الحديث عن انتخابات حرة وشفافة في ظل انقسام العاصمة إلى قطاعات، يقود كل قطاع منها واحد من الأجسام المسلحة والمتنافسة لن يكون من معنى له.
الخاسر الأكبر من الاشتباكات العنيفة الأخيرة في طرابلس، هي الانتخابات، التي بات مستحيلا إجراؤها قبل نهاية العام الجاري. فلن يكون من معنى، في هذه الأجواء، للحديث عن انتخابات حرة وشفافة في ظل انقسام العاصمة إلى قطاعات، يقود كل قطاع منها واحد من الأجسام المسلحة والمتنافسة. ولم تعد الاشتباكات بينها ظاهرة طارئة، وإنما هي جزء من الممارسة اليومية للسلطة، علما أن الدولة هي مُرضعة تلك الجماعات. يتصدر المواضيع المتصلة بالانتخابات تحديدُ الجهة التي ستشرف عليها، فعلى الصعيد الفني ستتولى هذه المهمة المفوضية العليا للانتخابات. أما الإشراف السياسي فهو يُراوح، في الخيارات المتداولة، بين حكومة مؤلفة من التكنوقراط، أو حكومة سياسية انتقالية يتعهد أفرادُها بالامتناع عن الترشُح لأي منصب رسمي. غير أن رئيس الحكومة الدبيبة مُصر على عدم ترك منصب رئيس الوزراء في أي حال من الأحوال. وأقسم مؤخرا أنه لا يوجد شخص يجعله يترك مكانه، مُضيفا «الله وحده من يستطيع، لكن البشر لا».
أسلحة ثقيلة في المدن
تأتي العرقلة الأخرى للحل السياسي من انتشار السلاح الثقيل في المدن وسهولة اللجوء إليه لدى اندلاع احتكاكات بين الجماعات. ولا يُعرف على وجه الدقة عدد تلك الجماعات، ولا عدد المنضوين تحت لوائها، لكن قطع السلاح تقدر بعشرين مليون قطعة. والغريب أن الدولة هي من يتكفل بتسليح تلك الأجسام لكي تنقلب عليها لاحقا، وتستهزئ بها، كما فعلت مع رئيس الوزراء الأسبق علي زيدان، الذي اختطفته إحدى ميليشيات العاصمة من بيته، وهو رئيس حكومة.
لكن هذه المرة تعلق الأمر بتوقيف آمر المليشيا «444 قتال» العقيد محمود حمزة، في مطار معيتيقة خلال توجهه إلى مدينة مصراتة الإثنين الماضي. ثم هدأت الأمور بعد إعلان أعيان سوق الجمعة، في ضواحي العاصمة، مساء الثلاثاء، تسليم حمزة إلى جهة محايدة، وذلك بإشراف المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة والنواحي الأربع.
ويجوز القول إن الاشتباكات العنيفة كشفت، بشكل غير مسبوق، مدى عجز حكومة الوحدة الوطنية، وجميع مؤسسات الدولة المؤقتة، عن ضبط الأمور في البلد، والسيطرة على الوضع الأمني، بحيث أنها لا تترك مجال التدخل للعنصر القبلي، من أجل إطفاء الحريق، وهو ما لم تستطعه أجهزة الدولة. اكتفى المجلس الرئاسي ببيان لا يُغير من الوضع شيئا، وصدر بيانه بعد يومين من اندلاع الاشتباكات. وكذلك فعل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مُتناسين أن تأمين الاستقرار والأمن هو من أوكد المسؤوليات المنوطة بهم.
أكثر من ذلك، أمر المجلس الرئاسي الأطراف المتقاتلة (وهما القوتان العسكريتان الأكثر نفوذا في طرابلس) بعودة جميع الآليات المسلحة إلى مقراتها، وهو تطبيعٌ واضح مع تلك الجماعات، بينما كان الوضع يقتضي، في الحد الأدنى، أمرها بسحب أسلحتها وحواجزها الأمنية من وسط المناطق السكنية. وفي هذا المجال بدا صوت المجتمع المدني أعلى من أصوات المؤسسات الخافتة، في المطالبة بإخراج السلاح الثقيل من المدن. من ذلك أن المحامية والناشطة السياسية والحقوقية ثريا الطويبي، أكدت على «ضرورة إخراج الجماعات المسلحة من المدن حفاظًا على أرواح المدنيين». وشددت، في منشور عبر «فيسبوك» على الضرورة الملحة لإخراج كافة المجموعات المسلحة والمعسكرات والآليات الحربية خارج المدن والتجمعات السكنية.
