عجبا… يمنحون الإجازات التقليدية في الخط!

إذا كانت الإجازة التقليدية في فن الخط العربي بقيمتها التاريخية والحضارية تشكل مقياسا مهما لتوطيد قواعد الخط وجمالياته، فإن بعض المتطفلين عليها في الوقت المعاصر يُسيؤون استخدامها، ويُميعونها، إلى أن أصبح المشهد الخطي يعرف بعض الانزلاقات جراء هذا الاقتحام غير المعلن مِن بعض مَن لا يملك الحق في منح الإجازات التقليدية، ولكنه يتجرأ ويقْدم على ذلك، فيضع الخط في مأزق معرفي وحرج تاريخي، كون بعض المتطفلين لا يعلمون شيئا عن نظام الإجازة التقليدية، ولا يفقهون في الخط شيئا، بل إنهم ليسوا خطاطين ولا متخصصين في الخط. فقط إنهم تطفلوا على هذا الميدان وأصبحوا ينتجون التفاهات من حيث لا يدرون.
إنه وضع تُطرح معه أكثر من علامة استفهام. كيف يتسنى لبعض العوام الذين لا هُم بخطاطين ولا حروفيين ولا سيرة لهم في الخط، وهم أنفسهم غير حاصلين على إجازات في الخط، أن يمنحوا إجازات تقليدية لخطاطين آخرين؛ مِن هؤلاء الممنوحين مَن هو أبرع منهم خطا وأحسن منهم بحثا، وأمكن منهم تقعيدا.
أقول: إن الإجازة التقليدية في فن الخط العربي هي من التراثيات الثمينة والتقاليد الإسلامية العريقة، التي تضرب بجذورها في عمق تاريخ الأمة، كما يذكر ذلك عدد من المصادر. وهي من أفضل ما اعتنى به شيوخ الخط على مر التاريخ العربي الإسلامي، لها مفهومها المعرفي، ولها أهميتها التاريخية، ولها دلالاتها الحضارية، ولها كذلك نظامها التعليمي الخاص، يتوارثها الطالب عن الشيخ وفق أنساق دقيقة، وشروط حصيفة، ووفق مراحل إعدادية للطالب حتى يعي رمزيتها، ويفهم معناها، ويتذوق خصائصها الفنية والمعرفية ومميزاتها الممارساتية، ويفهم دورها في تطور الخط، حتى إذا برع الطالب في الأنواع الخطية المتقنة والمقنّنة، واستوعب المادة الخطية من كل الجوانب؛ فهِمَ أنذاك أن للشيخ شأنا في الخط، وأنه عارف متقِن ضابط للقواعد، مجتهد في المسار، راكم تجارب وخبرات عالمة، فيُوقّره ويحترمه ويتعلق به، حينئذ يُطلعه الشيخ على أسرار الخط، وعلى الكيفيات المختلفة لصنع مجاله، سواء على مستوى التقعيد والضبط والتقييد، أو على مستوى التركيب المتنوع أو على مستوى الاجتهاد في صنع أشكاله وإبراز جمالياته، وغير ذلك مما يستوفي متعلقات فن الخط.

وما يتلو مختلف العمليات من أمشاق وتمرينات مكثفة؛ تخضع الإجازة التقليدية من خلال النص المُقدَّم أو حلية أو غيرها إلى: أولا: معرفة أنواع الأقلام والقطات وكل ما يدور في فلك ذلك، ومعرفة أنواع الخطوط والزخارف.. وتخضع ثانيا: إلى المهارة في صنعة الخط، وإلى التدقيق في شكل الخط وجودته، وضبطه وتقييده، ومقاييس الحروف، وطرائق الوضع، ونوع المداد، وضبط تَسْييحِه في الحرف، وتوازن السمك، وكيفيات توزيع المجال، وكيفية التحلية بوسائل التزيين، وبراعة التفنن، وشكل التوقيع وكيفية وضعه، ومكان وضعه، والمصطلحات التي استعملها الخطاط في التوقيع، وغير ذلك من الصنائع التقليدية والتجميلية التي تحيط بها، لأن هذه المعطيات متجذرة في تاريخ الإجازات التقليدية لما تكتنزه من عِظَم الفوائد. ولا يتم المنْح إلا باقتناع الشيخ بمؤهلات طالبه وبقدراته وإمكاناته الفنية والجمالية؛ وبضبطه وتقييده. إذ ذاك يمنحه الإجازة عن جدارة واستحقاق، موظفا عبارات تقليدية، شاعت بين الشيوخ في منح الإجازات للطلبة على مرّ التاريخ، وهي عبارات تحمل في طيها مختلف القيم العربية الإسلامية والقيم التاريخية والفنية، وتُكتب بأسلوب متعارف عليه تاريخيا، يكتنفه السجع أحيانا، ومضمن لشرط الإفادة.
إنه نظام الإجازة التقليدية الذي يعتبر شهادة تأهيلية ذات قيمة تاريخية، حيث كان الشيوخ يشددون فيها حتى يمنحونها قيمتها ومكانتها العلمية والمعرفية والفنية والتاريخية، وحتى يرتقوا بالخط إلى مجالات عليا من الضبط والتفنن، وبذلك يجب المحافظة على نظامها بصرامة وحزم، حتى لا يتسلل أصحاب المصالح الخاصة الذين لا علاقة لهم بالخط، بل اقتحموه بدواع مختلفة، فأضحوا يمنحون الإجازات وهم لا يستطيعون كتابة جملة أو كلمة واحدة مباشرة بخط النسخ، أو خط الثلث أو بأي خط آخر، فيسيئون إلى هذا الكنز التاريخي المهم.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية