مقابر «الحقبة الفرعونية» وأسرار الحضارة المصرية القديمة

بعض الخطوات تفصلني عن مجموعة من مقابر مدينة الأقصر المصرية، الجو ساخن ودرجات الحرارة مرتفعة، أقدر أنها بلغت نحو 40 درجة مئوية. رحلتي إلى هذه المدينة التاريخية هي الثانية بعد الرحلة الأولى التي قمت بها العام الماضي. مصر بلد يسحرك رغم الظروف الجوية، فكل اكتشاف أثري يتم الإعلان عنه حول العالم، تجد نفسك تشد الرحال مرة أخرى، نحو تلك البلاد الساحرة المليئة بالتاريخ والغموض.
هناك سلم يقودني نحو غرفة أشبه بالكهف منخفضة عن سطح الأرض، يقودني السلم نحو بوابة حديدية إلى جانبها وضع إعلان يعرّف السياح باسم المكان والمقبرة وتاريخ اكتشافها وهي المقبرة TT69التي تقع في وادي النبلاء في الأقصر وتعود لأحد النبلاء الذين عاشوا قبل آلاف السنين ويدعى (مننا).
في هذه الرحلة يصحبنا شريف شعبان، عالم الآثار المصري للحديث عن فن تزيين المقابر في مصر القديمة، وعن حركة تطور هذا الفن، وكذلك عن أشهر المقابر في الأقصر ومنها المقبرة TT69 والاكتشاف الثوري الذي توصل إليه علماء الآثار مؤخرا في جدران المقبرة.

متى بدأ فن تزيين المقابر في الظهور حسب التاريخ المصري القديم؟
عرف المصري القديم منذ فجر التاريخ الإيمان بفكرة البعث والخلود، وأن الموت ما هو إلا مرحلة انتقالية، ما جعله يهتم بمقبرته، باعتبارها بيت الأبدية، لذلك نجد المصري القديم يهتم بتزيين مقبرته بمناظر ترتبط بحياته اليومية ومعتقداته الدينية. ومن أقدم مناظر المقابر في الحضارة المصرية القديمة المقبرة رقم 100 في مدينة «نخن» أقدم العواصم التاريخية لمصر القديمة في أسوان وهي أقدم مقبرة معروفة باحتوائها علة جدارية مرسومة على جدرانها الجصية. يُعتقد أنها تعود إلى نقادة الثانية المعروفة باسم ثقافة جرزة في عصور ما قبل الأسرات (حوالي 3500-3200 قبل الميلاد) حيث يُفترض أن جدارية المقبرة تُظهر مشاهد وصورا دينية، فنجد موكبا جنائزيا لمراكب وحيوانات برية مثل، الحمير الوحشية، والوعول، والنعام، وأنثى الأسد والغزلان والماشية. على أن أغرب ما تم رسمه على جدران تلك المقبرة منظرا لرجل يفصل بين حيوانين مفترسين، وهو يشبه ما تم التعارف عليه في حضارة بلاد النهرين، ما يدل على وجود علاقات حضارية مبكرة بين مصر وبلاد النهرين. ومع نشأة الدولة المصرية وتطور الفكر الديني المصري تطورت المناظر المرسومة على جدران المقابر، وصاحب ذلك تطور في الأسلوب الفني، من حيث الموضوع وتكنيك التصوير على مدار التاريخ المصري القديم، بداية من الدولة القديمة مروراً بالدولة الوسطى وحتى عصر الامبراطورية.

ما هي أشهر المقابر بعد مقبرة الملك الشاب توت عنخ آمون؟
إذا ما اتجهنا إلى مقابر وادي الملوك ووادي الملكات ومقابر النبلاء في غرب طيبة (الأقصر حالياً) سنجد أن تلك المقابر تمثل ذروة الفن والعمارة والفكر الديني في الحضارة المصرية القديمة، فقد نجح ملوك الدولة الحديثة أو ما اصطلح عنه الامبراطورية المصرية القديمة في تزيين مقابرهم بمناظر غاية في الروعة بتقنيات فنية عالية، فعلى سبيل المثال نجد مقبرة الملك سيتي الأول تشتهر بسقفها الذي زين على شكل سماء زرقاء مرصعة بنجوم ذهبية، ومقبرة الملك رمسيس السادس المشهورة بمناظرها الدينية على الجدران والسقوف، ومقبرة الملكة نفرتاري في وادي الملكات، التي تضم العديد من مناظر الملكة في أوضاع مختلفة تظهر مدى جمال نفرتاري وأناقتها بألوان براقة وكأنها مرسومة اليوم، بالإضافة إلى مقابر النبلاء في منطقة القرنة والعساسيف ودير المدينة غربي طيبة، التي تضم مناظر بديعة تمثل الطقوس الدينية والحياة اليومية في مصر القديمة من وجهة نظر النبلاء مثل، مقبرة سن نجم كبير الفنانين، ومقبرة الوزير رعموزا ومقبرة كاتب الحقول الملكية مننا. ومن المثير في الأمر أن مقبرة توت عنخ آمون ذات الشهرة الواسعة لا تعد من أجمل مقابر الوادي لأنها أصغرها وتم إعدادها بسرعة بسبب الموت المفاجئ للملك الشاب، ما جعل مناظرها متركزة فقط على جدران حجرة الدفن.

نأتي الآن إلى مقبرة لأحد النبلاء ويدعى مننا، وهي المقبرة المعنونة علميا TT69 لماذا تم محو وجه هذا النبيل عمدا؟ ما هي الأسباب؟
مننا هو كاتب الحقول الملكية في عصر الملك تحتمس الرابع، ويظن الناس العامة أن مقبرته هي مقبرة وزير الزراعة لأن معظم مناظر هذه المقبرة تدور حول الزراعة، من حرث الأرض وبذر الحبوب، وزراعة الكتان وتمشيطه، ومناظر الحصاد، لمشرف على الضياع الملكية والمسؤول الأول عن الأموال والضرائب المحصلة، كل ذلك جعل «مننا» يتفاخر بوظيفته بدرجة كبيرة، كما دل على مدى سطوة ونفوذ مننا في عصره.
والزائر للمقبرة يجد أن هناك شخصا ما يكره مننا، قام بمسح وجه مننا من على جميع الرسومات والمناظر على الجدران بالكامل، بالإضافة إلى إزالة اسم الرب آمون من على الجدران لمنع مننا من البعث مرة أخرى وتعذيبه في الحياة الأخرى بعد الموت، وهو ما يحتمل أن يكون أحد المتطرفين في عهد الملك أخناتون الذي حارب كل المعبودات من أجل إبقاء التقديس لمعبوده الأوحد آتون. فكان من المعروف أن الاسم والصورة هما رفيقا المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر ودلالة على كينونته، وإذا ما فقد المتوفى اسمه أو صورته، فلن يكون له وجود.

ما هي أشهر المناظر الفريدة في مقبرة مننا؟
من أجمل ما يميز المقبرة المناظر التي تعبر عن الشعور الإنساني، مثل منظر رئيس العمل الواقف وراء مائدة القرابين والعبد الذي يقبل في ذلة قدمي هذا الرجل العظيم، ربما من أجل تقليل الضرائب، ومنظر إنساني لفتاة تحضر جرة ماء لأحد العمال العطشى، وأم ترضع صغيرها تحت شجر التوت، أما أجمل المشاهد فكانت لزوج يحاول إخراج شوكة من قدم زوجته، ما يدل على أن الفن المصري القديم ليس فناً جامداً مقولباً، لكنه يتنوع حسب رؤية الفنان، رغم كونه يخضع لقواعد فنية ثابتة.

كيف حافظت الألوان على تماسكها رغم مرور آلاف السنين؟
هذا الأمر يرجع لتطور تكنيك الفن في عصر الدولة الحديثة، حيث استخدم الفنانون مجموعة من الألوان والأصباغ ذات الجودة العالية، متبعين أسلوب «التمبرا» وهي طريقة تلوين سريعة الجفاف تتكون من صبغة ملونة مخلوطة بمادة صمغية لاصقة ذات وسط مائي، وفي الأغلب يستخدم صفار البيض، ما يجعل الألوان براقة وتدوم أطول مدة ممكنة. ويكمن إيمان المصري القديم بأن المقبرة هي بيته الأبدي في أن يجعله يهتم بكل تفاصيل المناظر والاعتماد على أمهر الفنانين في عصره.

متى تم اكتشاف المقبرة ومن هو المكتشف الأصلي لها؟
تم تنظيف المقبرة من قبل أعضاء البعثة الأثرية الفرنسية في ثمانينيات القرن 19 ومرة أخرى في الجزء الأول من القرن العشرين، وساعد العمل في المقبرة على اكتشاف عدد من الدفنات في الفناء الأمامي والمقصورة بواسطة الأثري الإنكليزي روبرت موند في عام 1905، وتم عمل مسح موجز لمناظر المقبرة على يد عالم الآثار الأسكتلندي كولين كامبل في عام 1910. وتم فتح المقبرة للجمهور منذ الستينيات، وأصبحت منذ ذلك الحين معرضة لمشاكل التلوث البيئي والاتصال البشري، ما أدى إلى تدهور اللوحات الجدارية. وحاليا قامت الحكومة المصرية ببناء جدار زجاجي لحماية الرسومات على الجدران من أنفاس الزائرين والرطوبة في الهواء.

هل تمكن اللصوص من الوصول إلى هذه المقبرة قبل مئات بل آلاف السنين؟
كما ذكرت أن المقبرة، وقعت في يد متعصبين دينيين إبان حقبة العمارنة، ما أدى إلى تلف أغلب مناظرها الدينية، كما تعرضت المقبرة إلى هجمات عصابات اللصوص التي تكونت عقب الانهيار الاقتصادي الذي خلف عصر الملك رمسيس الثالث، والتي عرفت في المصادر باسم «سرقات المقابر» حين شكّل العمال الجوعى والعاطلين عصابات تستهدف مقابر الملوك والملكات لسرقة كنوزهم المدفونة معهم. وقد بدأ الأمر في سرية ثم انتشر بصورة كبيرة، حيث تسيد تلك العصابات بعض من الكهنة الذين كانوا على معرفة بأماكن المقابر ونقاط تخزين الكنوز بها، ثم امتدت إلى مقابر النبلاء. الزائر لهذه المقبرة يشعر بأن بين الكتابات والرسوم شيئا غامضا هل تستطيع تفسيره؟

لا تكف مقبرة مننا بشكل خاص والفن المصري بشكل عام عن إبهارنا، فقد كشفت لنا التكنولوجيا الحديثة معجزة جديدة من معجزات الفن المصري القديم، وسرا جديدا من أسرار الحضارة المصرية القديمة، حيث توصلت مجموعة من الباحثين باستخدام التصوير العلمي المتطور في الولايات المتحدة إلى وجود مناظر مخفية خلف مناظر جدران مننا، فنجد صاحب المقبرة وهو يرفع يديه في وضع تعبدي للمعبود أوزير رب العالم الآخر وراعي الموتى، لكن تم الكشف على أن هناك ذراعا ثالثة تم محوها لعدم تناسبها مع النسب التشريحية للمنظر. وهذا الإجراء يدلّ على أن الرسامين المصريين القدماء نجحوا في عمل تعديلات على رسومهم وتصحيح أخطاء قد يقعوا فيها، وتدحض اتهامهم بالتقليد والجمود.

صحافي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية