إسطنبول ـ «القدس العربي»: وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة الإيرانية طهران، صباح الثلاثاء، في مستهل زيارة رسمية تلبية لدعوة نظيره الإيراني حسن روحاني يتوقع منها المراقبون أن ترسم صورة أوضح لخريطة التحالفات الإقليمية في الفترة المقبلة بين أهم ثلاثة لاعبين في المنطقة وهما إيران وتركيا والسعودية.
وعلى الرغم من أن الزيارة مرتب لها مسبقاً ومنذ أشهر، إلا أنها تأتي في وقت بالغ الأهمية، في ظل تصاعد الخلافات بين البلدين بعدما أعلنت تركيا عن دعمها الواضح لعملية «عاصفة الحزم» ضد المتمردين الحوثيين في اليمن المدعومين من إيران، ووجه أردوغان انتقادات قاسية إلى طهران ومساعيها للتوسع في المنطقة.
لكن زيارة ولي ولي العهد السعودي محمد بن نايف «المفاجئة» إلى أنقرة ولقائه أردوغان قبيل ساعات من توجهه إلى طهران زادت من أهمية الزيارة، وفتحت باب التكهنات حول النتائج المتوقعه لها وفرضية أن تكون السعودية قد أوصلت رسالة إلى طهران من خلال تركيا.
ويجمع المراقبون على أن نقرة باتت أمام ثلاثة خيارات ربما تحددهما الزيارة، تتمثل في الدخول في الحلف السني السعودي ضد النفوذ الإيراني في المنطقة، أو أن تنأى أنقرة بنفسها عن الدخول في صراعات المنطقة بشكل مباشر، والخيار الثالث أن تلعب دور الوسيط بين طهران والرياض للوصول إلى حل حول قضايا المنطقة أو على الأقل في اليمن بالوقت الحالي.
العلاقات السعودية التركية التي لم تكن أحسن حالاً بكثير من علاقات أنقرة مع طهران، شهدت في الأسابيع الأخيرة تطوراً لافتاً، على وقع التحولات في المنطقة، ووصلت التكهنات بوجود تحضيرات ومساعي حثيثة من قبل ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز لبناء تحالف إقليمي في المنطقة يضم تركيا ومحور الدول السنية لحسم العديد من الملفات الشائكة.
فبعد فترة طويلة من القطيعة، شارك أردوغان بجنازة الملك عبد الله بن عبد العزيز، وألحقها بزيارة رسمية التقى خلالها بالملك سلمان وكبار المسئولين السعوديين، وأخيراً زار محمد بن نايف أنقرة. لكن موقف أردوغان الثابت من مصر السيسي المدعوم بشكل مطلق من السعودية شكل عائقاً أمام تحقيق تقدم في هذا الإطار.
كما أن العلاقات الإيرانية التركية التي بنيت طوال السنوات الماضية على قاعدة «تحييد الخلافات» وأثمرت عن بناء علاقات اقتصادية مثالية تدفع الرئيس التركي للتفكير جيداً قبل اتخاذ أي قرار من الممكن أن يغضب طهران التي وصل حجم التبادل التجاري معها قرابة 30 مليار دولار، وتعتبر موردا أساسيا للنفط والغاز إلى أنقرة الفقيرة من حيث مصادر الطاقة.
كما أن اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية والمقررة في شهر يونيو/حزيران المقبل، يمنع أردوغان من خوض أي مغامرة سياسية أو عسكرية قبيل هذه الانتخابات التي ينظر لها الرجل الأقوى في تركيا على أنها «مصيرية» في مسيرة حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد منذ 2003، ولتحقيق حلمه في كتابة دستور جديد وتحويل نظام الحكم إلى رئاسي.
وقال أردوغان في المؤتمر الصحافي مع نظيره الإيراني حسن روحاني في طهران: «يجب علينا جميعاً، أن نضع حداً للموت ونزيف الدماء الذي يسيل في سوريا والعراق»، دون التطرق إلى الأوضاع في اليمن.
ومن المنتظر أن توقع أنقرة وطهران مزيداً من الاتفاقيات الاقتصادية بينهما، وعن الغاز الطبيعي قال أردوغان: «إن الغاز الإيراني، هو الأغلى بين أسعار الغاز الذي تستورده تركيا، ولا نريد أن نبقى عند هذا السعر، بل ينبغي علينا أن نتفق على سعر يناسب الجانبين».
وكان أردوغان اتهم في أواخر آذار/مارس إيران بالسعي لـ«الهيمنة» على اليمن فيما عبرت تركيا عن دعمها لعاصفة الحزم، وقال متسائلا إن «إيران تبذل جهوداً للهيمنة على المنطقة. كيف يمكن السماح بذلك؟» ودعا إيران المجاورة لتركيا إلى «سحب جميع قواتها من اليمن وسوريا والعراق».
ورد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف فاتهم أنقرة بتغذية زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. وتم استدعاء القائم بالاعمال بسفارة تركيا في طهران إلى وزارة الخارجية الإيرانية التي طلبت منه «توضيحات» بشأن تصريحات اردوغان.
وفي الوقت الذي تدعم فيه طهران حليفها الأول نظام الرئيس السوري بشار الأسد سياسياً وعسكرياً ومالياً، عملت أنقرة على دعم المعارضة السورية المسلحة منذ بداية الثورة، وبات هدف إسقاط الأسد من أولى أوليات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي تحملت بلاده عبئ استضافة قرابة مليوني لاجئ سوري على أراضيها.
ويبدو أن أنقرة باتت تتخوف كما الدول العربية والخليجية تحديداً من تبعات الاتفاق الموقع بين دول (5+1) وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وطهران حول البرنامج النووي الإيراني، دون مراعاة مصالح هذه الدول، الأمر الذي سيعزز النفوذ الإيراني بالمنطقة لا سيما وأنها باتت تمتلك نفوذا واسعاً في كلاً من العراق وسوريا ولبنان وأخيراً اليمن.
وأعلن في وقت سابق المتحدث باسم رئاسة الجمهورية التركية «إبراهيم قالين» أن أردوغان سيشارك خلال الزيارة في الدورة الثانية لاجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، مشيرًا أنه من المقرر أن يلتقي أردوغان المرشد الأعلى «علي خامنئي».
وأوضح أن الزيارة ستشهد توقيع بعض الاتفاقيات بين البلدين، وسيبحث مسؤولو البلدين جملة من القضايا التي تهم الشرق الأوسط، لا سيما التطورات في سوريا، والعراق، واليمن إلى جانب العلاقات الثنائية بين البلدين.
من جهته، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن إيران دولة شقيقة وهامة بالنسبة لتركيا، رغم الاختلاف الفكري بينهما في بعض المسائل.
وأضاف في لقاء مع إحدى القنوات المحلية، أن علاقات ثنائية قوية تربط بين إيران وتركيا، لافتا أنه ليس لأحد الحق في الاعتراض على العلاقات والروابط التي تربط البلدين.
وفي تعليقه على زيارة أردوغان إلى إيران، أشار جاويش أوغلو، إلى أن توصل إيران ومجموعة دول 5+1، لاتفاق إطار بشأن برنامج طهران النووي، سيساهم في خفض العقوبات المفروضة عليها، مما يفتح آفاق للتعاون بين إيران وتركيا في العديد من المجالات.
وبشأن التطورات الأخيرة في اليمن، قال الوزير التركي، إن بلاده جاهزة للعب دور هام من أجل حل الأزمة اليمنية، وأنها على استعداد للعب دور الوساطة بين الأطراف المتنازعة، والمساهمة في تقريب وجهات النظر بينهم، في إشارة إلى رغبة أنقرة بلعب دور الوسيط في الأزمة اليمنية.
كما أوضح المتحدث باسم رئاسة الجمهورية التركية، ابراهيم قالين، أن حل الأزمة في اليمن من خلال الحوار الذي يجمع كل الأطراف هو أولوية بالنسبة لتركيا، مشيرا أن بلاده تواصل جهودها بشكل مكثف في هذا الإطار.
وقال خلال مؤتمر صحافي، عقده الإثنين، في القصر الرئاسي، بالعاصمة أنقرة: «دخلنا اليوم الثاني عشر للعملية الجوية التي بدأت بقيادة السعودية (عاصفة الحزم)، نواصل مبادراتنا بشكل مكثف بغية الوصول إلى حل للأزمة التي تعيشها البلاد (اليمن) من خلال المفاوضات والحوار السياسي».
إسماعيل جمال