الحكومة اليمنية واتفاق نقل السلطة: من يملك قرار الحرب والسلام؟

عبد الباري طاهر
حجم الخط
0

سؤال عن جذر الصراع الممتد لأكثر من ثمانية أعوام، وعن استعصاء الاتفاق على حل. حاليًا لا توجد حكومة بأي معنى، «أنصار الله» (الحوثيون) يسيطرون على غالبية محافظات الجمهورية العربية (سابقا) وهناك محافظات خارج سيطرتهم كمأرب- منطقة الثروة النفطية، وتعز- منطقة الكثافة السكانية، والنشاط التجاري، والحداثة، والتعليم، والكوادر العلمية والسياسية والإدارية، وهناك محافظتان منقسمة كالحديدة- منطقة الزراعة، والموانئ، والجوف المنطقة الحدودية الأخطر؛ حيث الزراعة والثروة أيضًا.
السؤال جوهري؛ لأنه يتعلق بالحرب، واستعصاء التوافق على حل. يستخدم الصراع الأبعاد القبلية والطائفية، وبشكل أكثر الجهوية والأيديولوجية، وكلها حاضرة، ولكن الصراع على التفرد بالحكم، والاستئثار بالثروة هو جوهر الصراع. والدولة- كأرض- مفككة، والأداة السياسية منقسمة ومتصارعة، والسياسات متباينة ومختلفة.
أطراف الصراع في اليمن وعليه كثر؛ ففي المستوى الأهلي هناك أكثر من طرف: أولاً طرف الشمال والجنوب: «أنصار الله» (الحوثيون) في غالبية محافظات الشمال، والانتقالي المسلح في الجنوب، وداخل الشمال أطراف، وداخل الجنوب أطراف أيضًا؛ ففي الشمال الجمهورية العربية اليمنية (سابقا) مفككة ومتصارعة، والميليشيات قوة جنوحها للحرب أقوى، عكس القيادات السياسية، ومحافظتان خارج السيطرة، ومحافظتان منقسمتان، وصراع الأجنحة يتصاعد، أما في الجنوب، فصراع المحافظات الموروث من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حاضر بقوة، وبالأخص أحداث 13 كانون الثاني/ يناير 1986 وتحديدًا بين محافظتي الضالع لحج، في مواجهة أبين شبوة، ثم إن الخلافات السعودية-الإماراتية قد عمقت هذا الصراع، وهناك خلاف الشرعية المدعومة من العربية السعودية، والانتقالي المسلح الداعي للانفصال، والمدعوم من الإمارات. وخلافات الحليفين: السعودي، والإماراتي حول النفوذ في المناطق الجنوبية يعقد الأمور أكثر، وهناك أطراف ثانويون كثر في الشمال والجنوب، أما الحكومة المتساءل عنها، فهناك حكومتان: حكومة أنصار الله في صنعاء، وحكومة الشرعية، وكلاهما واجهة سياسية لا صلة لهما بما يجري في الواقع؛ فلا مهام، ولا اختصاصات، وأداؤهما لا يتجاوز استلام المرتبات والمخصصات، واجتماعات متباعدة لا أثر لها، وفي كل الأحوال، فالميليشيات على الأرض هي الأقوى والأكثر فاعلية وتأثيرًا.
هذا في المستوى الوطني، وكانت أطراف الصراع في الشهور الأولى هي المتمكن، وكان حضورها في لقاءات الكويت 2016 وجنيف 2015 وستوكهولم 2018 كأطراف يمنية.
طول أمد الحرب أدى إلى ضعف الشرعية، وقوى الميليشيات في الشمال والجنوب، ومنذ العام 2019 بدأ التفاوض بين الحوثيين والعربية السعودية في ظل غياب الشرعية، ولعبت الوساطة العمانية، والحوار الإيراني السعودي دورًا في ترطيب الأجواء؛ ما نجم عنه اتفاق الهدنة المؤقتة في 2 نيسان/أبريل 2022 ولا يزال الحوار مستمرًا.

الصراع الإقليمي هو الأساس

ما إن تفجرت الحرب الأهلية في العام 2014 حتى رمى الصراع الإقليمي الإيراني والتحالف العربي بقيادة السعودية بثقله شيئًا فشيئًا؛ ليصبح الصراع الإقليمي هو الأساس، وبقرار الأمم المتحدة رقم (2216) وتشكيل الرباعية الدولية، وإدراج اليمن تحت الفصل السابع، انتقل مركز الصراع إلى الإقليمي والدولي، وتحولت الأرض اليمنية كلها إلى ميدان حرب مأجورة، واليمنيون مقاتلون «باليومية» في حرب بالوكالة.
تتفاوض السعودية مع «أنصار الله» (الحوثيين) في ظل غياب الشرعية والانتقالي المسلح، ويكون للاتفاق الإيراني-السعودي 10 اذار/مارس 2023 بوساطة صينية الأثر البالغ على الهدنة في اليمن، والسعي لتحويلها إلى وقف دائم للحرب، فالاتفاق على وقف دائم للحرب رهن بما تسفر عنه المفاوضات بين «أنصار الله» (الحوثيين) والعربية السعودية، وهو مرتهن أيضًا للمفاوضات بين السعودية وإيران، والمفاوضات بينهما ليست بعيدة أو معزولة عن الرباعية الدولية، والطرفين الدوليين: أمريكا، وبريطانيا.
قد يرغب الأمريكان والبريطانيون بالتهدئة في اليمن؛ لانشغالهما بالحرب في أوكرانيا، ولكن ذلك لا يساعد على وقف دائم للحرب، والذهاب إلى التفاوض السياسي على حل شامل. ويبدو أن التفاوض السعودي-الإيراني بطيء ومتشعب؛ فالحرب في اليمن أولوية بالنسبة للسعودية؛ لأنها تمس خاصرتها الجنوبية؛ ولرغبتها في التفرغ لبرنامجها الثلاثيني، أما إيران، فأولويتها ليست اليمن، وإنما العراق، وسوريا، ولبنان، وتطبيع علاقاتها بجوارها الخليجي، وبالسعودية تحديدًا، ورفع الحصار عنها، وتأمين برنامجها النووي، فاليمن ورقة تكتيكية بالنسبة لها. أما الأمريكان والبريطانيون، ومعهما الإمارات العربية المتحدة، فهمهم الأساسي فصل الجنوب، والاستيلاء على مناطق الثروة، وتأمين باب المندب، وقطع الطريق على الصين- طريق الحرير، وترك اليمنيين يتقاتلون.

أطراف الصراع

الأولوية ليست للحكومة، ولا لنقل السلطة، وإنما لوقف دائم للحرب، والاتفاق على وقف دائم للحرب متعلق بأطراف الصراع الداخلي على كثرتهم، ومتعلق أكثر بالاتفاق الإيراني-السعودي، ومرتهن أيضًا لطرفي الرباعية الدوليين: أمريكا، وبريطانيا، ومعهم الإمارات المسكونة بمطامع أكثر من طاقتها وقدرتها على احتلال الجزر والموانئ اليمنية، والتحكم في مناطق الثروة. ولا بد من مراعاة الأولويات؛ فالأولوية في اليمن لوقف الحرب الدائرة منذ أكثر من ثمانية أعوام، والاتفاق على وقف الحرب يخص أطراف الصراع في المستويات الثلاثة: الأهلي، والإقليمي، والدولي؛ فهم كل الكارثة، وجزء من الحل. أما التفاوض على الحل السياسي، ونقل السلطة، فشأن عام يعني كل مكونات المجتمع اليمني المدني والأهلي، ويتشارك فيه المرأة، والشباب، والأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والشخصيات العامة، سواء عبر مؤتمر وطني عام وحوار شامل بين الشمال والجنوب، وبين الجنوب والجنوب، والشمال والشمال.
نقل السلطة في المرحلة الثالثة؛ أي بعد تثبيت الوقف الدائم للحرب، والتحاور الوطني بين الشمال والجنوب أولاً، ثم بين كل شطر على حدة للوصول للاتفاق على الحل الشامل، أما سؤال من يملك قرار الحرب والسلم، فهم الأطراف المتورطة في الحرب: «أنصار الله» (الحوثيون) والانتقالي المسلح الداعي للانفصال، والشرعية، وفي المستوى الإقليمي: التحالف العربي ممثلاً بالعربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة من جهة، وإيران في الجهة الأخرى، وفي المستوى الدولي: طرفا الرباعية: أمريكا، وبريطانيا؛ فهؤلاء هم صناع الحرب الحقيقيون، وهم من يعنيهم الاتفاق على وقف الحرب، ومأساة اليمن أن أطراف الصراع متفقة على وقف الحرب، ولكل طرف مطامحه ومطامعه، وأطراف الحرب الأهلية يريدون أن يحققوا بالتفاوض ما عجزوا عن تحقيقه بالحرب، والخطورة في التفاوض الدائر بين الحوثيين والسعودية أن يتم التوافق على قيام سلطة أو أكثر، ويجري تقاسم الثروة والسلطة على حساب إرادة الشعب اليمني ووحدته. التعتيم على الحوارات الدائرة، والتسريبات الزائفة لا تطمئن، ثم إن تغييب الطرف الجنوبي، وهو طرف أساس في الصراع، وتغييب الشرعية كعب أخيل.
المفاوضات المكوكية بين الحوثيين والسعودية، وبين السعودية وإيران مهمة لوقف الحرب، وأهميتها تكمن في أنها تفتح الباب أمام التحاور الوطني الذي ينبغي أن يتشارك فيه كل ألوان الطيف المجتمعي المدني والأهلي في الجنوب والشمال، والشرق والغرب، وبين كل الاتجاهات الفكرية والسياسية، ومختلف الشرائح والفئات.

وقف دائم لإطلاق النار

منذ أمد يدور التفاوض حول وقف دائم لإطلاق النار، وتغيب هموم ومعاناة الشعب أو تنسى. لم يرفع الحصار البري والبحري والجوي على اليمن، ولم تتفق الأطراف الداخلية على رفع الحصار الداخلي عن مدينة تعز- عاصمة الثقافة اليمنية، كما لا يتوافقون على فتح الطريق بين صنعاء وعدن.
لم تصرف مرتبات الموظفين لأكثر من ستة أعوام، ولم يعد ملايين المشردين إلى مناطقهم، ولم يجرِ تبادل الأسرى على قاعدة الكل مقابل الكل، ولم يفرج عن المعتقلين السياسيين، ولا المخفين قسريًا.
يدور التفاوض منذ ظهران الجنوب والكويت وجنيف وستوكهولم، وعمان، والرياض، وصنعاء من حول اقتسام الثروة والسلطة ليس غير، ومعاناة الشعب ومآسي الحرب في وادٍ، والتفاوض في وادٍ آخر.
فقادة الحرب لا يمكن أن يكونوا صناع سلام، والرهان عليهم خائب كخيبة الحرب. واستعصاء الحل السياسي عائد في جانب مهم إلى كثرة الأطراف المنخرطة في الحرب، والرغبة الآثمة في إبقاء اليمن مفككا متصارعا ومتشظيا، وضعف الإرادة الوطنية للشعب الذي أنهكته الحرب، ومزقت نسيجه المجتمعي، وعادت به إلى ما قبل عصر الوطنية والدولة، ولا خلاص من الحرب وتبعاتها إلا بحراك شعبي وسلامي يرغم كل عتاة الحرب ودعاتها ومموليها للانصياع لنداء السلام، والرضوخ للإرادة اليمنية في تقرير مصيره وصنع مستقبله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية