يهاجر المرء تماماً، كما تهاجر العصافير، للبقاء على قيد الحياة، سعياً وراء حياة تليق بإنسانيته. يسعى للوصول إلى أرض يشبع من خبزها وبيئة تتناغم فيها شروط العيش، بعد أن يفقد كل أمل في وطنه. الهجرة ليست رحلة سهلة وليست قراراً باذخاً نتخذه في لحظة من الرفاهية أو السكر. إنه قرار معجون بالألم، والجوع والتشرد والموت. نترك أوطاننا حين تصبح لقمة العيش فيها مغموسة بالذل. حين يجوع صغارنا. حين نفترش الخيم ويأتي الشتاء بعواصفه وقسوته ليغرق فرشنا ولا يستريح قبل أن يبدأ الصيف بإشعال حرائقه في دمائنا. نحن لا نترك أرضنا وأهلنا وذكرياتنا إلا عندما تصبح فصول الحياة فيها كلها موجعة.
وعندما نصل الضفة الأخرى، نشعر بالقلق والغربة والحنين إلى أوطاننا رغم استحالة العيش فيها. نواجه في بلاد الآخرين تحديات التأقلم مع الثقافة الجديدة وتعقيدات التواصل، بسبب اللغة والتغيير الكبير في البيئة والعادات. ولكننا نسعى بجهد للتأقلم والاندماج. ونتمسك بأوهام المحبة والأخوة وتقبل الآخر، التي لطالما نادى بها الغرب. ونتوقع أن يتعامل معنا الآخرون بصدق واحترام، بغض النظر عن اختلاف الديانة أو العرق أو الثقافة، ولكنها أوهام. كلها أوهام. الواقع أننا غرباء ونموت غرباء.
فالإعلام الغربي، الذي يعتبر واجهة المجتمع، قد أظهر مرات عديدة عنصرية مقيتة تجاه المهاجرين. وقد تم في أحيان كثيرة التركيز على تصويرهم بطرق سلبية ومسيئة، مما عكس تحيزاً ثقافياً واجتماعياً وعنصرية بشعة. كان آخرها تعليق مقدمة الأخبار اليونانية ألكساندرا دوفارا، حين تطرقت إلى موضوع الخسائر البشرية، جراء الحرائق التي اشتعلت في الغابات وامتدت إلى مناطق مختلفة في اليونان منذ أيام.
لقد قالت وبدم بارد خلال تقديمها لبرنامجها على قناة «إي أر تي» الحكومية فيما كانت تتحدث عن مقتل 18 مهاجراً في الحرائق التي أصابت مناطقة عديدة في شمال شرقي اليونان: «نشاهد حجم الأضرار التي سببتها الحرائق ونشاهد أيضاً اقتراب النار من المنازل. من الجيد أننا لم نفقد أرواحاً بشرية سوى 18 مهاجراً تفحموا وعثر عليهم في الغابات».
لا يمكن إلا أن تستوقفنا عبارة «من الجيد». كيف وصل بها الأمر في توصيف مقتل 18 شخصاً بالجيد. وكيف يمكن لها تحقير تلك الأرواح باختيار فعل «تفحّم»، الذي يصعب ربط معناه بالإنسان. فالتفحم هو عملية احتراق مادة عضوية بشكل شبه كامل تحت درجات حرارة مرتفعة. واستخدامه يخلو من أي تعاطف أو إنسانية. هو وصف قاس جاحد مستفز لكل معاني الرحمة، ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بقيم المحبة وتقبل الآخر والأخوة.
تعليق دوفارا لم يمر مرور الكرام. لقد واجهت موجة من الغضب والاستنكار. واتهمها رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالعنصرية والترويج للكراهية. وهذا أقل ما يمكن قوله. فكلماتها المشبعة بالبشاعة تعزز التحيز والتمييز ضد المهاجرين، وتزيد من التوترات وتؤثر سلباً على العلاقات بين الفئات المختلفة في المجتمع الواحد. كما قد تؤثر على صورة الجمهور الذهنية للمهاجرين بشكل عام.
عاصفة الاستنكار، التي اجتاحت صفحات الـ»سوشيال ميديا» دفعت دوفارا للاعتذار فكتبت التالي: «قضيت 25 عاماً في مهنة الصحافة، أعتقد أنه من الظلم أن يتم إساءة تفسير كلماتي. ما أردت قوله إنه بصرف النظر عن المأساة، التي وقعت في الغابة، فقد توفي 18 شخصاً. ومع ذلك، فإذا كان اعتذاري العلني ضرورياً، فلا مشكلة لدي في تقديمه.»
كيف لا يكون الاعتذار ضرورياً، عندما نستهتر بأرواح البشر. وهل انعدام الضمير والإساءة إلى الفئات المستضعفة والمهمشة في المجتمعات يُداوى فقط بالاعتذار؟!
إن اعتذار دوفارا العقيم يؤكد أن اللئيم لا يفقه فن الاعتذار!
مهاجر بطل
ومن أجواء الإساءة وحملات الكراهية في حق المهاجرين إلى حكاية مفعمة بالإنسانية، بطلها مهاجر شاب ممتلئ بالشهامة والمحبة والمروءة. إنها قصة مهاجر جزائري، يبلغ من العمر 25 سنة، مقيم في بلجيكا. لقد خاطر بحياته لإنقاذ امرأة حاولت الانتحار في محطة القطار «غار دو ميدي» في بروكسيل. لقد رمت بنفسها على سكة الحديد، فأسرع الشاب لانتشالها وبدأ بتهدأتها بعد أن أجلسها على الرصيف. التقطت الكاميرات المنتشرة تفاصيل الحادثة ليبدأ البحث عن هوية الشاب المنقذ، الذي وصل إلى بلجيكا قبل أسابيع قليلة من الحادث، بعد أن أقام في فرنسا لسنوات عديدة. إنه عبد الرؤوف بوخروبة، زينة شبابنا وفخر لكل أم عربية.
قال في تصريح لأحد المواقع الفرنسية، نقلاً عن قناة «بي بي سي» عربي: «سمعت الناس يصرخون. وكانت السيدة تجلس على القضبان، بينما صرخت امرأة أخرى أن القطار سيصل خلال دقيقتين. لم أستطع تحمل رؤية امرأة تموت أمام عيني. لقد أعطيت حقيبتي لصديق وقفزت على القضبان. لم تكن تريد أن ينقذها أحد، لكنني أمسكت بها على أي حال وسحبتها إلى الرصيف».
بين المهاجر الجزائري ومقدمة البرامج اليونانية سماء من الطيبة وشلالا متدفقا من المحبة. هي استهانت بحياة 18 مهاجراً. أما المهاجر الشاب فقد قامر بحياته لأنه لم يحتمل موت إنسان أمام عينيه.
كاتبة لبنانية