لوموند: شبح الحرب الطويلة يستوطن في أوكرانيا

حجم الخط
2

باريس- “القدس العربي”:

قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية، إن الهجوم المضاد الذي شنّته كييف يتقدم بشكل طفيف، حيث تعوقه خطوط التحصينات الهائلة التي أقامتها روسيا، والتي تعد أحد أكبر الأنظمة الدفاعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وفقاً لمحللين أمريكيين.

أشارت الصحيفة إلى حديث الجنرال الفرنسي جاك لانغليد دي مونتغروس، مسؤول مديرية المخابرات العسكرية الفرنسية، الذي استمعت إليه لجنة الدفاع والقوات المسلحة في الجمعية الوطنية الفرنسية في 12 يوليو، وتحذيره من مغبة أن الحرب في أوكرانيا “ستستمر حتى عام 2024 أو 2025”. وعبّر الجنرال الفرنسي عن عدم تفائله بنجاح الهجوم المضاد الذي تشنه كييف، معتبرا أن “هذا الصراع هو حرب استنزاف”.

أوضحت “لوموند” أنه بعد أكثر من شهرين بقليل من إطلاق كييف للهجوم المضاد، يُجمع الجنود والمحللون على أن الجيش الأوكراني لن يتمكن، على الأقل ليس في الوقت الحالي، من عبور الجدار السميك من التحصينات التي أقيمت من قبل الروس على طول 900 كيلومتر من الجبهة.

ويدرك الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بنفسه ذلك، حيث أوضح أن “الهجوم المضاد صعب.. ربما يكون التقدم أبطأ مما قد يود البعض تخيله”.

ومنذ الهجمات الأولى التي شنتها القوات الأوكرانية يوم الرابع من يونيو الماضي، تمكنت من تحقيق بعض التقدم الميداني، ولكن بشكل هامشي فقط. في شهر يوليو، ورد أن الجنود في كييف استعادوا 85 كيلومترا مربعا من أراضيهم، بعد مكاسب أولية بلغت نحو 200 كيلومتر مربع في يونيو، وفقاً لموقع War Mapper، الذي يقوم بتحديث خرائط الصراع يوميا.

وهو تقدم بطيء للغاية، فمنذ نهاية مايو الماضي، خسر الروس 0,1% فقط من الأراضي الأوكرانية التي سيطروا عليها، وما يزال أكثر من 100 ألف كيلومتر مربع، أو حوالي 17,5% من الأراضي الأوكرانية تحت سيطرتهم.

وزعم الأوكرانيون، الأربعاء الماضي، الاستيلاء على أوروزين على خط المواجهة الجنوبي، لكنها قرية كان عدد سكانها ألف نسمة فقط قبل بدء الغزو الروسي في فبراير 2022.

رأت “لوموند” أن هذا التقدم الميداني المتواضع للقوات الأوكرانية خلافا لما كان متوقعا يرجع إلى عدة أسباب؛ أولها يتعلق بإعداد الروس، إذ أنه على عكس الهجمات المضادة الناجحة التي نُفذت في خريف 2022 بمنطقتيْ خاركيف وخيرسون، فإن القوات الروسية كان لديها هذه المرة الوقت للاستعداد للهجمات الأوكرانية، وإقامة خطوط ضخمة من التحصينات خاصة في جنوب البلاد. ويوجد الآن الآلاف من الخنادق والمخابئ وأسنان التنين بعمق حوالي ثلاثين كيلومترا. وأكد مركز الأبحاث الأمريكي للدراسات الاستراتيجية والدولية في تقرير نُشر يوم التاسع من يونيو الماضي، أن “روسيا صممت أحد أكبر الأنظمة الدفاعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية”.

معضلة الألغام

ترجع الصعوبة بشكل خاص إلى عدد الألغام التي تعيق تقدم القوات الأوكرانية، والتي زرعها الروس في كل مكان، ناهيك عن تلك التي تركها الأوكرانيون منذ عام 2014. وقال وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف، في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، يوم 13 أغسطس الجاري، إن أوكرانيا “هي اليوم أكثر الدول الملغّمة في العالم”، مشيرا إلى أن قوات بلاده تجد “ما يصل إلى خمسة ألغام في كل متر مربع في أجزاء معينة من الجبهة”.

في هذا الصدد، يقول الأوكرانيون إن الحلفاء لم يقدموا لهم المساعدة الكافية. ومنذ بداية الحرب، تلقى حوالي 63 ألف جندي أوكراني تدريبات في دول غربية، خاصة في بريطانيا وألمانيا وبولندا. من جانبها، دربت فرنسا أكثر من ألفي رجلن وتخطط لتدريب 5 آلاف آخرين بحلول نهاية العام. ولكن في أغلب الأحيان، يتعلق الأمر بالتحضير للقتال في المناطق الحضرية ضد عدو متمرد، وهو ما لا يتوافق مع ما يحتاجه الأوكرانيون.

“فالحقيقة هي أن الغربيين لم يعودوا يعرفون كيف يشنون حرب الخنادق، وأن الأوكرانيين يجب أن يتعلموا أثناء الخدمة”، كما يشير تيبو فوييه، المدير العلمي لمعهد الدراسات الاستراتيجية والدفاعية.