خبيرة إيطالية
في المُنطلق استهدف الاعتقال، مثلما أسلفنا، آمر الميليشيا «444 قتال» العقيد محمود حمزة، في مطار معيتيقة خلال توجهه إلى مدينة مصراتة الإثنين الماضي. ثم هدأت الأمور بعد إعلان أعيان سوق الجمعة، في ضواحي العاصمة، مساء الثلاثاء، تسليم حمزة إلى «جهة محايدة» وذلك بإشراف المجلس الاجتماعي سوق الجمعة والنواحي الأربع. لكن الوضع لم يصفُ نهائيا، خاصة أن المعارك أسفرت، حسب إحصاءات أولية، عن سقوط ما لا يقل عن 55 قتيلاً و146 جريحاً من العسكريين والمدنيين، حسب المكتب الإعلامي لمركز طب الطوارئ والدعم.
من هذه الزاوية يمكن فهم التحذير الذي أطلقته الخبيرة الإيطالية روبرتا لا فورتيتسا من تصاعد التوتر، مرة أخرى، نتيجة تغير التوازن السياسي في ليبيا، مُعتبرة أن الاتفاق بشأن وقف إطلاق النار في طرابلس «جنب البلاد تصعيدا عسكريا كان وشيكا». ورأت أن إجراء اتصالات غير مباشرة، في الأشهر الأخيرة، بين الغريمين رئيس حكومة الوحدة الدبيبة والقائد العسكري للمنطقة الشرقية خليفة حفتر، خطوة إيجابية. وتوقعت لا فورتيتسا احتمال وصول الفرقاء إلى اتفاق «يمكن أن يؤثر بشكل متزايد، في توازنات الجماعات المسلحة وقيادتها» من دون أن تعطي تفاصيل. غير أن هذا السيناريو يبقى نظريا، لأن الرجلين سيتنافسان على الجلوس فوق سدة الرئاسة، إذا ما قررا خوض غمار الانتخابات، وهو الأرجح.
ميقات غير واقعي
مصير الانتخابات محكوم أيضا بالتوافق بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، في خصوص التعديلات، التي طالب البرلمان مؤخرا بإدخالها على بعض بنود القوانين الانتخابية، على أن يستكمل المجلسان إجراءات تنفيذ خريطة الطريق، لإجراء الانتخابات خلال 240 يومًا من تاريخ إقرار البرلمان للقوانين، والعمل على تشكيل حكومة جديدة. وأجلُ الـ240 يوما قابلٌ للزيادة أو النقصان، لأنه مرتبط بالاتفاق على خريطة الطريق.
في السياق كان لافتا أن الرئيس الروسي بوتين خصص قسما من خطابه في مؤتمر موسكو الحادي عشر للأمن الدولي، لشن هجوم على أمريكا والغرب، معتبرا إياهما مسؤولين عن انهيار الدولة الليبية، ومُعتبرا أن جريمتهما الأصلية تمثلت في «شن العدوان على ليبيا في 2011 ما أدى إلى انهيار الدولة الليبية، وجميع التداعيات الراهنة على ليبيا وعلى دول الجوار» وفقا لما قال.
من جهة أخرى أظهرت تقارير الهيئة العليا للرقابة تورط عدد كبير من قادة الميليشيات الليبيين في تدفقات مالية غير شرعية، مصدرها الإتجار بالبشر وتجارة السلاح والمخدرات. ولئن كانت المعطيات شحيحة عن مصادر ذلك المال الفاسد، الآتي على الأرجح من الرشى وتهريب الأموال، فإن مركز «أوراسيا ريفيو» الأمريكي للدراسات والبحوث نقل عن دراسة لمعهد الأمم المتحدة الإقليمي لأبحاث الجريمة والعدالة، أن متوسط الخسارة السنوية من التدفقات المالية غير المشروعة في ليبيا يقدر بـ1.2 مليار دولار. هذه الخسارة تمثلها مافيا تهريب المهاجرين، التي تدر سنويا حوالي 236 مليون دولار، إضافة إلى حوالي 30 مليون دولار من تهريب الأسلحة الصغيرة والخفيفة، مع قلة السيطرة الفعالة على الأراضي الشاسعة في البلد، ولا سيما في الجنوب. وأفادت دراسة معهد الأمم المتحدة أن قيمة تجارة السلاح الليبي في فترة ما بعد القذافي تراوحت بين 15 و30 مليون دولار سنويا.
