان مجموع الصور، لحظاته الزمنية المنفلتة وقد ثبتتها عين الآلة».
أما عن الصورة وعلاقتها بالزمن، فقد قال عباس إن الصورة كتابة في الزمن، أو هي بتعبير أندريه تاركوفسكي، نحن في الزمن… غير أن هاتين الكلمتين تبدوان غير متطابقتين: النحت والزمن. فالأولى؛ النحت، كلمة لها صلابة الحجر، وشدته وتطلعه للخلود. والثانية؛ الزمن، كلمة لها سيولة الماء، محكومة بالتغير والتحول والتبدل والزوال. «بين الصلابة والسيولة يتشكل لدينا معنيان يعتمدهما درس الكلام والتفسير والبحث عن المعنى العربي هما المعلوم والموهوم. في كتاب التعريفات، يعرف الشريف الجرجاني (ت826هـ) الزمان بعبارة عن متجدد يقدّر به متجدد آخر موهوم، كما يقال: آتيك عند طلوع الشمس، فإن طلوع الشمس معلوم ومجيئه موهوم، فإذا قُرن ذلك الموهوم بذلك المعلوم زال الإيهام».
أما عن معنى الصورة الفوتوغرافية، فيحدد عباس معنى جديداً عليه، وهو (التلخيص). فالصورة تلخص حياتنا، ترسم آمالنا وتحدد أحلامنا. لن تكون الصورة، إذن، «موت اللحظة التي التقطت فيها» كما يذهب محمود عبد الوهاب، إنما هي في الكثير من تفاصيلها تقترح وجهاً حافلاً من وجوه الحياة. إذن لن تكون الصورة بهذا المعنى (استعادة للزمن) فالزمن لا يُستعاد، لكنها تملك أن تروي حكاية، الحياة عبر تفاصيلها المنسية وملامحها الغائبة… ستكون الصورة بهذا المعنى خلاصات زمنية متضامنة في نسيج، ومن خلال هذا النسيج تنشأ علاقة جديدة بين الصورة الشخصية وصاحبها، إنها العلاقة التي تتجاوز الفرد لتُعنى بـ»الإنسان» نفسه وصلته بالزمن.

خطاب الصورة – الرواية

في دراسة الموسعة التي قدمها عقيل عبد الحسين بعنوان «خطاب الصورة في مدينة الصور»، مبتدئاً دراسته بالبحث عن الخطاب وتشكلاته في الرواية، قائلاً إنه لم يعد التعدد صوتياً كما كان باختين يرى. ولكنه في الرواية الجديدة يقوم على تجاور خطابين يعبر كل خطاب منهما عن نسق فكري. ومن تجاورهما يتشكل موقف الرواية غير المعلن أو المخالف للمعلن. وبذلك يمكن أن تقسم الرواية العراقية – تحديداً التي تكتب في العقد الأخير- إلى قسمين الأول المسطحة أو الأفقية التي تبنى على خطاب واحد ونسق واحد وتنتمي إلى الواقعة، واقعة سقوط النظام السابق في 2003 والعنف الذي تلاها والتغيرات السياسية والاجتماعية.
وعن رواية مدينة الصور، للؤي حمزة عباس، التي بناها سردياً مستنداً إلى ألبوم صور العائلة، قارئاً التحولات الاجتماعية والسياسية والدينية في العراق، من خلال هذا الأرشيف الكبير الذي ورثه عن عائلته، يشير عبد الحسين إلى أن الاكتفاء بالصور الفوتوغرافية وحده لن يخرج بالرواية عن خانة الرواية المسطحة التي تستذكر عبر الصورة وتسطر موقفا عاطفيا حنينياً إلى الماضي خالياً من البعد الثقافي الذي تحرص عليه الرواية العراقية الجديدة ورواية لؤي حمزة تحديداً. وهو ما يجعل السرد يستعين بنوع آخر من الصور يشكل خطاباً مغايراً لخطاب الصورة الفوتوغرافية من حيث الشكل والوظيفة، سيكون له أثره في إنتاج رواية مغايرة يمكن أن نسميه مبدئياً الصورة الذهنية. وهي تختلف اختلافاً كلياً عن الفوتوغرافية في أنها أصلاً غير مشخصة وغير مثبتة وغير ثابتة، فالفوتوغرافية لقطة ثابتة على الورق ومثبتة من خلال العدسة، أما الذهنية فهي متحركة وسائبة وساكنة في مخيلة الأفراد جميعهم.
وفي بحثه عن العلاقة بين الفوتوغراف والسرد وكيفية اشتغال عباس في روايته، يرى عبد الحسين أن الصورة الفوتوغرافية تُكذّب التاريخي والايديولوجي، وتثبت زيفه بما لا يدع مجالا للشك، ومن خارجه أي من خارج التاريخي والذهني نفسه. وهي تُكذّب العام فيميله للتقديس أو التدنيس، لأن كليهما يسيء إلى الواقعي وإلى الإنساني وإلى الشخصي وإلى العاطفي. مضيفاً: سيقود تكذيب التاريخ الذي تؤديه الصورة الفوتوغرافية في الرواية إلى الوظيفة الأخيرة للصورة الفوتوغرافية، وهي مقاومة تعديات التاريخي والأخلاقي والمجرد على الوجود الفردي والذات التي أصبحت مساحتها في التعبير والتفكير والحياة تضيق، مقاومة غير معلنة عبر البناء الفني وعبر تنازع الخطابات وسعي أحدهما إلى تكذيب الآخر بالسرد لا بالتصريح، خوفا من أي انتساب إلى الآيديولوجي، فالتفنيد المعلن للتاريخي والذهني يجعل الرواية تنتمي بدورها إلى الآيديولوجي إلى الذهني، وذلك يضعف الشكل والسرد ويقلل الثقة بالسارد وبالرواية وبالكاتب ويجعل الرواية أقرب إلى الرواية التقليدية.

الصورة والانتخابات

في قراءة مغايرة قدمها صلاح حسن حاوي، درس فيها عن الخطاب في الصورة الفوتوغرافية والإعلانات خلال مدة الانتخابات في العراق، ففي دراسته «بلاغة الصورة الانتخابية في العراق» يرى حاوي أن موضوعة (الانتخابات) خاضعة للتحليل على المستوى المقروء والمرئي، ولا نختلف بأن من يدير الحديث عن هذا الموضوع هم المحللون السياسيون أو من يتقاسمون العملية الانتخابية، أولئك الذين ينشغلون باللغة المجانية، أو اللغة التي تعبث بها الآيديولوجيات والتراشق السياسي، لكننا لا نختلف فيما تقدّمه هذه الانشغالات من أرقام وتوصيف لعملية الاستجابة والإقناع… كما أن هناك تجاهلاً لمثل هذه الخطابات، بوصفها خطابات غير مركزية، وقراءتها ضمن المنظومة اللسانية ونظريات تحليل الخطاب، حيث سنكون أمام بلاغتين تواجهان الخطاب الانتخابي هما (بلاغة المتكلم/ المنتج للخطاب الانتخابي) وثانيتهما بلاغة الجمهور المتقبّل لهذا الخطاب.
ويضيف حاوي أن الخطاب اللساني هو مساند وقادر على تأويل الصورة، فقد تشتغل بعض العبارات داخل اللافتة الانتخابية مع وجود الصورة أو اختفائها، فهي تحمل خطابين أحدهما لغوي لساني وثانيها بصري أيقوني، وعلى سبيل المثال صورة المرشَّحة/ المرأة أحياناً تعتمد الخطاب البصري الأيقوني بما يحمل من مدلولين، الأول تقريري وهو مرشحة تقدّم صورتها الشخصية إلى الناخب، والثاني إيحائي وما يفرزه من استجابة جماهيرية مثل بلاغة التقبيل أو بلاغة التمزيق وغيرها من الاستجابات؛ فجمال المرأة يمثل مبدأ الإثارة لدى الجمهور وما ينتج عنه مثل بلاغة التقبيل التي تُعدُّ استجابة جماهيرية تمثل وسيلة ناجحة للتعبير عن الإعجاب لها دلالتها، مثلما أن استخدام الجسد في داخل الصورة الانتخابية هو إعادة للموروث العربي، بوصف الجسد مبدأ الإثارة، فأكثر القبل التي يوجهها المواطنون لصورة المرشحة (المرأة) لم تكن موجهة إلى الجبين، لأن موضع الجبين هو موضع الاحترام والتبجيل، وكذلك غير موجهة إلى الخد لأن الخد موضع الصداقة والإعجاب، بل هي موجهة إلى الفم، وهذا ينمّ عن الإغراء والعشق والهوى، مثلما أن مفهوم القبلة مختلف بين الشعوب والحضارات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية