لعبة القط والفأر بين النظام السوري ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية

عبد الحميد صيام
حجم الخط
2

بتاريخ 21 آب/أغسطس انهالت قذائف كيميائية تحمل غازات سامة على مراكز تأوي المهجرين والمدنيين في الغوطة الشرقية، أثناء وجود المفتشين الدوليين في فندق الـ «فور سيزونز». ووجهت التهمة فورا إلى النظام السوري نفسه، حتى قبل التحقيق، بينما اتهم النظام المعارضة بتدبير هذا الحادث أثناء وجود المفتشين الذين وصلوا البلاد بناء على طلب من النظام للتحقيق في هجوم كيميائي على خان العسل.
وقد شكك الكثيرون من بينهم زعماء في المعارضة أن تكون الحكومة السورية هي المسؤولة عن الهجوم، إذ كيف للرئيس السوري أن يستعمل السلاح الكيميائي قرب دمشق وعلى بعد خمسة كيلومترات فقط من الفندق الذي يقيم فيه المفتشون الأمميون، خاصة أن القوات السورية هي المتفوقة ميدانيا، وانما تم استعمال السلاح من قبل جهات مجهولة لتحميل الحكومة السورية المسؤولية وإثارة رد فعل دولي ضدها، وهو ما حدث فعلا.
تحركت الدول الغربية لعقاب النظام حيث ذهب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، إلى الكونغرس وأخذ تفويضا لمعاقبة الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه. وألقى أوباما كلمة قال فيها إن استخدام الأسلحة الكيميائية خط أحمر ولن تمر بدون عقاب، ثم أعطى وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، أسبوعا واحدا للنظام لتسليم كافة ترسانته من الأسلحة والذخائر والمعدات الكيميائية وإلا فالهجوم واقع لا محالة. وبدأ العالم ينتظر لحظة التدخل الأمريكي لمحاسبة النظام على مقتل ما قيل وقتها نحو 1400 مدني. أو 355 حسب منظمة أطباء بلا حدود، و1466 حسب مصادر المعارضة، بينما تذكر وكالة الاستخبارات الأمريكية أن العدد 1429.

قرار مجلس الأمن 2118

تدخلت روسيا في اللحظة ما قبل الأخيرة وتم الاتفاق مع النظام السوري على اتخاذ عدة خطوات لتجنب المواجهة منها الانضمام لعضوية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وهذا يشترط خلو البلاد من أي أسلحة كيميائية وتدمير ما هو موجود، وقبول فريق من المفتشين الدوليين للإشراف على التخلص من الترسانة الكيميائية كاملة خلال سنة. وعمد هذا الاتفاق باعتماد القرار بالاجماع 2118 بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر 2013.
ومنذ ذلك اليوم ومجلس الأمن يراجع شهريا ملف تدمير الأسلحة الكيميائية السورية لغاية اليوم دون أن يكون هناك حسم نهائي مطلق بخلو سوريا من الأسلحة أو المختبرات أو المعدات المتعلقة بإنتاج أو بيع أو استيراد أو تخزين الأسلحة الكيميائية. في البداية إنشت عام 2015 آلية خاصة للقيام بهذه المهمة أطلق عليها «آلية التفتيش المشتركة» برئاسة فرجينيا غامبا التي نقلت بعد الفيتو الروسي الذي أطاح بـ«جيم» عام 2017 إلى الأطفال والنزاعات المسلحة لتقوم بالدور المناط بها بالتستر على الكيان الصهيوني وجرائمه ضد أطفال فلسطين.
بعد إلغاء آلية التفتيش المشتركة، تابعت لجان منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ودائرة شؤون نزع السلاح. وما زالت تتابع مسألة التخلص الشامل من الأسلحة الكيميائية، دون أن تقفل الملف.

