نيويورك (الأمم المتحدة)- “القدس العربي”: اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2695 (2023)، الذي يجدد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) لغاية 31 آب/ أغسطس 2024، بغالبية 13 صوتا إيجابيا بينما صوتت كل من الصين والاتحاد الروسي بـ “امتناع”، وقد بلغت المشاورات حدا من التوتر عندما حاولت الدول الغربية أن تفرض رؤيتها على القرار وتعطي قوة اليونيفيل حرية الحركة المطلقة دون أي اعتبار للحكومة اللبنانية. بل وحاولت دولة عضو في المجلس أن تقحم إدانة لتحركات حزب الله واعتبار تحركات الحزب انتهاكا للقرار 1701 (2006) والذي ينظم العلاقة بين اليونيفيل والدولة والجيش اللبنانيين، دون أي إشارة إلى الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية. فقد خلا النص الحالي، بعكس قرارات التمديد السابقة، من الإشارة الى كلمة الاحتلال واستبدلت بالوجود الإسرائيلي في شمال قرية الغجر.
نص القرار الحالي تجاهل الإشارة إلى كلمة الاحتلال واستبدلها بالوجود الإسرائيلي في شمال قرية الغجر
وقد حاولت فرنسا، بصفتها حاملة القلم، أن تدخل تعديلات على النص الذي أرسلته وزارة الخارجية اللبنانية حول “حرية حركة اليونيفيل” دون ذكر التنسيق مع الحكومة اللبنانية إلا أن الحكومة اللبنانية رفضت تماما هذا البند واعتبرته خروجا عن المألوف في القرارات السابقة، واعتبرته السفيرة اللبنانية التي خاطبت المجلس: محاولة تغيير القرار 1701 الذي اعتمد تحت الفصل السادس إلى قرار تحت الفصل السابع ليكون تنفيذه إلزاميا”.
وفي كلمتها المرتجلة والمشحونة عاطفيا، دعت سفيرة لبنان لدى الأمم المتحدة، جين مراد، الدول إلى الاستماع إلى مخاوف بلادها ومحاولة عكسها في القرار الذي تم اعتماده اليوم. وأشارت إلى الامتناع التاريخي لاثنين من أعضاء المجلس عن التصويت على تمديد ولاية اليونيفيل باعتباره “مؤشرًا مهمًا للغاية”. وكررت التزام بلادها بالقرار 1701 (2006)، وشددت على ضرورة وجود قوات لحفظ السلام على الأرض في لبنان. لكن “من المؤسف أن النص لم يعكس جميع شواغل لبنان، ولم يأخذ في الاعتبار الخصائص الخاصة بالوضع اللبناني”. وقالت: “هذه الخصوصية تسمى السيادة”، مؤكدة أن لبنان لم يرفض أو يستنكر أبدا مبدأ حرية حركة اليونيفيل. ومع ذلك، ينبغي الحفاظ على حرية الحركة هذه مع الحفاظ على سلامة وأمن القوات الدولية.
جين مراد: “من المؤسف أن النص لم يعكس جميع شواغل لبنان، ولم يأخذ في الاعتبار الخصائص الخاصة بالوضع اللبناني، هذه الخصوصية تسمى السيادة”
وفيما يتعلق باحتلال شمال قرية الغجر، أبدت معارضتها لسياسة “قطف الكرز” لأنها لا تراعي خصوصيات الدول المعنية. وسلطت الضوء على الفجوة بين النص والواقع على الأرض، وشددت على أن قرار تمديد ولاية اليونيفيل يندرج تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة – “قرار جاء بناء على طلب من لبنان، […] وليس مفروضا على لبنان. لماذا اللجوء إلى لغة تشبه إلى حد كبير القرارات الصادرة بموجب الفصل السابع؟ فهل هناك ضرورة لإثارة التوتر في غير مكانه؟”. وأكدت أن وجود اليونيفيل في جنوب لبنان يرجع بشكل أساسي إلى الصراع القائم بين لبنان وإسرائيل، رافضة “الانطباع الخاطئ” بأن المشكلة موجودة فقط بين مجموعة لبنانية واحدة واليونيفيل. على العكس من ذلك، العلاقة بين اليونيفيل والسكان المحليين في الجنوب جيدة جداً. “ليكن النص عاملا تمكينيا لمزيد من الاستقرار والأمن… وليس مصدرا للتوترات”.
جين مراد: وجود اليونيفيل في جنوب لبنان يرجع بشكل أساسي إلى الصراع القائم بين لبنان وإسرائيل، ونرفض “الانطباع الخاطئ” بأن المشكلة موجودة فقط بين مجموعة لبنانية واحدة واليونيفيل
وحذرت سفيرة الإمارات، لانا نسيبة، من أن التوترات على الخط الأزرق وصلت إلى مستوى لم يسبق له مثيل منذ حرب عام 2006. و اتهمت نسيبة “حزب الله” اللبناني بأنه خلال العام الماضي، ظل يسخر يوميا من القرارين 1701 (2006) و 1559 (2004). “فقد أقام أبراج مراقبة، وأجرى تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية، ومنع حرية حركة اليونيفيل بينما هاجم بوقاحة قوات حفظ السلام. كما أنه أدى إلى إدامة أزمات لبنان التي لا تعد ولا تحصى، وعرقل التحقيق في الانفجار المدمر في مرفأ بيروت، وأصاب مؤسسات الدولة الرئيسية بالشلل. وهذه الأعمال التحريضية للغاية تهدد بتصعيد خطير في منطقتنا.”، وفي معرض إشارتها إلى أن القوة المؤقتة لا تزال تواجه تحديات فيما يتعلق بحرية حركتها وعدم قدرتها على الوصول إلى المواقع ذات الأهمية، رحبت بالصيغة الواضحة التي أضيفت إلى النص بشأن استقلالها. وقالت إن النص يدعو لبنان إلى تسهيل وصول اليونيفيل الكامل إلى المواقع التي طلبتها القوة المؤقتة، بما في ذلك “جميع المواقع ذات المصالح”، مشددة على أنه يجب على لبنان أن يفي بمسؤولياته فيما يتعلق بحرية حركة اليونيفيل، والتي فشل في تحقيقها.
سفيرة الإمارات: حزب الله هاجم “بوقاحة” قوات حفظ السلام
السفير الروسي فاسيلي نيبنزيا قال إن وفد بلاده امتنع عن التصويت بسبب “سلسلة من التغييرات المثيرة للجدل التي أدخلت على النص في المراحل النهائية من عملية التفاوض”. وشدد على أن نقطة البداية الثابتة لبلاده كانت أخذ رأي لبنان بعين الاعتبار، الذي أرسلت قيادته إشارات لا لبس فيها فيما يتعلق بتعزيز التنسيق بين القوة المؤقتة وقواتها المسلحة. وشدد على أن موقف وفده أثناء التصويت كان نتيجة فقط لعدم موافقته على صياغة القرار، وأعرب عن تأييده لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان كعامل استقرار على طول الخط الأزرق. كما أعرب عن أمله في ألا يؤدي قرار اليوم “إلى تعقيد الوضع في لبنان”، داعيا قيادة اليونيفيل إلى مواصلة التنسيق النشط مع حكومة ذلك البلد.
أما سفيرة الولايات المتحدة ورئيسة مجلس الأمن لشهر آب/أغسطس، ليندا توماس غرينفيلد، فقد أكدت على أهمية التنفيذ الكامل لأحكام النص فيما يتعلق بحرية الحركة الكاملة لليونيفيل، إلى جانب قدرتها على القيام بدوريات معلنة وغير معلنة. إن عدم قدرة اليونيفيل على الوصول إلى العديد من المواقع غير القانونية التي تسهل عمليات حزب الله في جنوب لبنان على طول الخط الأزرق يعيق قدرة القوة المؤقتة على تقليل احتمالات الصراع. ولذلك دعت السفيرة الحكومة اللبنانية إلى ضمان التنفيذ الكامل لولاية اليونيفيل، بما يتوافق مع شروط اتفاقية وضع القوات. وأضافت أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على منظمة “أخضر بلا حدود” وقادتها في وقت سابق من شهر آب/ أغسطس بسبب أنشطتها الداعمة لحزب الله، وقالت إن بلادها ستواصل دعم منظمات المجتمع المدني اللبنانية التي تحمي بيئة لبنان بينما “تلاحق بلا هوادة حزب الله وشبكات دعمه”.
غرينفيلد: عدم قدرة اليونيفيل على الوصول إلى العديد من المواقع غير القانونية التي تسهل عمليات حزب الله في جنوب لبنان على طول الخط الأزرق يعيق قدرة القوة المؤقتة على تقليل احتمالات الصراع
“فرنسا قدّمت تعديلات على الصيغة التي كان لبنان قد أبدى اعتراضه عليها حول حرية حركة (يونيفيل)”، وأدرج في نص المسوَّدة بند “التنسيق مع الحكومة اللبنانية بشأن الدوريات التي تقوم بها في نطاق عملها”. كما تمسّك لبنان برفضه توسيع حركة يونيفيل، والتحرّك من دون تنسيق مع الحكومة والجيش اللبناني.
ومن نقاط الخلاف التي برزت حول مسوَّدة مشروع قرار التجديد لقوات “يونيفيل” التي ينتهي اليوم تفويضها، أن بعض الدول، ولا سيما المعارضة لحزب الله، تتمسك بالبند الذي أدخل العام الماضي إلى قرار التمديد، وينصّ على أن “قوات الأمم المتحدة المؤقتة لا تحتاج إلى إذن مسبق أو إذن من أي شخص للاضطلاع بالمهام الموكلة إليها، ويسمح لها بإجراء عملياتها بشكل مستقل”.
وتضمن القرار الجديد رقم 2695 أن بعثة حفظ السلام في الجنوب اللبناني لا تحتاج إلى إذن مسبق أو تصريح للقيام بالمهام المنوطة بها، وأن اليونيفيل مخولة بإجراء عملياتها بشكل مستقل، مع الاستمرار في التنسيق مع الحكومة اللبنانية”.وقد تم إدخال هذا التعديل على تفويض البعثة لأول مرة في قرار التمديد الذي اعتمد في آب/أغسطس من العام الماضي
وحث القرار جميع الأطراف على التعاون الكامل مع البعثة لتنفيذ القرار 1701، فضلا عن ضمان الاحترام الكامل لحرية تنقلها في جميع عملياتها والوصول إلى الخط الأزرق في جميع أجزائه، ودون عوائق.
وأدان القرار بأشد العبارات جميع محاولات منع الوصول أو تقييد حرية حركة أفراد اليونيفيل، وكذلك جميع الهجمات وأعمال المضايقة والترهيب وحملات التضليل ضد البعثة.
كما دعا الحكومة اللبنانية إلى تسهيل الوصول الفوري والكامل إلى المواقع التي طلبتها اليونيفيل بغرض إجراء تحقيقات سريعة، بما في ذلك إلى جميع المواقع المرتبطة بالكشف عن أنفاق تعبر الخط الأزرق وميادين الرماية غير المصرح بها، بما يتماشى مع القرار 1701، مع احترام السيادة اللبنانية. وحث القرار جميع الأطراف على الالتزام باحترام سلامة قوات اليونيفيل وموظفي الأمم المتحدة الآخرين في لبنان، ودعاهم إلى اتخاذ جميع التدابير المناسبة في هذا الصدد. وكرر دعوته إلى توثيق التعاون بين اليونيفيل والقوات المسلحة اللبنانية، وإلى الانتهاء بسرعة من التحقيقات التي بدأها لبنان فيما يتعلق بجميع الهجمات ضد اليونيفيل وأفرادها.
وأكد القرار رقم 2695 من جديد دعوته لجميع الدول إلى تقديم الدعم والاحترام الكاملين لإنشاء منطقة خالية من أي أفراد مسلحين وأسلحة باستثناء تلك التابعة للحكومة اللبنانية واليونيفيل جنوب نهر الليطاني، وأدان استمرار احتفاظ الجماعات المسلحة بالأسلحة خارج سيطرة الدولة اللبنانية في انتهاك للقرار 1701.
وحث القرار جميع الدول الأعضاء على تقديم المزيد من الدعم الدولي للقوات المسلحة اللبنانية وجميع مؤسسات الدولة الأمنية، وهي القوات المسلحة الشرعية الوحيدة في لبنان، بما في ذلك الاحتياجات اللوجستية اليومية والصيانة ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود والقدرات البحرية.
وأدان القرار، أيضاً، جميع انتهاكات الخط الأزرق، ودعا كل الأطراف إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي فضلا عن وقف الأعمال العدائية، لمنع أي انتهاك آخر، والتعاون الكامل مع الأمم المتحدة واليونيفيل في هذا الصدد.
كما حث بقوة حكومة إسرائيل على التعجيل بانسحاب جيشها من شمال قرية الغجر والمنطقة المتاخمة شمال الخط الأزرق دون مزيد من التأخير بالتنسيق مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
ويدعو القرار إلى “ضمان حرية حركة القوة، بما في ذلك السماح بتسيير الدوريات المعلنة وغير المعلنة”، علماً أن هذا التعديل أثار وقتها امتعاض حزب الله الذي أبدى اعتراضه عليه، وهاجم وزير الخارجية اللبناني لسكوته عنه، ولا يزال يتشدّد في رفضه له.