وأكدت الدراسة أن تهريب النفط يشكل 20 في المئة من دخل الميليشيات، قائلا إن كميات من النفط الليبي تقدر قيمتها بين 750 مليون دولار ومليار دولار يتم تهريبها إلى مالطا كل عام، مشيرا إلى أن الشرطة الإيطالية اكتشفت في 2017 مجموعة كانت تقوم بتهريب الوقود بواسطة شبكة مافيا إيطالية، وتم بيع ما لا يقل عن 30 مليون يورو من الديزل في محطات الوقود الأوروبية. في هذا الوضع يبدو من الغريب أن الحكومة تعهدت بصرف تعويضات للمتضررين من الاشتباكات. وقد شكل وزير الاسكان والتعمير لجنة لإحصاء الأضرار، التي ترتبت على المعارك في طرابلس، بينما يتحمل أمراء الحرب كافة المسؤولية عن تلك الأضرار المادية والمعنوية. وعليه كان يجب إحالتهم على القضاء، لولا وهن الدولة.
تعليق الدروس بالجامعة
شملت الخسائر المعنوية إرجاء امتحانات الدور الثاني للشهادة الثانوية، كما قررت جامعة طرابلس تعليق الدراسة والامتحانات والعمل الإداري، ما يعني أن المصابين، بالمعنى المجازي، جراء الاشتباكات ليسوا فقط من المدنيين، وإنما أيضا من طلاب العلم بالجامعات والمدارس. كما اجتمع وزير الحكم المحلي مع عميدي بلديتي عين زارة وسوق الجمعة، حيث جرت الاشتباكات الأكثر ضراوة، وأيضا مع أعضاء جهاز تنفيذ المشروعات والمرافق، وأعضاء «لجنة حصر الأضرار الناتجة عن اشتباكات طرابلس». لكن لا أحد يستطيع التأكد من اتخاذ القرارات المناسبة ولا من تنفيذها، خصوصا أن وزارة الخارجية الأمريكية انتقدت في تقرير لها أخيرا البيئة الاستثمارية في ليبيا، وما تواجهه القطاعات الاقتصادية محليا ودوليا، في سبيل الإسهام في الرفع من اقتصاد البلد، واحتواء التحديات التي تواجه القطاعات المصرفية. ومن تلك التحديات غياب بوابة معلومات إلكترونية تختص بلوائح تسجيل الأعمال الجديدة، وانخفاض السيولة، ما أثر سلبا في قدرة المواطن على الحصول على العملة الصعبة للاستثمار في الخارج. ومن أوضح الأمثلة على تداعي بنية الاقتصاد ما أصاب «الخطوط الليبية» في السنوات الأخيرة من أزمات جعلت الموظفين لا يتقاضون مرتبات منذ 22 شهرا. وقال رئيس نقابة الخطوط الجوية الليبية بالمنطقة الشرقية، في حوار مع قناة «الأحرار» الليبية إن آخر شهر استلم فيه الموظفون رواتبهم هو أيار/مايو من العام 2020 كما أوضح أن الشركة تعمل الآن بطائرتين فقط، إلى جانب 5 طائرات أخرى تخضع للصيانة. وشهدت الأسابيع الماضية خروج الموظفين في مظاهرات في كل من طرابلس وبنغازي، للمطالبة بصرف مرتباتهم المتعثرة منذ قرابة السنتين. ووعد وزير المواصلات وسام الإدريسي بحل أزمة الموظفين، واصفا مطالبهم بالمشروعة. أما رئيس لجنة التعويضات فقال إن الأضرار التي لحقت الشركة تقدر إجمالا بـ5.2 مليار دولار. وفي ظل الميزان الاقتصادي لهذه السنة تسمح إيرادات النفط بتنفيذ مشاريع إعادة بناء وأعمال إصلاح وترميم بالنظر لتحسُن الإنتاج من منتجات الطاقة، إذ تجاوز إجماليُ إيرادات ليبيا من مبيعات المنتجات النفطية، في الربع الثاني من العام الجاري 5 مليارات دولار، وهذا يدل على أن الوضع المالي ليس سيئا، وأن الحكومة تستطيع نظريا تنفيذ جميع المشاريع التي وعدت بها، ومن بينها إنعاش «الخطوط الليبية» وإصلاح أوضاعها.