القضايا العالقة

قال نائب الممثلة السامية لشؤون نزع السلاح، أديديجي إيبو إن جهود الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لعقد الجولة الخامسة والعشرين من المشاورات بين فريق التقييم والسلطات السورية لم تحرز أي تقدم بعد. جاءت هذه التصريحات أثناء آخر إحاطة في 11 آب/أغسطس لمجلس الأمن الدولي حول إزالة برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، وفقا لقرار مجلس الأمن 2118 (2013).
وقال إيبو إن الأمانة الفنية اقترحت في أيار/مايو  2022 معالجة القضايا ذات الصلة بالإعلان من خلال تبادل المراسلات. وعلى الرغم من موافقة سوريا على هذا الاقتراح، إلا أن الأمانة الفنية لم تتلق بعد أي إعلانات أو وثائق أخرى مطلوبة من سوريا.
وأوضح أنه نظرا لهذا الوضع، وفي محاولة لتنفيذ تفويضها، اقترحت الأمانة الفنية إرسال فرق أقل عددا تتألف من مجموعة من أعضاء فريق التقييم إلى سوريا للقيام بأنشطة محدودة. تمت عملية الإرسال الأولى في الفترة ما بين 17-22 كانون الثاني/يناير 2023 بينما أجريت عملية الإرسال الثانية في الفترة ما بين 12-19 نيسان/أبريل الماضي.
وقال المسؤول الأممي إن نتائج العمليتين أُبلِغت للدول الأطراف الأعضاء في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في آذار/مارس ثم في تموز/يوليو 2023.
وشدد إيبو على أن التعاون الكامل من قبل سوريا مع الأمانة الفنية هو أمر مهم لإغلاق كل القضايا العالقة. وأضاف أن الإعلان المقدم من سوريا لا يمكن اعتباره دقيقا وكاملا وفقا لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بالنظر إلى الثغرات وأوجه عدم الاتساق التي تم تحديدها والتي لا تزال دون حل.
وأفاد المسؤول الأممي بأن الأمانة الفنية تواصل التخطيط للجولة المقبلة من عمليات التفتيش المقرر إجراؤها عام 2023 فيما يتعلق بمرفقي برزة والجمرايا التابعين لمركز الدراسات والبحوث العلمية.
وأعرب إيبو عن أسفه لعدم تقديم سوريا بعد معلومات أو تفسيرات فنية كافية من شأنها أن تمكن الأمانة الفنية من إغلاق القضية المتعلقة بالكشف عن مادة كيميائية من الجدول 2 في مرافق برزة في تشرين الثاني/نوفمبر2018.
وأضاف أن الأمانة الفنية لم تتلق بعد ردا على طلبها للحصول على معلومات تتعلق بالحركة غير المصرح بها وبقايا أسطوانتين مدمرتين متصلتين بحادث سلاح كيميائي وقع في دوما في 7 نيسان/أبريل 2018.
وقال إيبو «أدعو سوريا إلى الاستجابة على وجه السرعة إلى طلبات الأمانة الفنية للمنظمة». وأوضح المسؤول الأممي أن بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية مستمرة في فحص كل المعلومات المتعلقة بادعاءات استخدام أسلحة كيميائية في سوريا.
وجدد إيبو تأكيد الممثلة السامية لشؤون نزع السلاح في أكثر من مناسبة على أن استخدام الأسلحة الكيميائية غير مقبول. وشدد على أن غياب المحاسبة على استخدام تلك الأسلحة هو تهديد للسلم والأمن الدوليين ويشكل خطرا علينا جميعا. ودعا إيبو مجلس الأمن للاتحاد بشأن هذه القضية وإظهار دور قيادي في عدم التسامح بتاتا مع الإفلات من العقاب في حالات استخدام الأسلحة الكيميائية.

المنهجية

رفضت كل من سوريا وروسيا بشكل قاطع تقرير الفريق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية واعتبر الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، هذا التقرير «خدعة» تم تنظيمها بمعرفة المنظمة.
جاء ذلك في مؤتمر صحافي مشترك عقده السفيران الروسي فاسيلي نيبينزيا والسوري بسام الصباغ، في المقر الدائم للأمم المتحدة عقب انتهاء جلسة مجلس الأمن المذكورة.
وفي كلمة افتتاحية مقتضبة في مستهل المؤتمر الصحافي، قال السفير الروسي نيبينزيا، إن هذا التقرير الذي تم إصداره للتو، وكما قلت في مجلس الأمن، لا نعترف به، كما أننا لا نعترف بـفريق التحقيق، فأعضاؤه ليسوا حتى كيميائيين.
وأوضح أنه منذ إنشاء الفريق، كان الغرض الرئيسي منه على ما يبدو «التستر على عمل عدواني غير قانوني ضد سوريا». فبدلاً من إجراء تحقيقات حقيقية، «هذا الفريق من الخبراء المزعومين يقلل من نفسه ويعيد ترجمة الاتهامات غير المبررة التي تسوقها بعض الدول» على حد تعبيره.
وفيما يتعلق بالمنهجية، انتقد نيبينزيا التحقيقات التي تجريها الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي قال إنها «غالباً ما تستند إلى المعلومات الواردة من مصادر مفتوحة دون حتى الوصول إلى موقع الأحداث التي تقوم بتحليلها».
وقال إن استنتاجاتهم لا يمكن أن تصمد أمام أي تمحيص، مشيرا إلى أن التحقيقات لم تحترم المبدأ الرئيسي لتحقيقات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ولم تراع سلسلة الحضانة القانونية للعينات.
أما السفير السوري بسام الصباغ، فركز في كلمته على مسألتين، هما قضية انعدام الشرعية ومنهجية العمل. وقال إن هذا الفريق تشكل بطريقة غير شرعية للغاية، مشيرا إلى أن قرار تشكيله لم يؤيده سوى أقل من نصف أعضاء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
أما عن منهجية العمل، فأوضح السفير الصباغ أن فريق التحقيق وتحديد الهويّة اتبع ما وصفها بمنهجية العمل الخاطئة التي استخدمتها بعثة تقصي الحقائق، مؤكدا على ما ذكره السفير نيبينزيا حول مسألة أخذ العينات والحفاظ على سلسلة الحضانة. وقال وفقا لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، يجب أن يقوم المفتشون بهذا الأمر ويجب الحفاظ على العينات من الوقت الذي يتم فيه جمعها وحتى وصولها إلى المختبرات المعينة من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. لم يحدث هذا في حالة دوما.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية