الدوحة ـ «القدس العربي»: شهدت العاصمة كابول وأبرز مدن أفغانستان، وتحديداً قندهار معقل حركة طالبان، احتفالات خجولة في الذكرى الثانية لسيطرة الحركة على مقاليد الحكم، في الدولة التي أنهشتها الحروب والصراعات، لنحو نصف قرن، وتركت آثارها التي لا تخطؤها العين، وينتظر شعبها الأفقر في العالم، تحسناً ينعكس على حياته، تحديداً مع تواتر تقارير عن توجه لاستخراج «نفط المستقبل» مادة الليثيوم المطلوبة للسيارات الكهربائية، ويجعلها الأكثر طلباً.
وبعد أن أتمّت حركة طالبان عامين على عودتها إلى السلطة في أفغانستان والتي تحققت بعد سنوات من مفاوضات السلام في العاصمة القطرية الدوحة، وأدت إلى خروج جميع القوات الأجنبية من البلد في آب/اغسطس 2021 ما تزال الأنظار متجهة للحركة التي انطلقت من أعماق البلد الغني بثرواته والواقع في منطقة حيوية. وتتضارب التحليلات حول تواضع الاحتفالات، لكن الأصداء تشير إلى وضع البلد الذي يواجه تحديات صعبة، مع انعدام الفرص الكفيلة بإخراج أفغانستان من حالة الركود والتدهور، ويضيف الكثيرون إلى المعادلة قرارات حركة طالبان التي اعتبرت تراجعاً عن تعهدات التزمت بها في اتفاقات السلام، ما زاد من عزلتها. وتعتبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أنه بعد عقود من الصراع وسنوات من الجفاف، يواجه ملايين الأشخاص في أفغانستان حالة من البؤس والجوع، وسط انهيار الاقتصاد المحلي وانخفاض حاد في درجات الحرارة خلال فصل الشتاء. وفي تقرير حديث لها أشارت المفوضية أن أفغانستان تمر حالياً بأحلك فترة في تاريخها بعد توالي الأزمات الإنسانية عليها.
المساعدات الدولية لا تكفي
وحسب معطيات وتقارير هيئات الأمم المتحدة، هجّر الصراع في أفغانستان نحو 3.5 مليون شخص، وهناك أطفال خارج المدارس. كما ينهار نظام الرعاية الصحية في البلاد وتتعرض حقوق النساء والفتيات الأساسية للخطر، بينما يعاني المزارعون والرعاة وسط أزمة المناخ، ويتهاوى الاقتصاد المحلي بشكلٍ متسارع. ويعاني نصف سكان أفغانستان من مستويات حادة من الجوع. ورغم انحسار الصراع، إلا أن مشكلات العنف والخوف والعوز لا تزال تسيطر. وتذهب جميع التقارير أن أفغانستان تعيش حالياً أزمة إنسانية وأزمة نزوح، ففي عام 2021 كان هناك أكثر من 900.000 أفغاني من النازحين حديثاً داخل البلاد، ومثلت النساء والأطفال غالبيتهم. يأتي ذلك بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية- بما فيها موجات الجفاف والهزّات الأرضية، وتأثيرات وباء فيروس كورونا واسعة النطاق.
ويشكل الأفغان الآن أحد أكبر جموع اللاجئين على مستوى العالم. وتستضيف إيران وباكستان نحو 90 في المئة منهم.
ومؤخراً نبه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في ختام اجتماع المبعوثين الخاص بأفغانستان، الذي عقد في الدوحة، للوضع في أفغانستان معتبراً أنه «الأكثر تأزماً في العالم». وشدد المسؤول الأممي: «إنّ خطة الاستجابة الإنسانية تسعى للحصول على 4.6 مليارات دولار، لم تتلق منها الأمم المتحدة سوى 294 مليون دولار أي 6.4 في المئة من إجمالي التمويل المطلوب». ونبّه غوتيريش إلى أنّ 28 مليون شخص في أفغانستان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية للبقاء على قيد الحياة هذا العام، ويوجد ستة ملايين أفغاني على بعد خطوة واحدة من المجاعة «بينما التمويل آخذ بالتلاشي».
عزلة مستمرة
أكد تقرير للأمم المتحدة أن القرارات التي تقيد تعليم وعمل المرأة الأفغانية تهدد بتخفيض المساعدات الدولية ما يترتب عنها عواقب وخيمة على البلاد، على الرغم من ظهور نتائج إيجابية في المؤشرات الاقتصادية في عام 2022 تبقى معدلات النمو دون المستويات المطلوبة للخروج من فخ الفقر في أفغانستان. وأظهرت نتائج أحدث الدراسات لاقتصاد أفغانستان، أنه بدون استمرار تعليم الفتيات واستعادة حق المرأة في العمل ستبقى آفاق التعافي قاتمة.
وتوضح مخرجات تقرير «الآفاق الاجتماعية والاقتصادية لأفغانستان لعام 2023» الذي صدر في العاصمة الأفغانية كابول من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وحصلت «القدس العربي» على نسخة منه، كيف انهار الناتج الاقتصادي لأفغانستان بنسبة 20.7 في المئة بعد استيلاء حركة طالبان على السلطة في عام 2021 ما أبقى البلد ضمن لائحة أفقر دول العالم. وبالرغم من وجود علامات انتعاش اقتصادي في عام 2022 مثل استقرار سعر الصرف وازدياد الصادرات وارتفاع الطلب على العمالة وانخفاض معدلات التضخم، تشير التقديرات إلى أن إجمالي الناتج المحلي قد انخفض بنسبة 3.6 في المئة في عام 2022. وقال الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان عبد الله الدردري: «ساهم استمرار تدفق المساعدات الخارجية والتي بلغت 3.7 مليار دولار في عام 2022 في تجنب الانهيار الكامل لأفغانستان». وساهمت الأمم المتحدة حسب المعطيات التي حصلت عليها «القدس العربي» بمبلغ 3.2 مليار دولار من إجمالي 3.7 مليار دولار من المساعدات الخارجية لأفغانستان في عام 2022. ووصلت مساعدات الأمم المتحدة بشكل أو بآخر مباشرة إلى 26.1 مليون أفغاني وساهمت في استقرار سعر الصرف وكبح التضخم والتأثير المباشر على المؤشرات الاقتصادية الأخرى.
طالبان تعزل نفسها أكثر
تؤكد معظم التصريحات الرسمية للمسؤولين الدوليين، أن حركة طالبان تعزل نفسها بنفسها، وتنكفأ تدريجياً، مع اتخاذها قرارات كانت محل انتقاد دولي واسع، واعتبرت تملصاً من التزامات طالبان وتعهداتها خلال مفاوضات الدوحة. ويعزى الأمر إلى من يوصفون بالصقور في طالبان، ومحاولاتهم فرض نمط متشدد على الحياة في البلاد الذي مر على محن وكوارث، وتحديداً ما تعلق بالتعامل مع النساء وفرض ضوابط على تعليمهن أو حرمانهن من أبسط الحقوق وهي الدراسة والعمل. وتستمد طالبان قوتها من حاضنتها الاجتماعية في مناطق سيطرة البشتون، حيث ما تزال الأعراف والقوانين القبلية هي المهيمنة في حياة الناس.
بين الضوابط الدينية
والأعراف الاجتماعية
تُجادل طالبان بأن سياساتها تستند إلى الشريعة الإسلامية، ورفضت الانتقادات المتعلقة بقراراتها، وتحديداً حينما حظرت عمل الناس مع الوكالات الأممية، واتهمت الأمم المتحدة وبعض المؤسسات والحكومات الغربية، بنشر «دعاية لا تعكس الواقع». وتعتقد طالبان التي ينتمي أغلب قادتها للبشتون، أنها تحظى بدعم المناطق الريفية بأفغانستان، والتأكيد أن سكانها يرون أن الحركة تفعل الصواب، وأن لديها الحق بوضع سياسات اجتماعية بطابع محلي.
الاعتراف الدولي خطوة بعيدة
تواجه حكومة تصريف الأعمال في أفغانستان تحدي الحصول على اعتراف المجتمع الدولي، فبعد مرور عامين على وصول طالبان إلى الحكم في أفغانستان، لم تعترف دولة واحدة رسمياً بحكمها حتى الآن. ولايزال التعامل مع حكومة طالبان مثيراً للجدل بشدة، إذ يقول البعض إن إجراء محادثات معها سيساعد في حدوث تغيير، بينما يصر آخرون على أن طالبان لن تتغير على الإطلاق، لذا لا جدوى من إجراء أي محادثات. بالمقابل تحاول قيادات من طالبان إرسال رسائل تطمين لتفكيك الحصار المفروض عليها دبلوماسياً، مع إعلان نتائج حققتها منذ وصولها الثاني للسلطة، واعتبارها خطوات في الاتجاه الصحيح. وتسوق طالبان، أنها ساهمت منذ عودتها للسلطة في ضبط الفساد والقضاء التدريجي عليه، وخفض معدلات الجريمة، واستتباب الأمن، وتحريك عجلة الاقتصاد.
وقال الممثل الخاص للأمم المتحدة مؤخرً، إن الفساد انحسر بعدما تضخم على مدى أعوام من تدفق أموال المساعدات الغربية بعد الإطاحة بطالبان في 2001. وحسب المسؤولين، توجد مؤشرات أيضا على أن حظر طالبان لزراعة المخدرات أدى لانخفاض إنتاج الخشخاش على نحو ملحوظ في بلد ظل لأعوام أكبر مصدر في العالم للأفيون. وتعول طالبان على هذه المنجزات، لاستقطاب بعض الأصوات الداعمة لها في تحقيق الاعتراف الأجنبي بها ورفع العقوبات والإفراج عن نحو سبعة مليارات دولار من أرصدة وأصول البنك المركزي الأفغاني المجمدة في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك منذ 2021.
إشارات ورسائل تطمين
مؤخراً اعتبر زعيم الإمارة الإسلامية، في أفغانستان، مولوي هبة الله أخوند زاده، في رسالة أن «الإمارة الإسلامية تريد علاقات سياسية واقتصادية جيدة مع العالم، لاسيما مع الدول الإسلامية وقد أوفت بمسؤوليتها في هذا الصدد».
وأضاف زعيم طالبان أنه «مثلما لا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بنفس الطريقة لا نسمح للآخرين بالتدخل في شؤوننا الداخلية». وتؤكد طالبان أنها منعت الانهيار الاقتصادي، نتيجة لـ«الإجراءات الحكيمة والصدق والشفافية». كما تؤكد طالبان التي تخضع لمجهر الكثيرين، أنها قضت على زراعة الخشخاش في البلاد وأن المزارعين يبحثون عن بدائل والزراعة القانونية آخذة في التوسع، بعد فرض حظر على إنتاج وتهريب واستخدام جميع أنواع المخدرات.
صناعة السيارات الكهربائية
ستمر من أفغانستان
ترى العديد من الدراسات أن أفغانستان لديها امكانيات واسعة، ويخزن باطن أرضها ثروات ضخمة، يمكنها أن تجعل منها دولة مقتدرة مادياً، وتسهم في إنعاش اقتصادها. ومؤخراً وصفت وزارة الدفاع الأمريكية أفغانستان مرة بأنها «السعودية ولكن بالنسبة لليثيوم» وتعتبر مكوناً مهما في السيارات الكهربائية. وسبق أن أجرت وزارة الدفاع الأمريكية دراسة مسحية، قام بها جيولوجيون من وكالات حكومية، وتوصلوا إلى أن مادة الليثيوم والمعادن الثمينة المدفونة في أفغانستان تقدر بحوالي تريليون دولار، وهي كافية لدفع البلد الهش.
وفي عام 2010 وصفت وحدة المهام الخاصة لعمليات التجارة والاستقرار التابعة للبنتاغون وقامت بفحص إمكانيات التنمية في أفغانستان بأن البلد هو «السعودية لليثيوم» وبعد عام نشرت وكالة المسح الجيولوجي الأمريكية خريطة تحدد مواقع الليثيوم وركزت على حجم الثروة المخفية تحت الأرض، حيث قالت إن أفغانستان «يمكن أن تعتبر المصدر الرئيسي والأول في العالم لليثيوم». وفي غياب الولايات المتحدة من أفغانستان، فإن الشركات الصينية غريمها، هي التي تموقع نفسها لكي تستفيد من عائدات الليثيوم في البلد، بشكل يجعل بكين مسيطرة على المعادن التي تحتاجها المركبات الكهربائية.
ومع سقوط كابول في آب/أغسطس عام 2021 شهد سوق الليثيوم ازدهاراً كبيراً، حيث ارتفعت قيمته بثمانية أضعاف ما بين 2021 و2022 بشكل جذب مئات رجال الأعمال والمستثمرين لأفغانستان.
آمال وآلام الأفغان
أمام الأنباء المتواترة عن امكانيات أفغانستان، وتحديداً مع الأحاديث المنتشرة عن كنوز البلد المدفونة في أراضيه، ينتظر الشعب الذي اكتوت ثلاثة أرباعه نيران الحروب والأزمات ولم يعرفوا غيرها، أن ينعكس ذلك إيجاباً على حياتهم، وتشهد استقراراً لم يعرفه البلد منذ نحو نصف قرن. وينتظر من هو داخل أفغانستان أو خارجها، أن تخفف حركة طالبان من قبضتها وتلتزم بوعودها والتزاماتها، بما يضمن حصولها على قبول دولي، المفتاح الأول لعودة الأمور تدريجياً لمسارها الطبيعي.