لوموند: سقوط علي بونغو “أخ” محمد السادس يضع البراغماتية المغربية أمام اختبار

حجم الخط
24

باريس- “القدس العربي”:

تحت عنوان: سقوط علي بونغو “أخ” محمد السادس يضع البراغماتية المغربية أمام اختبار، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إنه إذا كان رد فرنسا في أعقاب الانقلاب الذي أطاح بعلي بونغو أونديمبا يوم الأربعاء 30 أغسطس/آب متوقعاً، فإن رد فعل المغرب كان بنفس القدر. مثل باريس، تحتفظ الرباط بعلاقات خاصة مع ليبرفيل، تتميز بالعلاقات الشخصية الوثيقة التي نشأت في السبعينيات بين الملك الحسن الثاني والرئيس عمر بونغو، ثم بين ابنيهما. ولكن، على عكس فرنسا، التي دانت “الانقلاب العسكري”، اعتمد المغرب رسميا موقفا محايدا منذ الانقلاب في ليبرفيل، وامتنع عن أي موقف، مشيراً إلى أنه “يثق في حكمة الأمة الغابونية”.

وأضافت الصحيفة الفرنسية التوضيح أن البيان الصحافي الصادر عن وزارة الخارجية المغربية فاجأ، في الأساس، العديد من المراقبين. ففي وفاء لأساس دبلوماسيته القائمة على مبدأ عدم التدخل، اقتصر المغرب على التأكيد على “أهمية الحفاظ على استقرار” البلاد، كما فعل، ولا سيما من خلال ممثله لدى الاتحاد الأفريقي، عقب ما حصل في النيجر وبوركينا فاسو ومالي. لكن هذه المسافة على وجه التحديد هي التي تثير الدهشة في حالة الغابون، التي اعتاد العاهل المغربي محمد السادس على وصف رئيسها علي بونغو، الذي يعرفه منذ فترة المراهقة بأنه “أخ له”!

في عام 1976، كان ولي العهد حينها يبلغ من العمر 13 عامًا فقط عندما التقى بعلي بونغو لأول مرة في الغابون. وأظهرت صورة نشرت على حساب الرئاسة الغابونية على فيسبوك عام 2017، الثنائي في المغرب مطلع الثمانينيات، وهما يتجولان بقمصان البولو وقمصان قصيرة الأكمام. وسارعت الصحافة المغربية إلى الإشارة إلى الدليل على “الصداقة المثالية التي تربط دائما الرئيس الغابوني بالعاهل المغربي”. وكان علي بونغو صرح لمجلة “جون أفريكفي عام 2010 قائلا إن محمد السادسيعني الكثير بالنسبة لي”.

لقد فعل الملك كل شيء من أجلي

ومنذ ذلك الحين، التقى الرجلان كثيراً مع تعدد زيارات العمل والإقامات الخاصة. واستغل الرئيس الغابوني سحر طنجة ومراكش، حيث أقام “قصرا” على أرض تبرع بها له صديقه محمد السادس. وقضى العاهل المغربي إجازاته في مقر إقامته في بوينت دينيس، غير البعيد عن ليبرفيل، وهو هدية من عمر بونغو.. فالصداقة بين الآباء أعقبتها أخوة بين الأبناء التي لا تنقطع. وعندما أصيب علي بونغو بجلطة دماغية في أكتوبر 2018، دعاه محمد السادس لمواصلة فترة النقاهة وإعادة التأهيل في المغرب. وبقي الرئيس الغابوني، البالغ من العمر 59 عامًا آنذاك، أكثر من ثلاثة أشهر في المملكة. وفي خطابه بمناسبة الذكرى 55 للحزب الديمقراطي الغابوني، شهر أبريل الماضي، شكر علي بونغو علناً محمد السادس، قائلا: “الملك فعل كل شيء من أجلي”.

فكيف يُفسّر صمت المغرب هذا حيال الانقلاب على بونغو الابن؟ تتساءل “لوموند”، قائلة إن موقف الرباط هذا من الانقلاب في الغابون يذكرنا بالمعاملة التي تلقاها ألفا كوندي، “الأخ” الآخر للملك. فرغم أن الرئيس الغيني لم يدخر جهدا لضمان عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، إلا أن الرباط لم تصدر أي إعلان عقب الانقلاب عليه عام 2021، وهو حَذر مبرر بالنسبة للعديد من المراقبين، معتبرين أنه على المغرب أن يحرس نفسه من أي تغيير وفي الدعم الذي قدمته له غينيا في موضوع الصحراء الغربية، “المنظور الذي ينظر من خلاله المغرب إلى محيطه الدولي”، بحسب ما ذكر محمد السادس في أغسطس عام 2022.

وتساءلت “لوموند” بما أن الغابون دعمت دائما الموقف المغربي في هذا الشأن، فهل رد فعل الرباط الخجول على الإطاحة ببونغو يتبع نفس المنطق؟ وتنقل الصحيفة عن انتصار فقير، مديرة برنامج شمال أفريقيا والساحل في معهد الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث أمريكي، قولها: “الصحراء مهمة، لكنها ليست العامل الوحيد. يسعى المغرب أيضا إلى ضمان الحفاظ على العلاقات المؤسسية، للحفاظ على الدعم الذي تقدمه له ليبرفيل على المستوى الإقليمي وتجنب تنفير السكان، في حين تتمتع المملكة بنظرة إيجابية إلى حد ما في الغابون. ومن هذا المنطلق فإن موقف الدبلوماسية المغربية ثابت. ما الذي ستكسبه من خلال دعم علي بونغو، الذي تعد فرص عودته إلى السلطة معدومة؟ وهذا يعني المخاطرة بتعريض علاقاتها مع الجيش، وحتى مع الجيش كمؤسسة، للخطر”.

وتابعت “لوموند” القول إنه بالنسبة للرباط، فإن الحفاظ على تعاونها العسكري مع الغابون أمر ضروري. فكما هو الحال مع مالي وغينيا، قام المغرب بتدريب أجيال من الضباط الغابونيين، بما في ذلك الجنرال بريس أوليغي نغويما، الذي تدرب بالأكاديمية العسكرية بمكناس، وأمضى عدة سنوات بالمملكة كملحق دفاعي بالسفارة الغابونية لدى الرباط، وتولى يوم الاثنين رئاسة الغابون للمرحلة الانتقالية. ويكفي أن نقول إنه في الرباط لا أحد يشك في أن الرجل القوي الجديد في ليبرفيل سيواصل السير على طريق سلفه. “في عهد علي بونغو، كانت كل انتخابات رئاسية محل نزاع، كما يشير دبلوماسي فرنسي سابق كان متمركزًا في المغرب. ومن المؤكد أن حقيقة أن هذه الصفحة تقلب، دون إراقة دماء، ومع رجل يعرفه المغرب جيدًا على رأس البلاد، أمر يبعث على الارتياح للرباط”.

الخدمات المصرفية والتعدين والاتصالات

ومضت “لوموند” موضّحة أن هذه البراغماتية تبدو أكثر قابلية للفهم، حيث إن المغرب لديه بعض الشركات الاقتصادية الرائدة في الغابون. تمتلك شركة المدى الملكي القابضة، عبر “التجاري وفا بنك”، اتحاد البنك الغابوني، ثالث أكبر مؤسسة مصرفية في البلاد، وحصل المغرب عام 2022، عبر المجموعة المنجمية مناجم، على رخصة تشغيل مشروع الذهب بإيتكي. أما اتصالات المغرب فتمتلك اتصالات غابون.

وأشارت “لوموند” إلى أن علي بونغو سُمح له يوم الأربعاء 6 سبتمبر بمغادرة الغابون لأسباب طبية، فهل سيعود إلى “البلد العزيز على قلبه”؟ ويقول ضابط عسكري مغربي متقاعد: السؤال الآن هو ما إذا كانت الرباط ستتفاوض بشأن استقباله وعائلته؟ ووفقا لمجلة “جون أفريك”، فقد تم ذكر هذا الخيار يوم الثلاثاء خلال المناقشات التي جرت في ليبرفيل بين الرئيس الانتقالي وفوستين آركانج تواديرا، زعيم أفريقيا الوسطى، الذي تم تعيينه وسيطا إقليميا في أعقاب الانقلاب.

في تاريخه الحديث، سمح المغرب لاثنين فقط من رؤساء الدول الإفريقية المخلوعين بالإقامة في المملكة: البوركينابي بليز كومباوري، المقيم الآن في كوت ديفوار، ورئيس زائير السابق، موبوتو سيسي سيكو، الذي توفي عام 1997 في الرباط. وبشكل منتظم، يأتي هؤلاء الذين يشعرون بالحنين إلى موبوتو لزيارة ضريحه في المقبرة المسيحية في المدينة، تشير “لوموند”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية