ـ”الجبان هو اللي بيخاف من الموت”.
ـ”لا. اللي بيخاف من الحياة”.
على خيط رفيع جداً بين الحياة والموت، بين الواقع والحلم، يتراقص فيلم حمى البحر المتوسط (2022) بخفة الدم وتناغم. إذا كانت الجملة الأولى المذكورة أعلاه تبدو وكأنها دعوة ضمنية للاستشهاد وتضحية بالنفس في سبيل الوطن، فإن الرد عليها قد يكون شكلاً من أشكال المقاومة
الرافضة لإغراء إبادة الذات.
وبالتالي فإن السؤال الأول الذي يطرح نفسه مباشرة هو: أي من هذين الحلين يقترح الفيلم؟
«حمى البحر المتوسط «، هو الفيلم الروائي الثاني للمخرجة الفلسطينية مها الحاج، التي كتبت أيضًا السيناريو الرائع والحائز على جائزة «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي في العام الماضي.
الصراع الملتهب في فلسطين منذ عام 1948 معروض كجمر تحت الرماد، بحيث يجب أن نعتبر الحمى التي يشير إليها عنوان الفيلم، بشكل مجازي، رد فعل الجسد (الفلسطيني) الذي يحاول أن يدافع عن نفسه من «عدوى أو هجوم ما».
تدور أغلبية أحداث الفيلم في فلسطين، وبالضبط في حيفا، المدينة التي دفعت ثمنا باهظا للحرب العربية – الإسرائيلية الأولى، شاهدة النزوح الجماعي لمئات الآلاف من الفلسطينيين في ربيع عام 1948. وبعد النكبة وما ترتب عليها من ضمها إلى الدولة الصهيونية، لا يزال آلاف الفلسطينيين يسكنونها، ولكن بعد عقود من الزمن، أصبحت الأجيال الجديدة من العرب ممزقة بين الدفاع عن قيم المقاومة وبين الاستسلام للأمر الواقع واستيعاب أنماط حياة خاصة بدولة دخيلة على المنطقة، بما في ذلك اعتماد اللغة العبرية.
تتمثل مهارة المخرجة في التعامل مع موضوع شائك وهو الموت، وقدرتها على تجاوز عنصر محلية القضية، ولكن ظاهريًا فقط. من ناحية، خلقت الحاج دراما عالمية ووجودية حول الشعور بثقل الوجود الذي لا يحتمل، والذي قد يحدث في أي مكان في العالم. من ناحية أخرى تركز على المقاومة الميئوس منها ضد المحو المطلق من التاريخ. تبني الحاج بناءً صلبًا على ديناميكيات قيمة الصداقة، من خلال بطلي الفيلم، وليد وجلال، لتعود بعد ذلك إلى النقطة البؤرية وهي الثنائية حياة/ موت.
وليد زوج هادئ «بيتوتي» يحلم أن يصبح كاتبًا مشهورًا لكنه لا يجد مصدر إلهام لروايته الأولى. يعاني من نوع من الاكتئاب المزمن الذي يجعله ينفر عن العلاقات الإنسانية، حتى الخاصة بعائلته الأصلية. ومع ذلك فهو زوج مخلص وأب محب لبنت وولد. تتحدث البنت المراهقة تلقائيًا باللغة العبرية في المنزل بدلاً من العربية، مما يسبب توبيخ أبيها على ذلك التصرف. غالبًا ما يتأثر الولد الأصغر سنًا بنوبات متكررة من حمى غريبة تشكل مصدر قلق دائم له ولزوجته، الممرضة، الوحيدة التي تعيل العائلة.
تهتز حياة وليد بوصول جلال، جاره الجديد قدام شقته مع زوجته وأولاده. هو شخص نشيط ومفعم بالحيوية يقضي أيامه عادة في البيت ويتمتع بالموسيقى الصاخبة والأعمال المنزلية (… «سيمفونية» حلوة للنسويات!) أو ينشغل في أخذ كلبيه للحدائق المحيطة بالحي، أو خارج البيت في أعمال مشبوهة.
في ظل الفارق الهائل بين طباع وأسلوب حياة لكل من وليد وجلال، من الطبيعي أن تحدث صراعات ونقاشات بينهما، لكن علاقتهما تتطور بشكل غير متوقع، وتتحول إلى صداقة متينة. تنحت المخرجة البطلين بأبعادهما الثلاث بلمسات ومشاهد مقنعة، بل تجعل أحدهما ينحت الآخر بطريقة مرآوية. على جدار وراء مكتب وليد تعلق أيقونات إدوارد سعيد وغسان كنفان، مؤلف الرواية المنورة «عائد إلى حيفا» (1969) و الشاعر سميح القاسم، على أمل أن يلهموا قلمه الذي لا يزال جافًا عقيمًا. جلال من جهته مولع بالشعر العربي الكلاسيكي.
طوال الفيلم، يبقى الصراع المسلح الإسرائيلي – الفلسطيني خارج الشاشة، أو بالأحرى يظهر على شاشة التلفزيون التي يتابعها وليد، بين قيلولة والقيام بعض الأعمال المنزلية. كما يسعى إلى ترسيخ الهوية الثقافية في وعي كل من يقابله. حتى أنه يتشاجر مع جلال حول تجنب استعمال أسماء الأماكن الجغرافية المحولة إلى العبرية وضرورة الحفاظ على أسمائها الأصيلة والذاكرة التاريخية.
في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى الحوار باللغة العبرية في عيادة طبية لفحص ابنه المصاب بحمى غريبة يفترض أن تكون «حمى البحر المتوسط». وفي المشهد الذي تجبره فيه الطبيبة على ملء استبيان عبر الإنترنت، عندما تسأله عن الجنسية يجيب وليد: «عربية»، فيقبل نظام الكمبيوتر هذه الإجابة قبولاً تامًا رغم عبثيتها. أما السؤال التالي، فهو يخص الدين، في بادئ الأمر يرفض وليد الإجابة عليه، مدعيًا بأنه سؤال عنصري، لكن لا بد من الإجابة عليه لمواصلة الاستبيان فيدهش الطبيبة بجواب محير للغاية: «فلسطيني. ديني فلسطيني».
يعتبر وليد حياته ثقيلة ثقلا لا يطاق وربما يسبب ذلك عدم التركيز على كتابة روايته. هل يمكن النظر إلى هذه الظاهرة من الشلل الفني والوجودي كرد فعل على عجزه في مواجهة المحو الممنهج للذاكرة الفلسطينية؟ الممثل عامر حليحل يجسد بمهارة شعور الشخصية بالفراغ حتى في وقفاته التي توحي بنوع من الجمود، الذي لا يعني سلاما داخليًا، في حين أن الممثل أشرف فرح (جلال) بواسطة لغته الإيمائية المقنعة يعبر عن انطباعات نقيضة، لا سيما الحركية والتمتع بالحياة.
يؤكد الفيلسوف جان بول سارتر في مقالته «الوجود والعدم» أن الإنسان بفضل وعيه يجب أن ننظر إليه كمشروع منفتح على العالم والمجتمع ويتمثل وجوده ووعيه في السعي إلى تحقيق مستقبله.
فمن هذا المنطلق يمكن القول إن وليد فقد معنى حياته بعد أن حاول التماهي مع القضية الفلسطينية عن طريق التعبير الروائي. ولكن هل تنبع هذه الإرادة من وعيه أم هي وليدة إكراهات الأنظمة والمجتمع وهي، بنهاية المطاف، التي تصنع من الإنسان ما يريد وفق اجنداتها وبرامجها؟
على كل حال، يبدو وليد كأنه فخور بقراره الانتحاري فيري أن «الجبان هو اللي بيخاف من الموت». فيرد عليه جلال، الذي كثيرًا ما يخاطر بحياته في عالم الإجرام ولا يبدو منخرطا على الإطلاق في القضية الفلسطينية، إلى درجة سخريته من التزام صديقه، أن «هو اللي بيخاف من الحياة».
في مشهد يتميز بالكوميديا السوداء، يثني وليد على الدول الأوروبية التي تمارس القتل الرحيم بشكل قانوني، قدام شخص مشلول يعاني أيضًا من صعوبة في التنفس. لتحقيق هدفه هو بحاجة ماسة إلى قاتل مأجور.
لا تخلو العلاقة بين البطلين من بالتوتر فتبدو حياتهما وكأنهما تسيران على مسارين متوازيين، فتحدث المعجزة عند التقاء بعض نقاط تقاطع، مقصودة أو عرضية.
هل سيستجيب جلال لطلب وليد لمساعدته في تحقيق هدفه؟ تمثل رحلة صيد ليلية مع صديقه فرصة لا تعوض للوصول إلى العدم المنشود. يوحي مونتاج المشاهد، التي سبقت رحلة الصيد الحاسمة بردود أفعال متشابهة للبطلين (كلاهما يبكي)، لكن انطلاقًا من موقفين مختلفين تمامًا: جلال متعلق جدًا بالحياة، في حين أن وليد قد نأى بنفسه عن الحياة ويستعد للتوديع الأخير لبنته وابنه خلال نومهما. ومن الواضح جدًا أنه تحت رحمة صديقه الذي يحتاجه بشدة. ربما لأن الجبان هو شخص لا يملك حتى الشجاعة للانتحار.
تتميز حمى البحر الأبيض المتوسط بقوة درامية في إطار واقعي مشوب بأجواء الحلم أو مثيرة للسخرية، تدعمها بعض المشاهد السريالية التي تذكرنا بسينما إيليا سليمان. رغم التعامل بعمق مع مواضيع جادة، الفيلم يعرض مشاهد خفيفة الدم وفكاهية إلى حد ما. إذا كانت وتيرة الجزء الأول، على الأقل حتى حضور جلال، تبدو بطيئة، فإنها تصبح تدريجيًا أسرع فأسرع كلما تقترب من النهاية.
وبالإضافة إلى موقف الطبقة الوسطى الفلسطينية، المثقفة وغير المثقفة، من قضايا الهوية والذاكرة في أجواء تبدو طبيعية، ولكنها مثيرة للاغتراب، يبدو أن أكثر ما يهم المخرجة هو موقف الأجيال الجديدة من نفس القضايا.
يكتشف وليد أن حمى ابنه تزداد حدة كلما يدخل فيها حصة الجغرافيا: القشة الأخيرة هي أن المعلمة الفلسطينية علمت التلاميذ أن القدس هي عاصمة إسرائيل، ومما زاد الطين بلة، عاقبت ابنه لأنه رد عليها أن القدس عاصمة فلسطين. فيعتبر ذلك حدثًا مؤلمًا لا شك أن يؤدي إلى تفاقم أي التهاب.
مثل هذه التشويهات المتعمدة لتاريخ وجغرافيا الشرق الأوسط، والموجودة أيضًا في العديد من الكتب المدرسية في أوروبا، بدءًا من المدارس الابتدائية، يمكن أن تسبب حميات والتهابات. ومن ناحية أخرى، يجب أن يُنظر إليها بشكل إيجابي على أنها ردا على الأكاذيب التي تمليها الدعاية المؤيدة للصهيونية في الأوساط الثقافية الأوروبية.
أكاديمي إيطالي مختص في اللغة العربية والسينما ومحاضر في جامعة باري