حين لا خطاب!

تقترن أهمية الممارسة «الحوارية»، بمدى اضطلاعها بالأدوار الحضارية والثقافية المناطة بها، بما هي تواصل معرفي منبثق أساسا من رحم المكتوب، وأيضا بما هي تواصل منفتح على أشياء العالم. وإذا كان من الضروري إضاءة ما قلّ من هذه الأدوار، فيمكن إجمالها في عملية ضبط آليات اشتغال الوسائط المادية والرمزية، الهادفة إلى دمج الذات القارئة في محيطها. الشيء الذي يتعذر تحقيقه ما لم تمتلك الممارسة ذاتها وعيا مزدوجا، يتمحور أولهما حول الكفايات المعرفية المحصلة من الانفتاح على مدونات الكتاب خلال السيرورة التداولية للذات القارئة.
فيما ينصب الثاني، على التمرس بقراءة ما يتتالى على شاشات المعيش والمفكر فيه، من إشارات دالة وعلامات.
وكما هو واضح، فالوعيان معا يتكاملان في معالجتهما وتطويرهما لهاجس الارتقاء باللحظة إلى حيث ينبغي لها أن تكون، أي إلى مشارف الأفق الذي تتطلع الكينونة «الفكرية» إلى استشراف أنواره بكل ما تمتلكه من حدس، مهما كانت الآفاق المستشرفة موغلة في دياجير استحالتها المعرفية. ولعله السياق الذي سيسمح لنا – إلى حد ما – بإثارة إشكالية الخطاب، بوصفه الإطار الموضوعي الذي تندرج فيه مقتضيات الممارسة الحوارية. باعتبار أن العلاقة القائمة بينها وبين الخطاب، ذات طبيعة تفاعلية، ما دام كل منهما يفضي إلى الآخر، عبر قناة التعرف، التي هي في الوقت نفسه قناة إنجازية بامتياز، حيث يمكن القول، إن الخطاب المحفوف بدياجير الحبر وأنواره، هو بمثابة مرآة ينعكس عليها مجموع الخصائص والمقومات، التي تنبني بها الممارسة الحوارية، بما هي إطار ناظم للعمق الثقافي والحضاري المحيل على هوية ذوات قارئة وعارفة في آن.
فمواكبة حركية الخطاب ضمن سيرورته التاريخية، التي تكون الكتابة لحمتها وسداها، تفيد عمليا الوقوف على ما يتخللها من قيم مضافة، فاعلة في الانتقال بأداء اللحظة الحوارية والتواصلية إلى مستوياتها المعرفية الأكثر تقدما، مستمدة دلالتها من تعددية وغنى وتشابك مساراتها ومرجعياتها الثقافية، حيث لا مجال للحديث عن مفهوم الخطاب وبنيته، أو آليات اشتغاله ما لم يستوف أولا شروطه المعرفية، وثانيا، ما لم تحظ مساراته ومرجعياته المكتبية والمعيشية، بذلك التشابك والتداخل، الذي يوسع من آفاق اشتغالها على مستوى التواصل الجماهيري، والنخبوي في آن.
فالمجتمعات المصابة بالعي الفكري، التي لا تندرج المكتبة ككل، ضمن أولويات اهتماماتها، فإنها غالبا ما تحرم من أحقية امتلاكها لجمالية ذلك الخطاب العاقل، والمؤهل للتفاعل مع باقي الخطابات المحايثة، والقادر في الوقت نفسه على استمالة ما أمكن من شغف الإنصات الكوني. ويتعلق الأمر هنا، بنوع من التطابق الرمزي، الذي يفترض تحققه بين طبيعة الخطاب، وتوجهات الذات البشرية والزمنية التي ينتمي إليها.
وانطلاقا من تعاملنا مع الخطاب بوصفه كائنا لغويا، ومنبجسا من رحم المكتبة الكونية، بمختلف تجلياتها، فإن الاستئناس بتناميه يتحقق في ضوء معاينة مراحل تشكله، على امتداد ما ميز سيرورته التاريخية من تحولات وإضافات معرفية، قوامها القول ومضاعفاته، باعتبار أن الخطاب لا يعلن عن تمظهره دفعة واحدة، بقدر ما يستند في ذلك إلى تتالي مراحل تحتل فيها التحولات المعرفية مركز الثقل، بانسجام مع التحولات ذاتها، التي تطال أنساق القطاعات الحياتية. والتأكيد على خاصية التحول، يحيل على عملية تحديث الخطاب لإوالياته، بفعل مداومة تطعيمه بالإبدالات الجديدة والمفارقة، التي تقترحها أزمنة الكتابة والقراءة، خلال تدفق وانسياب صبيبها، حيث سيتبين لنا وفق هذا المعطى، أن الخطاب «كائن» ملتبس، يمتلك أكثر من عقل، وأكثر من روح. وهو إلى جانب ذلك، كائن لا يني يراكم اجتراحاته وأسئلته واستنتاجاته، بحثا عن المزيد من مسالك القول.

وعلى سبيل التذكير فقط، نحن هنا غير معنيين مطلقا بالحديث عن بنية جاهزة محددة ومسكوكة تحمل اسم الخطاب، بقدر ما نحن بصدد الإشارة لشكل فارغ، يتحين فرصة امتلائه، بناء على قوانين مضمرة ومتضمنة في بروتوكولات التواصل، المسنود بأسسه التاريخية والحضارية الموشومة في ذاكرة الكتابة.

وعلى سبيل التذكير فقط، نحن هنا غير معنيين مطلقا بالحديث عن بنية جاهزة محددة ومسكوكة تحمل اسم الخطاب، بقدر ما نحن بصدد الإشارة لشكل فارغ، يتحين فرصة امتلائه، بناء على قوانين مضمرة ومتضمنة في بروتوكولات التواصل، المسنود بأسسه التاريخية والحضارية الموشومة في ذاكرة الكتابة. وهي المعادلة الصعبة التي تراهن اللحظة على استحضارها، ونعني بها معادلة إطار، لا يطمئن إلى ديمومة فراغه، كما لا يطمئن إلى ديمومة امتلائه، إذ في قلب هذه المراوحة تتجسد خصوصية الخطاب الذي لا يغمض له جفن، بفعل يقظته الدائمة والمطلقة، تحسبا لذلك العبور اللامتوقع، الذي يحدث أن تبادر به الإشارة، ضمن هذا السياق أو ذاك، حيث لا حدود لتلوينات القول ودلالاته. وبالتالي، فإن التواصل المعرفي والمؤسس على أرضية الكتابة، لا يتبدى هنا كامتياز، أو كشكل من أشكال التنطع المعلوماتي، بقدر ما هو ضرورة وجودية، قوامها التشخيص المعرفي للواقع، في تعالقاته المتداخلة الاختصاصات والاهتمامات، بمجموع أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ذلك أن الافتقار إلى القدرة على التشخيص المعرفي العام والشامل، من شأنه تقزيم علاقة المجتمعات بمحيطها، لتظل سجينة علاقتها بما هو هلامي وغائم. علما بأن مصدر العجز عن التشخيص ناتج عن غياب التقاليد الحوارية التي تتبلور عبرها العملية التشخيصية. وهو ما يلاحظ بالنسبة للذات العربية، حيث يتكشف بجلاء، ضمور إشكالية القراءة، سواء على مستوى الدوائر الأكاديمية، أو المؤسساتية، فضلا عن غيابها في الفضاءات العامة. وهو الضمور/الغياب الذي يعلن عن وجوده، بوصفه الدليل الملموس والموضوعي لغياب الخطاب، خاصة إذا ما سلمنا بالبعد الشبكي للممارسة التواصلية، الذي يجعل منها إطارا معلوماتيا متكاملا لتلاقح العلوم والفنون، وتبادل الخبرات والمعارف، وليس مجرد شبكة واهية التفاعلات، ومنغلقة على اختصاصاتها القطاعية.
إن ظاهرة غياب الخطاب هنا، لا تقتصر على دلالاتها المعبر عنها في الحوارات الفضفاضة والعامة المفتوحة بين الأفراد، بل تمتد لتشمل الحوارات المؤسساتية في تموضعاتها الاجتماعية، الإدارية، والثقافية. كما هو الشأن بالنسبة لمعول الحداثة والقدامة المتخصص في إثارته لما يكفي من الزوابع، التي من شأنها تعطيل الرؤية، كي لا تتلمس طريقها إلى مسكن الخطاب. وإذا صح القول، فإن الخطاب ضمن سياق هذه الحالة الميؤوس منها، يمارس وبصيغة فجائعية عملية هدم ذاتي على ممكناته، بفعل ما يعانيه من فقر معرفي وقطيعة شبه مطلقة مع أزمنة المكتوب وأمكنته. هدم تساهم في تنشيطه أيدي المؤسسات الخفية والمستترة، من خلال اشتغالها بمنطق تسريب منهجيته إلى دواليب كل القطاعات المعنية بإنتاج المعرفة، حيث تنتصب الغاية المركزية والمفصلية واضحة أمام العيان، مجسدة في حرصها على تشذيب فضاءات القول، من كل عناصر النقد والممانعة اللذين يهددان – من وجهة نظر الجهات الوصية – بقلب المشهد السياسي والاجتماعي رأسا على عقب.

شاعر وكاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية