تترك الفوضى التي تعم الأوضاع في العراق عموما وسوق العمل خصوصا، في هذه المرحلة آثارا سلبية واضحة على حقوق وحريات العمال الأجانب العاملين في العراق، وسط عجز السلطات المختصة عن السيطرة على عملية دخول العمال الأجانب وتنظيم عملهم وحماية حقوقهم.
ويرى المختصون في سوق العمل وأصحاب مكاتب تشغيل الأجانب في العراق، أن أغلب العمال الأجانب يعيشون أوضاعا إنسانية صعبة في هذا البلد تؤدي إلى انتهاكات واسعة لحرياتهم وحقوقهم الأساسية، وذلك لعدة أسباب أبرزها عدم امتلاك أغلبهم الإقامة الشرعية وعقود العمل ما يجعلهم خاضعين للاستغلال من قبل أصحاب الشركات والمحلات والمتاجر والمنازل إضافة إلى مكاتب التشغيل.
ولعل المشكلة الأكبر التي تواجه العمالة الأجنبية في العراق هو ممارستها العمل بدون غطاء شرعي، حيث تقوم مافيات متنفذة بمساعدة موجات واسعة من الأجانب على دخول البلد بطرق غير شرعية عبر استغلال تسهيلات الزيارات والشعائر الحسينية، وعندما تنتهي الزيارات الدينية، لا تغادر هذه العمالة وتبقى داخل البلد بحثا عن فرص عمل، إضافة إلى الدخول للبلد من خلال التهريب عبر إقليم كردستان والحدود السورية والإيرانية. ويترتب على هذا الواقع أن جميع العمال الأجانب تقريبا يعيشون أوضاعا صعبة في العراق.
حقوق العمال الأجانب
ونتيجة لتفاقم مشكلة العمالة الأجنبية وغياب العدالة في حصولهم على حقوقهم المشروعة، فقد تصاعدت مؤخرا دعوات من جهات نقابية عمالية وحقوقية ونيابية في العراق، بضرورة تنظيم سوق العمالة الأجنبية ووقف استغلالهم وانتهاك حقوقهم.
وقال وليد نعمة رئيس الاتحاد العراقي لنقابات العمال في حوار أجرته معه «القدس العربي» أن «العمل النقابي عمل أممي لذا فإن الاتحاد يهتم بأوضاع العمال في العراق من عراقيين أو أجانب، لذا دافعنا عن العمالة الوافدة وطالبنا بحقوقهم».
وأكد نعمة أن «كثيرا من العمال من بنغلاديش والباكستان والفلبينيين، قدموا شكاوى للاتحاد على أصحاب العمل الذين يعملون معهم، وقد وقفنا معهم وقدمنا يد العون لهم». وأوضح رئيس الاتحاد «أن أبرز مشاكل العمالة هي تشغيلهم ساعات عمل أكثر من المتفق عليه، وعدم شمولهم بالضمان الاجتماعي وعدم احترامهم كإنسان وهي معضلة كبرى واجهناها وخاصة مع العمال من بنغلاديش». وبين أن «الاتحاد يقف مع العمال الأجانب سواء لديهم إقامات أصولية أم لا».
وكشف أن المشكلة الرئيسية لأغلب العمال الأجانب في العراق، هي مخالفات الإقامة «ونحن لا نتدخل في مخالفات الإقامة لانها اختصاص وزارة الداخلية، ولكن إذا كانت هناك انتهاكات من صاحب العمل فإننا نقف معهم».
وعن تجاوب أصحاب العمل مع الاتحاد حول مشاكل العمال الأجانب، أكد «أننا نطالب ونحتج ضد الانتهاكات وننسق مع لجان التفتيش لوزارة العمل، لإجبار أصحاب العمل على احترام حقوق العمال، إلا ان بعضهم يمتعضون ويتذمرون من تدخلنا، ولكننا نسعى لإجبارهم على قبول مطالب العمال من خلال القانون». وأقر «نحن نرفع صوتنا ونطالب بحقوق العمال ولكن لا مجيب في هذا الموضوع، لذا نسعى الآن لتشكيل حزب يدخل العمل السياسي والانتخابات والبرلمان للمطالبة بحقوق العمال».
وحول مدى ملائمة القوانين العراقية الخاصة بالعمالة الأجنبية، ذكر نعمة أن «قانون العمل الحالي لم تذكر فيه أية فقرة تخص العمالة الوافدة لأنها حديثة على العراق، ولم يعرف سوق العمل العراقي العمالة الآسيوية والأفريقية إلا في السنوات الأخيرة. ومؤخرا شاركنا في مؤتمر نقابي في أربيل حول ضرورة صياغة قانون يتلائم مع سوق العمل في العراق وخاصة العمالة الوافدة وخرجنا بتوصيات وأفكار وآليات للتعامل معها، ونأمل صدور قرارات تتعلق بهذا الموضوع» حسب قوله.
وفي تصريح صحافي سابق أقر وليد نعمة ان «هناك عدم اهتمام من قبل الطبقة السياسية المتحكمة بالقرار بسوق العمل العراقية» وان «الفوضى السياسية وتدخل أصحاب القرار بالأمور النقابية أدى إلى فوضى عارمة في سوق العمل العراقية».
بدوره أكد اتحاد عمال كردستان فرع السليمانية، تعرض العديد من العمال الأجانب لانتهاكات متعددة بسبب عدم وجود جهة مسؤولة عن متابعة أوضاعهم بعد دخولهم الإقليم.
وكشف رئيس الاتحاد جالاك رؤوف، في مؤتمر صحافي، أن «وضع العمال الأجانب في السليمانية سيء وهناك العديد من المشكلات التي يعانون منها» مؤكدا «أنهم يتعرضون لانتهاكات وعنف متعدد وسوء معاملة خلال عملهم في المنازل والمعامل والمحلات من دون أن تكون هناك جهة رسمية لمتابعة أوضاعهم في أماكن العمل».
وأوضح أن بعض الشركات التي تقوم بإدخال العمالة الأجنبية إلى كردستان تسهل لهم عملية الحصول على الإقامة وبعدها تتركهم، مشيرا إلى وجود «مهربين يقومون بالتهريب والمتاجرة بالعمالة الأجنبية وتهريبهم لمحافظات الوسط والجنوب، وهناك العديد من الوثائق التي تؤكد هذه الحالة وعملية العنف التي يتعرض لها العمال الأجانب في كردستان عموما».
وذكر الاتحاد ان عدد العمال المتوفين لعام 2022 بلغ 14 حالة وفاة بينهم 9 عراقيين و5 أجانب، فيما أكد ان 75 في المئة من العاملين في السليمانية هم من الأجانب وأغلبهم يدخلون الإقليم بطرق غير قانونية عبر السياحة أو مخيمات النازحين.
أبرز الانتهاكات
وخلال جولة لـ«القدس العربي» في مناطق وشوارع بغداد، تم اللقاء بالعديد من العمال الأجانب العاملين في الأسواق والمطاعم والمولات والبيوت، حيث كشفوا حقيقة الأوضاع المأساوية التي يعيشون فيها، وضياع أحلام الغنى التي وعدتهم بها مكاتب التشغيل ومافيات الإتجار بالبشر.
وذكر العديد من العمال الأجانب للصحيفة (رافضين ذكر أسماءهم) أن هناك العديد من المشاكل التي تتعلق بانتهاك حرياتهم وحقوقهم في العراق، أبرزها عدم دفع أصحاب العمل، الأجور كاملة وعدم انتظام توزيعها لهم، إضافة إلى تسريحهم من العمل لأبسط الأسباب وسوء المعاملة والاستغلال.
وأشار بعضهم إلى عدم تسجيل العمال الأجانب في الضمان الاجتماعي الحكومي، بحجة عدم حصول أغلبهم على موافقات رسمية للعمل والإقامة، ما يجعلهم تحت رحمة وابتزاز إصحاب العمل ومكاتب العمل أيضا. أما مشكلة صعوبة تحويل الأموال ومستحقات العمال الأجانب إلى خارج العراق، فهي معاناة كبيرة تحرمهم من تحويل مدخراتهم المالية إلى ذويهم في بلدانهم.
وخلال التنقل في شوارع العاصمة يمكن ملاحظة انتشار غير مسبوق وبأعداد كبيرة، للمتسولين الأجانب (الآسيويين) وخاصة من النساء والأطفال الذين لا يجيدون حتى التحدث بالعربية. ويقوم عناصر من مافيات الإتجار بالبشر، بجلبهم وتوزيعهم على مناطق مختلفة من المدن، وبجمعهم في آخر النهار. وتحدثت وسائل إعلام محلية عديدة بأن المافيات تستغل هؤلاء المتسولين استغلالا بشعا بعيدا عن الإنسانية.
أما العمال السوريون واللبنانيون الذين يدخلون العراق تحت غطاء الزيارات الدينية، ثم يحصلون على العمل لاحقا، فإن العديد من الشركات الخاصة بدأت تستخدمهم بدلا عن العمال العراقيين لقلة أجورهم وتحدثهم العربية واستغلال خبرتهم للعمل في المطاعم والمرافق السياحية والفنادق وسط ظروف صعبة، إضافة إلى رغبة بعض القوى السياسية المتنفذة في دعم النظام السوري وحزب الله اللبناني، من خلال احتضان أتباعهما للعمل في العراق. وتشير بعض المصادر انه من ضمن العمالة الأجنبية المتواجدة في العراق، هناك نحو 300 ألف من العمال السوريين يعملون من دون رخصة ودخلوا العراق عبر التهريب والزيارات الدينية.
الموقف الحكومي
وليس سرا أن سياسة الحكومة العراقية تجاه العمالة الأجنبية تتسم بالتخبط وعدم القدرة على السيطرة على حجمها وغياب التنظيم عنها، حيث يتميز سوق العمالة الأجنبية في العراق بكونه يعكس واقعا مريرا وانتهاكات واسعة لحقوق العمال الأجانب والعراقيين معا.
وتعمل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية وفق قراري مجلس الوزراء 23119 و 23649 الخاصين بتكييف وضع العمالة الأجنبية ومحاولة تصحيح وضعهم بشكل قانوني. كما تعمل الوزارة على تطبيق قرار مجلس الوزراء الخاص بفرض نسبة 50 في المئة من العمالة العراقية مقابل الأجنبية في الشركات العاملة في العراق، فيما يؤكد الواقع على الأرض عدم تطبيق هذه القرارات، ما خلق واقعا متناقضا يتمثل بوجود عمالة وافدة كبيرة إلى العراق بطرق غير شرعية بالتزامن مع وجود بطالة كبيرة في قطاع العمل المحلي.
وأقر وزير العمل والشؤون الاجتماعية أحمد الأسدي، ان هناك 800 إلى مليون عامل أجنبي في العراق، لم يسجل منهم في دائرة الضمان الاجتماعي سوى ما بين 160 إلى 170 ألفًا فقط.
وخلال تنقل «القدس العربي» بين المحافظات العراقية لوحظ ان نقاط السيطرات الأمنية على الطرق بين المحافظات تدقق في هويات المسافرين لكشف العمال الأجانب الذين لا يحملون إقامات شرعية وعقود عمل، وخاصة الأجانب القادمين بطرق غير شرعية نحو مدن الوسط والجنوب من خلال إقليم كردستان.
وضمن محاولات الحد من حجم العمالة الأجنبية غير الشرعية في العراق تقوم السلطات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، بجولات ميدانية في الأسواق والشركات والمعامل، للبحث عن المخالفين، والقيام بترحيل أي عامل أجنبي لا يحمل إقامة أصولية، حيث تقوم مديرية الإقامة بالإعلان بين آونة وأخرى عن إلقاء القبض على المئات من المخالفين وترحيلهم إلى بلادهم، مع ملاحظة أن المسجلين لدى مديرية الإقامة هم جزء بسيط من العدد الفعلي للعمال الأجانب.
ورغم أن الحكومة العراقية أمهلت أصحاب الشركات الأهلية فترة زمنية لتصحيح الوضع القانوني للعمالة الأجنبية في شركاتهم، إلا أن الالتزام بهذا التوجيه من أصحاب العمل يبدو مستبعدا، بسبب نفوذهم السياسي وتفشي الفساد في الأجهزة الرقابية.
ومن القوانين المنظمة للعمالة الأجنبية قانون العمل 37 لسنة 2015 وقانون إقامة الأجانب 118 لسنة 1978. وقد اشترطت هذه القوانين، حصول العامل على إجازة العمل كشرط للتواجد وجواز سفر وسمة دخول وشروط أمنية أخرى. ويلزم القانون صاحب العمل منح العامل الأجنبي الذي استقدمه إلى العراق على نفقته تذكرة سفر إلى البلد الذي استقدمه منها ما لم يكون قد انقطع عن العمل قبل انتهاء مدة العقد لسبب غير مشروع. كما يتحمل صاحب العمل عند وفاة العامل الأجنبي تجهيز ونقل جثمانه إلى موطنه الأصلي أو محل إقامته إذا طلب ذووه ذلك، إلا ان أغلب فقرات هذا القانون غير مطبقة.
ويذكر أن الحكومة العراقية، حظرت في وقت سابق، عمل بعض الجنسيات في العراق مثل البنغلاديشيين والفلبينيين لأسباب عديدة، وخاصة بعد ورود شكاوى بقيام بعض العاملات والعمال الأجانب بسرقة الأموال والمقتنيات الثمينة من البيوت والمحلات والشركات التي يعملون فيها.
كما أوقفت وزارة العمل قرارات حكومية سابقة كانت تشجع على تسرب العمالة الأجنبية غير الشرعية إلى البلاد، منها قرار 80 الذي كان يسمح للجهات الرسمية والوزارات باستقدام العمالة بشكل مباشر. في حين تعمل المفوضية العليا لحقوق الإنسان على متابعة المكاتب والشبكات التي تتاجر بالعمالة الأجنبية وترفع توصياتها إلى الجهات الحكومية المعنية لردع تلك الجماعات.
وكان مستشار رئيس مجلس الوزراء للشؤون المالية مظهر محمد صالح، أعلن أنه بالرغم من أن البطالة الفعلية في العراق تبلغ 16 في المئة من إجمالي القوى العاملة، إلا أن العراق ملتزم بأحكام اتفاقية صندوق النقد الدولي التي تقضي بتحرير الحساب الجاري لميزان المدفوعات العراقي، ما يعني حرية الاستيراد والتصدير للسلع والخدمات وحرية تحويل عوائد المشتغلين من العمال الأجانب وعوائد رأس المال الأجنبي العامل في البلد.
والواقع يشير إلى انه لا توجد إحصائية دقيقة عن حجم العمالة الأجنبية غير المرخصة في العراق، ولا يمكن لأي جهة تحديد أعداد هؤلاء العمال بشكل دقيق، لأنهم لم يدخلوا العراق بصفة العمل، بل عن طريق تأشيرات سياحية أو الزيارات الدينية أو التهريب. أما الانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها العمال الأجانب، فهي امتداد طبيعي لما يتعرض له العامل العراقي من انتهاكات لحرياته وحقوقه، وهو وضع طبيعي وسط الاهمال والفوضى في القرارات المتعلقة بتنظيم سوق العمل وعدم السيطرة على دخول العمالة الأجنبية وتدخل النفوذ السياسي وتفشي الفساد، لتكون المحصلة بأن معاناة العاملين الأجانب في العراق واستمرار انتهاك حقوقهم وحرياتهم لا أفق قريبا لانتهائها.