فرانشيسكا وباولو: لوحات من الكوميديا الإلهية

قصة من قصص الغرام المحرم، وقعت أحداثها في القرون السحيقة، وانتهت بمقتل بطليها فرانشيسكا وباولو. تناول هذه القصة الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، في قصيدته الملحمية «الكوميديا الإلهية»، التي ظهرت إلى الوجود سنة 1472. وتعد جزءاً أصيلاً من الثقافة الإنسانية، وتشتهر عندنا نحن العرب، بأنها القرين الغربي لـ«رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، التي سبقت «الكوميديا الإلهية» في الظهور، بنحو ما يقرب من أربعمئة سنة. وبينما تُركت «رسالة الغفران» وأُهملت، ولم تتم الاستفادة مما تحتوي عليه من خيال عظيم، وتقديمه من خلال قوالب فنية أخرى، بل هوجمت في بعض الأحيان، اهتم الغرب بالكوميديا الإلهية اهتماماً كبيراً، ومنها استلهم الكتاب والموسيقيون والرسامون، الكثير من الأعمال الفنية. وتحظى حكاية فرانشيسكا وباولو على وجه الخصوص، بأغلب هذه الأعمال، فهي حكاية شيقة مليئة بالمشاعر، تعاطف معها دانتي بشكل شخصي وتأثر بها، ونقل هذا التأثر إلى الفنانين من بعده، وقد بلغ التأثر بدانتي أن جعله يفقد الوعي ويسقط مغشياً عليه. وردت هذه الحكاية في النشيد الخامس من «الكوميديا الإلهية»، عندما كان دانتي يتجول في الجحيم، مع رفيقه الشاعر الروماني القديم فيرجيل، يتفقدان أحوال أهل الدار الآخرة، ويشاهدون المعذبين في جهنم. وأثناء الهبوط إلى الحلقة الثانية من الجحيم، كان اللقاء مع المذنبين أصحاب الشهوات الجسدية، الذين اتبعوا غرائزهم في الدنيا، وضعفوا أمام اللذات الحسية، وأشبعوا رغباتهم المحرمة، فقادهم ذلك إلى العذاب في الآخرة، وأدى بهم إلى جهنم. قبل أن يتوقف دانتي عند فرانشيسكا وباولو، يمر على بعض المعذبين في الجحيم، مثل «سميراميس» و»كليوباترا» و«هيلانة»، وغيرهن من العاشقات والعاشقين، لكنه يمر عليهم مروراً سريعاً خاطفاً، ويصف خطيئة كل منهم بكلمات قليلة.
لا ينجذب دانتي لأحد سوى فرانشيسكا وباولو، هذان العاشقان اللذان لا يفترقان عن بعضهما، يهيمان في عذابهما الأبدي، وتدور بهما عاصفة من النيران، تعبث بهما وتحركهما كيفما تشاء، ولا يستطيعان مقاومتها أو الصمود أمامها، ولا يملكان إلا أن يشقيا بعذابهما، وأن يستسلما لذلك المصير. هذه العاصفة الجهنمية هي عاصفة الحب، التي لفحتهما برياحها الساخنة في الحياة الدنيا، فاستسلما لها، وأذاقتهما أويقات قليلة من السعادة، ثم ذهبت بهما نحو الألم الأبدي.

هناك الكثير من اللوحات الفنية، التي صورت حكاية فرانشيسكا وباولو، كما وردت في الكوميديا الإلهية، لكننا سنتحدث هنا عن ثلاث لوحات فقط. اللوحة الأولى، رسمها الفنان الهولندي آري فيشر سنة 1835، وتحمل عنوان «دانتي وفيرجيل يلتقيان فرانشيسكا دا ريميني وباولو مالاتيستا».

أشفق دانتي على هذين العاشقين المعذبين، ودعاهما إلى الاقتراب منه، وأبدى فضوله ورغبته في معرفة حكايتهما، فتكلمت فرانشيسكا، بينما ظل باولو يتألم في صمت، ومن حديث فرانشيسكا، عرف دانتي قصة الغرام المحرم التي قضت على العاشقين، وما وقعت فيه فرانشيسكا من إثم ارتكبته مع شقيق زوجها باولو. إذ جلسا ذات يوم يقرآن في كتاب واحد، فماتا بسيف واحد، وكانا في ذلك اليوم يقرآن عن ملكة، وقعت في غرام أحد فرسان زوجها الملك، وعندما وصلا في القراءة، إلى مشهد القبلة بين الملكة والفارس، قام باولو بتقبيل فرانشيسكا، وتقول فرانشيسكا أنها كانت القبلة الوحيدة، لكن الزوج رأى تلك القبلة، وقتلهما على الفور.

لوحات تصور مشاهد الحكاية

هناك الكثير من اللوحات الفنية، التي صورت حكاية فرانشيسكا وباولو، كما وردت في الكوميديا الإلهية، لكننا سنتحدث هنا عن ثلاث لوحات فقط. اللوحة الأولى، رسمها الفنان الهولندي آري فيشر سنة 1835، وتحمل عنوان «دانتي وفيرجيل يلتقيان فرانشيسكا دا ريميني وباولو مالاتيستا». عندما ننظر إلى هذه اللوحة، نرى دانتي وقد سقط على الأرض مغشياً عليه، من فرط حزنه وشفقته على العاشقين، وتعاطفه معهما وتأثره بحكايتهما، ويدل ذلك على أن اللوحة، تتناول وتصور، نهاية النشيد الخامس من الكوميديا الإلهية، أي بعد أن تنتهي فرانشيسكا من سرد حكاية الغرام المميت. وفي اللوحة يظهر فيرجيل، رفيق دانتي في رحلته الجحيمية، بهيئته الرومانية القديمة، يتطلع فيرجيل ببصره نحو فرانشيسكا وباولو، ولا ينظر إلى رفيقه الملقى على الأرض. الملاحظ في هذه اللوحة، أنه لا يوجد أي تواصل بصري، بين الشخصيات الأربع، فدانتي مغشي عليه، وفيرجيل ينظر إلى فرانشيسكا وباولو، لكنهما لا يبادلانه النظر، ولا يتواصلان معه، يتطلع باولو إلى أعلى، واضعاً يده على جبهته، كتعبير عن هول ما يراه ويلاقيه من عذاب. ورسم باولو على هذا النحو، يعتمد أيضاً على وصف دانتي له في الكوميديا الإلهية، إذ يكون صامتاً معظم الوقت، مذهولاً من الألم. على الرغم من انعدام التواصل البصري في اللوحة، إلا أن الناظر إليها لا تغيب عنه، تلك الصلة الواضحة بين فرانشيسكا ودانتي، والتي عبر عنها الرسام، من خلال نظرة فرانشيسكا إلى الشاعر، الذي فقد وعيه تأثراً بما روته له، فهي تتطلع إليه، بعينين تفيضان حناناً وشفقة، وشعوراً بالامتنان أيضاً، وتوحي حركة جسدها، بأنها تود لو تهبط إليه لتساعده، لكنها لا تستطيع ذلك. تجمع اللوحة بين النور والظلام بشكل بارع، والنور هنا مصدره النيران بطبيعة الحال، وبما أن عقاب هذين العاشقين، كان عاصفة جهنمية هوجاء، تظل تدور بهما وتلفحهما بلهيبها، وتظل تتقلب بهما في هذا العذاب دون توقف، لذا تلعب الحركة دوراً كبيراً في اللوحة، من أجل التعبير عن هذا الأمر. وتتجلى الحركة من خلال الجسدين، الهائمين في الهواء، لا تلامس أقدامهما الأرض، وتندفع هذه الأقدام إلى الوراء قليلاً، بفعل العاصفة، وكذلك تظهر الحركة من خلال الشعر المتطاير، سواء شعر فرانشيسكا أو شعر باولو، ومن خلال الملابس، أو الأقمشة التي تغطي بعضاً من جسديهما، ونرى هذه الأقمشة تتطاير، وتتشكل عشوائياً بفعل الرياح الجحيمية. ويلاحظ أن الرسام قد صور فرانشيسكا، على درجة من الجمال والرقة والبراءة، وعادة ما يتم تصويرها على هذه الهيئة، من مختلف الفنانين، وربما يعود هذا إلى تعاطف دانتي الشديد معها في قصيدته.

«دانتي وفيرجيل يلتقيان فرانشيسكا دا ريميني وباولو مالاتيستا» ـ آري فيشر
– «فرانشيسكا دا ريميني وباولو مالاتيستا» ـ أنسيلم فويرباخ

وتعبر لوحة «فرانشيسكا دا ريميني وباولو مالاتيستا» 1864، للرسام الألماني أنسيلم فويرباخ، عن مشهد آخر من الحكاية، حيث لحظات الحب الهادئة الوديعة، التي سبقت الفاجعة والمصير الأليم، قبل أن يقوم الزوج بقتلهما. اللوحة بسيطة غير معقدة في تكوينها، لكنها لا تفتقر إلى الجماليات، في تصوير الطبيعة الموجودة في الخلفية، حيث يظهر جزء من السماء الزرقاء، والسحاب الأبيض، والأشجار الخضراء. وكذلك توجد شجرة أخرى تظلل العاشقين، وتشغل المساحة العلوية من اللوحة. تحظى فرانشيسكا بأغلب الضوء، الذي يقل تدريجيا في اتجاه باولو، ونرى أن فرانشيسكا هي التي تمسك بالكتاب، ويكون بصر كل منهما مركزاً على سطور الكتاب، ورغم تركيزهما على القراءة، إلا أن الحب يسيطر عليهما تماماً، كما يبدو من اقترابهما الجسدي، وباولو الذي يحيط فرانشيسكا بذراعه، بينما تميل هي برأسها نحو وجهه. تبدو هذه اللوحة كأنها تصور اللحظة التي تسبق القبلة مباشرة، إذ يبدو باولو على وشك أن يقبل فرانشيسكا، وهنا أيضاً نجد أن الفنان، قام بتصوير فرانشيسكا كامرأة جميلة رزينة، غير لعوب ومثقفة تهوى القراءة، وكذلك صور باولو كشاب وسيم، واقع في الحب الحقيقي، ولا تبدو عليه ملامح التربص الشرير، على الرغم من علاقته الآثمة بزوجة أخيه. أما لوحة «موت فرانشيسكا دا ريميني وباولو مالاتيستا» 1870، للرسام الفرنسي ألكسندر كابانيل، فتصور مشهد الوفاة بعد أن قتلهما الزوج. اللوحة غنية التكوين ومليئة بالدراما بطبيعة الحال، تحتل فرانشيسكا مساحة كبيرة من اللوحة، إذ يبدو جسدها ملقى فوق أريكة، بينما رأسها يستند إلى كتف باولو، ويكون الكتف هو الجزء الوحيد، المستند إلى الأريكة، أما بقية الجسد فيكون منهاراً على الأرض. المكان في اللوحة غرفة من غرف القصر، وقد اعتنى الفنان ببعض الزخارف، في الخلفية وعلى الأرضية أيضاً. في يمين اللوحة ومن وراء ستار، يظهر الزوج ممسكاً بالسيف الذي قتلهما به، ويتأملهما بوجه غاضب ونظرات حانقة، كما لو أنه يريد أن يقتلهما مرة أخرى، أو أنه يود أن يقضي عليهما من جديد، فهو ينظر إلى زوجته وشقيقه، ويتجرع مرارة الخيانة المضاعفة. ومن أهم ما نراه في هذه اللوحة، الكتاب الملقى على الأرض، بعد أن سقط من يد فرانشيسكا، فالكتاب عنصر مهم في هذه الحكاية، حسب صياغة دانتي الشعرية، ذلك أن فرانشيسكا تبدأ حديثها قائلة: ذات يوم جلسنا نقرأ في كتاب. وتختم حديثها قائلة: ولم نقرأ منذ ذلك اليوم شيئا.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية