لندن ـ «القدس العربي»: حقق العلماء اختراقاً طبياً جديداً في مجال زراعة أعضاء الحيوان في جسم الإنسان، ومدى نجاح هذه العمليات وإمكانية الاستفادة منها في علاج الأمراض وإطالة عمر الإنسان وتعويضه عن أعضائه الأصلية التالفة أو التي تسبب له الآلام والأوجاع.
وتمكن أطباء من زراعة كلية خنزير في جسد إنسان، وفوجئوا بأن الكلية ظلت تعمل بشكل طبيعي وفعال في جسد الرجل لمدة شهر كامل بعد وفاته دماغياً، وهو ما يجعل العالم يقترب خطوة إضافية مهمة في مجال زراعة الأعضاء البشرية المستخلصة من أجساد الحيوانات.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي» إن هذا الانجاز تم تحقيقه من قبل الجراحين في جامعة «نيويورك لانغون هيلث» الذين أجروا العملية في 14 تموز/يوليو الماضي، وقالوا في إعلان رسمي يوم الأربعاء الماضي 16 آب/أغسطس إنهم سيستمرون في المراقبة حتى منتصف الشهر المقبل.
وأجريت التجربة على رجل يُدعى موريس مو ميلر البالغ من العمر 57 عاماً، والذي تبرعت عائلته بجسده بعد إعلان وفاته، وفقاً لمعايير عصبية، وتم الحفاظ عليه بقلب ينبض على جهاز التنفس الصناعي.
وتقول «دايلي ميل» إن هذا الإنجاز هو الأحدث في سلسلة من التطورات التي تجدد الأمل في عمليات زرع الأعضاء من حيوان إلى إنسان، أو زرع الأعضاء عموماً، بعد عقود من الفشل، حيث تهاجم أجهزة المناعة البشرية الأنسجة الغريبة.
وفي محاولة سابقة سجل العلماء أن العضو المزروع في جسم الإنسان استمر لمدة 72 ساعة فقط قبل أن يتم رفضه.
وعلى عكس المحاولات السابقة، يعود النجاح الجديد إلى تعديل الخنزير وراثياً بحيث يتناسب عضوه بشكل أفضل مع جسم الإنسان.
وقال الدكتور روبرت مونتغمري، أحد الجراحين: «ببساطة لا توجد أعضاء كافية متاحة لكل من يحتاج إلى واحدة. يموت الكثير من الناس بسبب نقص الأعضاء المتاحة، وأعتقد بشدة أن زرع الأعضاء الحيوانية هو وسيلة قابلة للتطبيق لتغيير ذلك».
وخضعت كلية الخنزير لتعديل جين واحد، وهو جزيء سكر على سطح خلايا الخنازير يمكن أن يحفز جهاز المناعة البشري لمهاجمة أعضاء الخنازير. وهذا بالمقارنة مع التجارب السابقة التي استخدمت أعضاء أخرى من الحيوان تتضمن ما يصل إلى 10 طفرات جينية.
وقال مونتغمري إن العلماء جمعوا المزيد من الأدلة لإثبات أنه، على الأقل في الكلى، قد يكون مجرد القضاء على الجين الذي يؤدي إلى رفض مفرط الحدة كافياً إلى جانب الأدوية المثبطة للمناعة المعتمدة سريرياً لإدارة عملية الزرع في الإنسان بنجاح لتحقيق الأداء الأمثل، ومن المحتمل أن يكون على المدى الطويل.
وأجرى مونتغمري عمليات زرع آلاف المرات، ولكن دائماً على بشر بأعضاء بشرية.
وتقول «دايلي ميل» في التفاصيل عن العملية إن «مهمة زراعة الكلية بدأت في الصباح الباكر من يوم 14 تموز/يوليو عندما طار الدكتور آدم جريسيمر وجيفري ستيرن مئات الأميال إلى منشأة طبية مقرها فرجينيا بالولايات المتحدة، حيث توجد خنازير معدلة وراثياً، وتم استئصال الكلى التي تفتقر إلى الجين الذي من شأنه أن يؤدي إلى تدمير فوري من قبل جهاز المناعة البشري».
ثم سارع الفريق العلمي إلى نيويورك لإجراء العملية، حيث تم استخدام أحد أعضاء الحيوان في التجربة، والآخر تم تخزينه بعيداً للمقارنة عندما ينتهي التحقيق الشهر المقبل.
وقال توبي كوتس، أستاذ الطب بجامعة أديلايد والذي لم يشارك في التجربة: «تمثل هذه الحالة واحدة من أولى عمليات زرع الكلى الوظيفية من خنزير إلى إنسان، وتُظهر دليلاً على مبدأ أن أعضاء من حيوان معدل وراثياً يمكن أن تحل محل وظائف الكلى البشرية لمدة أسبوع واحد دون رفض وباستخدام العلاج الدوائي التقليدي لزراعة الكلى».
ويقول كوتس إن التقدم الرئيسي هنا هو الإزالة الجينية لأربعة جينات للخنازير التي أثبتت سابقاً أنها تشكل حاجزاً أمام الزراعة الناجحة عبر الأنواع، وإدخال ستة جينات بشرية تمنع التخثر و”إضفاء الطابع الإنساني» على كلية الخنازير لتبدو أكثر شبهاً بالإنسان.
وفي الولايات المتحدة وحدها يوجد أكثر من 103 آلاف شخص على قائمة الانتظار لعملية زراعة الكلى، مع ما يقرب من 88 ألف من أولئك الذين ينتظرون كلية، وفقاً لبيانات شبكة مشتريات وزرع الأعضاء الفيدرالية.
وفي عام 2022 تلقى حوالي 26 ألف شخص عملية زرع كلى، وفي الوقت نفسه، يعاني ما يقرب من 808 آلاف شخص في الولايات المتحدة من مرض الكلى في مراحله النهائية.
ومن المحتمل أن تكون هذه الإحصائيات قد ساعدت في إقناع عائلة ميلر بالتبرع بجسده، حيث كانوا مترددين في البداية.
وقالت أخته ماري ميلر لوكالة «أسوشييتد برس»: «لقد عانيت من ذلك»، لكنه كان يحب مساعدة الآخرين وأعتقد أن هذا ما يريده أخي، لذلك قدمت لهم أخي. وأضافت: «سيكون في الكتب الطبية، وسيعيش إلى الأبد».
وفي السابق، اختبرت جامعة نيويورك وفريق من جامعة ألاباما في برمنغهام عمليات زرع كلى خنازير في متلقين متوفين لمدة يومين أو ثلاثة أيام فقط.
وقام فريق من جامعة نيويورك أيضاً بزرع قلوب الخنازير في أجساد متبرع بها لمدة ثلاثة أيام من الاختبارات المكثفة.