تتابع “لوموند” القول إن ما زاد الطين بلة، هو أن أوكرانيا ما تزال تعاني من نقص في المدفعية والذخيرة، ومن المستحيل على الأوكرانيين المناورة بدون “دعم ناري” كبير بسبب الافتقار إلى القوة الجوية التي يطالبون حلفائهم بتوفيرها منذ أشهر. وتظل المدفعية وسيلتهم الرئيسية.

ويوضح تيبو فوييه أن “تفوق الروس في النيران، يجعل تركيزات الدروع ضعيفة للغاية، الأمر الذي يجبر الأوكرانيين على استخدام قوات المشاة بشكل أكبر”.

عمليات البحر الأسود

 “لوموند” أوضحت أن الروس، من جانبهم، تعلموا من أخطائهم منذ بداية الحرب، وهم الآن أكثر “احترافية”. فوفقاً لشهادات الجنود الأوكرانيين المنشورة على الشبكات الاجتماعية، فإن الروس يستخدمون الآن على نطاق واسع، وسائل الحرب الإلكترونية لتعطيل إطلاق الذخائر الموجهة أو الطائرات بدون طيار، مما يبطئ أو حتى يمنع التحركات الأوكرانية. ويعد النظام المسمى Pole-21، الذي يمنع الملاحة عبر الأقمار الصناعية على مساحة تصل إلى 150 كيلومترا مربعا، عائقا كبيرا للجيش الأوكراني.

فيما يتعلق بالمدفعية، فإن الروس هم أيضا أكثر مرونة. في بداية الحرب، تم استخدام أسلحتهم بالقرب من المعارك، على مسافة كيلومترين إلى أربعة كيلومترات من الجبهة، لتعظيم تأثيرها. واليوم، غالبا ما تعمل المدفعية على بعد خمسة عشر كيلومترا، وتتراجع أكثر في الليل لتجنب نيران البطاريات المضادة الأوكرانية.

ويقول مركز الأبحاث البريطاني في دراسة نُشرت يوم 9 أغسطس الجاري، إن المدفعيين الروس “يقتربون فقط من خط المواجهة لإجراء مهام إطلاق النار والانسحاب في أسرع وقت ممكن، مما يشير إلى أن البقاء على قيد الحياة يتفوق على قرب المسافة في عقيدتهم اليوم”.

وبطبيعة الحال، فإن الأوكرانيين لا يقفون مكتوفي الأيدي، ويعملون أيضا على تكييف استراتيجيتهم، حيث إنهم يكثفون منذ بداية الصيف ضرباتهم على المواقع الروسية الواقعة خلف الجبهة، لعرقلة التدفقات اللوجستية للجيش الروسي وتقليص إمكاناته.

وتُستهدف شبه جزيرة القرم بشكل خاص بقصف على الجسور التي تربطها بالبر الرئيسي الروسي، ولا سيما بصواريخ كروز “ستورم شادو” و”سكالب” التي سلمتها بريطانيا وفرنسا لأوكرانيا. كما يزيد الأوكران من عملياتهم في البحر الأسود، حيث يطلقون مركبات بحرية مسيرة ضد السفن والموانئ العسكرية الروسية، لتخفيف الحصار الذي فرضته موسكو منذ ثمانية عشر شهرا على بلادهم.

حرب استنزاف

لكن المحللين، يقولون إن هذه العمليات ليست كافية بعدُ لعكس ميزان القوى. فالهجوم الأوكراني المضاد مشابه جدا لما حدث بين سبتمبر 1914 (بدء الهجوم الفرنسي المضاد في مارن) ويوليو 1918 (آخر هجوم ألماني في شامبانيا) أي حرب استنزاف حيث لم يسيطر أي محارب على الآخر، وفق لفرانسوا هايسبورغ، مستشار مؤسسة البحوث الاستراتيجية.

اعتبرت “لوموند” أن الأمر المؤكد الوحيد، هو أن أوكرانيا لم يتبق لها الآن سوى بضعة أسابيع لإحداث اختراق كبير في الخطوط الروسية، والتي ما زال يتعين عليها استغلالها بعد ذلك. بمجرد حلول فصل الخريف، ستصبح التحركات أكثر صعوبة بسبب الأمطار التي تحوّل التربة إلى طين، وتجعل من الصعب عبور الممرات المائية.

بات من الواضح أن السلطات الأوكرانية تحضّر علنا ​​الأوكرانيين لاحتمال خوض حرب طويلة، تقول “لوموند”، مشيرة في هذا الصدد إلى الرسالة التي نشرتها إيرينا فيريتشوك، نائبة رئيس الوزراء الأوكراني، يوم 15 أغسطس الجاري، وقالت فيها: “إلى متى ستستمر الحرب؟ علينا أن نكون صادقين، من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.. بحلول نهاية العام.. الربيع المقبل.. كل هذا ليس صحيحا. على الجميع الاستعداد لحرب طويلة وصعبة. نحن نستعد لسباق ماراثون، وليس سباقا سريعا للقتال في 12 جولة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية