لندن ـ «القدس العربي»: بدأت الشكوك تراود النجم المغربي سفيان أمرابط بشأن مستقبله الموسم المقبل، ما بين قبوله بالأمر الواقع، بالاستمرار مع ناديه فيورنتينا لموسم آخر، وبين تحقيق حلم العمر بالانتقال لواحد من عمالقة الدوري الإنكليزي الممتاز قبل أن يُسدل الستار على سوق الانتقالات الصيفية الحالية، لا سيما بعد هدوء المفاجئ في الأنباء والتقارير التي تتحدث عن اهتمام مانشستر يونايتد وبرشلونة، بطريقة أعادت إلى الأذهان صدمة تشرين الثاني/يناير الماضي، عندما تعثرت صفقة انتقاله إلى برشلونة على سبيل الإعارة لنهاية موسم 2022-2023.
مواصفات مقاتل
بالنظر إلى مواصفات صاحب الـ26 عاما، وبالأخص معدلاته البدنية وروح القتالية، سنجد أنها مثالية لإستراتيجية ونمط اللعب في الدوري الإنكليزي الممتاز، كلاعب يعيش فترة الذروة في مسيرته الاحترافية، بعد رحلة كفاح احتاجت لنحو عقدين من الزمن، تحديدا منذ أن كان طفلا بعمر أقل من عشر سنوات يستقل الحافلة يوميا من أكاديمية نادي أوتريخت الهولندي ولا يعود إلا المنزل إلا في الثامنة مساء، وكان ذلك لما قال عنه في مقابلة موثقة مع موقع الفيولا العام قبل الماضي «كنت أتمزق من التعب، لكني كنت أعرف ما أقوم به. أردت تحقيق أحلامي باحتراف كرة القدم، وكنت مدركا للأمر عندما كنت طفلا»، وحتى بعد نجاحه في احتراف كرة القدم، لا يكتفي أبدا بالتدريبات والحصص الجماعية الصباحية مع الفريق، كواحد من أتباع مدرسة الدون كريستيانو رونالدو، بإدمان التدريبات وتقوية العضلات في صالة الألعاب الرياضية، حتى في أوقات الإجازة والأزمات، بالصورة التي نال بها إعجاب المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي، بعدم توقفه عن التمارين في فترة تعليق اللعبة في خضم جائحة كورونا في العام 2020، وهذا يرجع لصداقته الحميمة بكرة القدم، التي تعوضه عن ندرة الأصدقاء الأوفياء خارج المستطيل الأخضر.
انضباط
والتزام
باعتراف أمرابط في تحقيق مطول لموقع «Goal» أنه لا يحب مظاهر الشهرة المعروفة عن النجوم وأصحاب الرواتب الباهظة، مفضلا طريق التركيز على تطوير موهبته وقدراته البدنية، لمساعدة فريقه ومنتخبه، أو كما وصفها «كرة القدم أسلوب حياة بالنسبة لي» وهذا ما يبحث عنه مدربه السابق في الأراضي المنخفضة إريك تين هاغ في مشروعه الطموح مع مانشستر يونايتد، بعد تطهير غرفة خلع الملابس من اللاعبين أصحاب النفوذ، الذين كانوا يتهمون في الأمس القريب بالتآمر والتحالف على المدربين، وما أثبت أن سفيان من نوعية أصحاب الرئات الثلاث في عالم الساحرة المستديرة، مستواه المذهل تحت قيادة المدرب وليد الركراكي، كواحد من أبرز المؤثرين والمساهمين في معجزة المنتخب المغرب في المونديال الشرق أوسطي، بالوصول للدور نصف النهائي، كأول منتخب عربي وأفريقي يحقق هذا الإنجاز، فقط اهتز مستواه بعض الشيء، بعد عودته من كأس العالم، وكان ذلك بسبب ما وصفه مدرب فيورنتينا فينتشنزو إيتاليانو بـ «صدمة» رفض ذهابه إلى «كامب نو» على سبيل الإعارة، وإصرار الإدارة على البيع النهائي، في الوقت الذي يمر فيه برشلونة بواحدة من أضيق وأعقد أزماته الاقتصادية في تاريخه الحديث، لكن بعد ذلك، بدا وكأنه استعاد قوته العقلية في الأمتار الأخيرة للموسم الماضي، خاصة دوره الكبير في وصول الفيولا للمباراة النهائية لبطولة المؤتمر الأوروبي، وهو ما أعاده مرة أخرى لدائرة اهتمام كبار إنكلترا وأوروبا هذا الصيف، لكن دون أي تحرك رسمي حتى وقت كتابة هذه الكلمات.
حجر عثرة
من ناحية المنطق والعقل، أصبح من الصعب جدا، أن يعود برشلونة بطلب رسمي آخر للتوقيع مع أمرابط، خاصة بعد الاستقرار على أوريليو روميو، كخيار مؤقت لمهندس الوسط سيرجيو بوسكيتس بعد رحيله هذا الموسم، وذلك بطبيعة الحال، بسبب القيود المالية المفروضة على البلو غرانا، والتي تعيقه على الإنفاق بأريحية في الميركاتو، ما يعني بالتبعية، أن الخيار الأكثر منطقية في المرحلة القادمة لن يخرج عن الشياطين الحمر وبدرجة أقل أحمر الميرسيسايد، لكن حجر العثرة، يكمن في صداع القيود المالية المفروضة على اليونايتد، والتي تلزم المدرب الهولندي وأصحاب القرار في «مسرح الأحلام» بضرورة بيع لاعب أو اثنين من أصحاب الرواتب الضخمة، قبل التفكير في شراء لاعب وسط يتماشى مع طموحات وأحلام المشروع الطموح لإعادة مانشستر يونايتد إلى سابق عصره تحت قيادة شيخ المدربين سير أليكس فيرغسون، ومن سوء الطالع، تعثرت محاولة التخلص من المدافع المنبوذ هاري ماغواير، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الذهاب إلى وست هام يونايتد، لولا الاختلاف في مسألة العرض والطلب بين الناديين، ونفس الأمر ينطبق على سكوت مكتوميناي وأسماء أخرى ينبغي التخلص منها قبل أن تتمكن الإدارة من تلبية رغبة المدرب بلم شمله بلاعبه السابق في أوتريخت، حتى يتخلص من صداع البديل والشريك الإستراتيجي لمسمار الوسط البرازيلي كاسيميرو، كما وضح في الفترات التي عانى فيها الفريق الأمرين، تأثرا بغياب القادم من ريال مدريد، بسبب كثرة غيابه بداعي الإيقاف لتراكم البطاقات الصفراء والطرد المباشر.
على الورق، يمكن القول إن المدرب الألماني يورغن كلوب، نجح في الخروج من مأزق غياب لاعب الوسط المحوري، بعد التوقيع مع لاعب وسط شتوتغارت واتارو إندو، كحل مؤقت لتعويض الخروج الجماعي لنجوم الوسط الذين شكلوا حجر أساس الفريق على مدار السنوات الماضية فابينيو وجوردان هيندرسون وجيمس ميلنر، غير أن هناك انطباع أو اعتقاد داخل غرفة خلع الملابس، بأن أمور وأوضاع الوسط ستكون على ما يرام بعد تعافي تياغو ألكانتارا من انتكاسته الأخيرة، ومعه المنحوس ستيفان باجسيتيتش، الذي ابتعد لفترة طويلة بداعي الإصابة التي قضت على موسمه الماضي مبكرا، لكن الشيء المؤكد والمتفق عليه بين المؤيدين والنقاد هناك في الجزء الأحمر لمدينة نهر الميرسيسايد، أن الفريق ما زال في أمس وأشد الحاجة للاعب عدواني في وسط الملعب، بتأثير رودري مع مانشستر سيتي، وكاسيميرو مع مانشستر يونايتد وبارتي أو أوديغارد في آرسنال، كأقل تعويض على خيبة أمل صفقتي مويسيس كايسيدو وروميو لافيا، وهذه المواصفات النادرة والمثالية لأسلوب المدرب يورغن كلوب، الذي يعتمد في المقام الأول على فكرة الضغط الجنوني على الخصم من مناطقه الدفاعية، تنطبق على سفيان أمرابط، الذي أثار إعجاب الملايين بروحه القتالية ومستواه المذهل في كأس العالم، كلاعب تفوح منه الشراسة والحدة في صراعات الوسط، بدون مبالغة أشبه بالإعصار المفاجئ الذي يبطش بحامل الكرة بلا هوادة، فضلا عن مرونته وفاعليته في القيام بأدواره الهجومية، أحيانا يتقمص دور صانع الألعاب بامتياز، وأحيانا أخرى يلجأ للحلول الفردية، أبرزها سلاح التسديد المفاجئ من خارج منطقة الجزاء، دون أن يهتز أو يفقد تركيزه من ضغوط ومضايقات جماهير الأندية المنافسة، حتى لو وصل الأمر لإطلاق صافرات الاستهجان، باختصار شديد.. لاعب يتمتع بُجل المواصفات المطلوبة في محور وسط ليفربول أو مانشستر يونايتد أو أحد كبار البريميرليغ، فهل يا ترى تحدث انفراجة في الأيام والساعات القليلة القادمة ويحقق حلمه الكبير باللعب في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم الأوروبية؟ نتمنى له كل التوفيق في المرحلة المقبلة.