البندقية ـ «القدس العربي»: في مكتب مهجور في بناية تقع قبالة فندق باريسي أنيق يكون لقاؤنا الأول مع القاتل المحترف المأجور. هو في هذا المبنى مع سلاحه المصوب بدقة نحو هدفه، في انتظار لحظة سانحة لإتمام المهمة. هكذا يبدأ فيلم «القاتل» للمخرج الأمريكي ديفيد فينشر، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية في دورته الثمانين (30 أغسطس/آب حتى 10 سبتمبر/أيلول الجاري). إنها بداية توحي بأننا أمام قاتل لا يخطأ هدفه قط ولا يترك مجالا للخطأ. لا نعرف اسمه ولا هويته الحقيقية، كما هو جدير بقاتل محترف من طراز رفيع. وقد نتوقع أن يكون القاتل المحترف صموتا، ينجز مهمته بدقة متناهية لا تسمح بالحديث. لكن القاتل في فيلم ديفيد فينشر (الذي يؤدي دوره بإتقان كبير مايكل فاسبندر) قاتل لا يكف عن الحديث. يحدثنا القاتل المحترف قائلا إننا يجب أن نعتبر أنفسنا محظوظين، لأن طريقنا لم يتقاطع مع طريقه. نراه يمارس التمارين الرياضية واليوغا حتى يحتفظ بتركيزه وبمرونته الجسدية، ونراه يردد على مسامعنا عبارات تحفيزية وما يشبه الحكم.
لا نتعرف على اسمه قط، لكننا نعرف ذائقته الموسيقية، وأنه يستمع إلى فريق «ذا سمثيز» في انتظار اللحظة الحاسمة التي يطلق فيها رصاصته. هو رجل يحافظ على ألا يكون مرئيا في مدينة تغص بكاميرات المراقبة، ويحرص كل الحرص على اعتمار قبعة أو خوذة قيادة أو ارتداء سترة ذات غطاء للرأس حتى لا تكشف الكاميرات وجهه.
نعرف كل هذه المعلومات عن قاتلنا المأجور في الدقائق الأولى من الفيلم. وبعد أن حدثنا بصوته الهادئ المتزن عن أسلوبه ودقته وحرصه الفائق، نتوقع منه أنه حين تأتي اللحظة السانحة الحاسمة سيصيب هدفه بدقة ويغادر في صمت بعد اتمام المهمة بنجاح. لكن القاتل المحترف في فيلم فينشر، يخفق في إصابة هدفه لأول مرة في حياته، وتبدأ الصورة الاحترافية المصقولة التي رسمها لذاته في التداعي. وبعد أن كان صيادا يتربص بفريسته، يصبح مطاردا، يصل أعداؤه إلى عقر داره ومخبئه، ويصبح هدفه الانتقام واسترداد أمنه الشخصي الذي سُلب منه.
بعد أن كنا نتوقع منه في بداية الفيلم رصاصة نظيفة تصيب الهدف بدقة وصمت، أصبحت غريزته للانتقام والقضاء على كل خصومه بأي طريقة كانت، هي محركه الرئيسي، واختفت من أمام أعيننا الصورة المصقولة التي تشبه صورة مقاتل الساموراي التي كان يرسمها لنفسه.
يتناول الفيلم الفجوة الكبيرة بين المتخيل والواقع، بين الصورة الذهنية التي يرسمها القاتل المحترف لذاته وبين الواقع الدامي الذي نراه على الشاشة. ربما يهدف الفيلم إلى تحطيم تلك الصورة الذهنية عن القاتل المحترف، الصورة التي يتخيلها القاتل عن مدى احترافيته التي تميزه عن القتلة أو السفاحين، وأيضا الصورة الذهنية للمشاهد عن القاتل المحترف.
في فيلمه «سبعة» (1995) قدم فينشر رؤيته لقاتل متسلسل حاذق يتصيد العلل النفسية لضحاياه، وينفذ إلى عمق خطاياهم ويوظفها ليفتك بهم. وفي «قاتل» استخدم تخيل القاتل المأجور لذاته كقناص احترافي ينجز المهمة بلا جلبة ليقوض هذه الصورة وليرينا أنه في واقع الحال لا يختلف عن أي قاتل آخر تحركه شهوته للانتقام. لكن انتقام قاتلنا في «القاتل» انتقام ممنهج يتبع خطة يسعى القاتل لتنفيذها بالتزام ودقة. خطأ واحد في مستهل الفيلم أدى إلى سلسلة طويلة من القتلى. جزء مهم من الفيلم، ولعله جوهره الرئيسي، هو خداع القاتل لذاته. هو يتصور أنه ينتقم من أعدائه وفق خطة رسمها بحنكة، لكن ما يحركه في واقع الحال هو أن الواقع يفرض ذاته عليه ويبدد خططه وخطواته. الخطة التي نكتشفها في الفيلم هي انعدام الخطة ومواصلة سلسلة القتل كيفما اتفق. لا تتصاعد الأحداث صوب عقدة أو قمة درامية تعقبها انفراجة، بل ينقلنا سريعا من طائرة إلى أخرى، ومن قارة إلى أخرى، في محاولة للقاتل الانتقام من متصيديه، بسبب إخفاقه الأول في إصابة هدفه في بداية الفيلم.
ثمة اختلاف كبير بين المتخيل والواقع في الفيلم. وبعد حديث القاتل في بداية الفيلم المليء بالحكم التحفيزية، نرى أنه يفتقر إلى الحكمة والتريث. نراه ينتقل من جريمة إلى أخرى ومن عملية قتل إلى أخرى، تحركه الظروف المحيطة. واقع الأمر هو أن القاتل احتمى من إخفاقاته الداخلية داخل فقاعة من الكذب، وتلك الفقاعة تبخرت مع خطئه الأول. وما كان هذا التناقض بين حديث القاتل وفعله لينكشف لولا أداء مايكل فاسبندر المتقن، حيث يعود فاسبندر إلى الشاشة بعد غياب دام عدة أعوام.
في «القاتل» يقدم فينشر فيلما يصيب الهدف، على عكس ما يحدث من بطله. إنه فيلم مصنوع بدقة، تتضافر عناصره لتنفذ إلى حقيقة هذا القاتل، ولتكشف الأسطورة التي حاكها حول ذاته.