تقترن إشكالية اللامفكر فيه والمنسي، بمعضلة العائق المعرفي الذي يلزم الذات بالمراوحة الجزئية والمقننة في واقع انشغالاتها، ضمن ما تتيحه إكراهات الضرورة، وضمن ما تسمح به إواليات التداول لما هو سائد ومتعارف عليه، مع الأخذ بعين الاعتبار، فضلا عن ذلك، اقترانها بسلطات الرقابة الخارجية، التي تتحول تدريجيا إلى رقابة داخلية، تتحكم تلقائيا في برمجة ما يجب استحضاره، وما يجب تغييبه. ذلك أن التوسيع المنتظم لكل من هامش المعرفة والحرية، يساهم بشكل مباشر في استعادة الكثير من القضايا الجديرة بإعمال الفكر، كي تعلن من جديد عن حضورها في منطقة المساءلة والبحث، حيث تتآزر العناصر في ممارستها لطقوس ما تكون بصدد إنشائه أو هدمه، وطبعا انسجاما مع خصوصية السياق الواردة فيه، وأيضا انسجاما مع القضايا النظرية المعنية بالتفكير والاستعادة. وكما هو معلوم، فإن تاريخ الخطابات الفكرية والإبداعية، هو بامتياز تاريخ الإقصاءات المتبادلة، خاصة حينما يتعلق الأمر بالقضايا الوجودية الكبرى، ذات المرجعيات الدينية، حيث يتحول المفهوم الواحد، إلى نواة قابلة لتفجير الكثير من المفاهيم والأسئلة الموسومة بتنابذات وتناقضات لا تخلو أحيانا من نزوعاتها العدوانية.
وبالنظر إلى التعدد اللامتناهي لمسارات الأسئلة المطروحة على الفكر الإنساني، فسيكون من البديهي أن يكتظ مجرى الزمن، بما يترتب عنها من خطابات، تساهم إضاءاتها في تحقيق ما أمكن من التوازنات بين الكائن، ومحيطه الروحي والفكري. علما أن حظ هذه الخطابات من الوصول إلى متلقيها، يظل محكوما بغير قليل من الشروط التي ستجبرها في حالة غيابها، على الإقامة القسرية داخل خانة المنسي واللامفكر فيه. وكما هو واضح، فإننا غير معنيين هنا بالتركيز على أولوية التناول المدرسي، أو الأكاديمي للتيارات والمذاهب الفكرية والإبداعية، التي يكون الباحث إزاءها ملزما بالتطرق إلى أدق تفاصيل سيرورتها، بقدر اهتمامنا أساسا بتفرد بعض من هذه التيارات بحضورها الوازن في المشهد الحضاري، دون غيرها.
ونعني به الحضور الموحي بقدرتها على احتلال تلك المساحة الواسعة والخصبة، من راهن الخطابات الفكرية والإبداعية، باعتبارها سندا مرجعيا يستأنس به المهتم في بحثه الحثيث عن مدارج القول. بمعنى المدارج التي ساهمت في إنشائها مجموع الاجتهادات المعرفية الصادرة عن مختلف الجغرافيات الحضارية، في محاولتها تقديم ما يكفي من الأجوبة، عن الأسئلة الأساسية التي لا يني الوعي البشري يطرحها، كلما ضاقت به سبل الفهم، وتعذرت عليه إمكانية الرؤيا. ومن المؤكد أن التموضع الفعلي داخل نسق معين من الأنساق الفكرية أو الإبداعية، هو الصيغة الطبيعية التي يمتلك بها الكائن الشعري أو الفلسفي شرعية وجوده، داخل الخضم الأهوج المتعارف عليه بالحياة المعرفية، ما يحفزه على تجنيد أهم الاستراتيجيات الحجاجية المتاحة والمؤهلة لتكريس هذه الشرعية، وبالتالي تحويلها إلى منهجية نموذجية يقتدي الآخرون بـ»حكمتها «، خاصة حينما تصبح ضاربة بجذورها الحية والعميقة، في تربة التفاعل المعرفي والثقافي.
ونعني به الحضور الموحي بقدرتها على احتلال تلك المساحة الواسعة والخصبة، من راهن الخطابات الفكرية والإبداعية، باعتبارها سندا مرجعيا يستأنس به المهتم في بحثه الحثيث عن مدارج القول.
ولعل أهم هذه الاستراتيجيات، تفنيده/تفكيكه للخطابات المحايثة، والمستغلة في المجال نفسه، والدفع بها إلى هوامش النسيان المسكوت عنها، أملا في تأكيد استحواذه التام أو النسبي، على مراكز التلقي ومشاهده. والجدير بالذكر، أن هذا الاستحواذ يعتبر بالنسبة للكثيرين من المفكرين والمبدعين، مسألة حياة أو موت، يكونون معها مطالبين بتقمص أرواح «الدعاة» و»المخلصين»، الذين تعج بهم الذاكرة الدينية والأخلاقية، منذ ليل الأزمنة القديمة إلى الآن، بوصفهم المؤطرين التاريخيين والشرعيين للحياة الفكرية والإبداعية التي يمارس بها الوعي البشري استكناهه لحقائق الوجود، ذلك أن إدراك ما تيسر من أسرار المتاهة المتجددة الأبعاد، بما هي مداخل ومخارج وانعطافات ملتبسة، والمعبر عنها بمتاهة الوجود، هو في واقع الأمر شأن معرفي، لا يمكن الإلمام بمقتضياته إلا بقوة التوافر الاستثنائي للشرط الاجتراحي، المنبجس عن فيض الأحوال الفكرية والعرفانية في آن. أي الفيض المجسد بالملموس في عطاءات أهم المنارات الفكرية والإبداعية، التي جادت بها العبقرية الإنسانية على امتداد الأحقاب والعصور.
وإذا ما نحن أخذنا بعين الاعتبار، استفحال ظاهرة النزوع الهيمني التي تستقوي بها الكثير من النماذج المدعية، قصد ضمان تموقعها داخل الفضاءات المعرفية، فإننا قد ننتبه إلى دلالة احتجاب نسبة هائلة من الأعمال الفكرية والإبداعية الكبيرة في هوامش المنسي واللامفكر فيه، بانتظار التوقيت الملائم والموضوعي الذي يسمح بحضورها، كي تتحدث إلينا من جديد، حيث سنكون بموجب ذلك، إزاء نداء يدعونا لتوخي المزيد من الانصات وإعمال النظر الإضافي، إذ ثمة ما أنت مطالب خلسة بسماعه أو رؤيته، وثمة أيضا ما هو مقبل على الانبجاس، من صلب ذلك المكان الملتبس، الذي لم يحدث من قبل أن راودتك فكرة الوجود فيه.
فما أنت مقبل على إدراكه الآن، هو بعض من ممتلكاتك المنسية، التي لم تكن من قبل منتبها إلى حضورها، باعتبار أن ما من موجود، إلا وهو في متناول اختبارك وتعرفك، إنه يتهيأ للانكشاف تحت ضوء استفسارك، في انتظار أن تراه. وحالما يحدث ذلك، تكون متأكدا من أن هذا المرئي، هو من بين المرئيات التي تم إيجادها من أجلك، والتي سيكون عليك أن تنفتح على هباتها، بحثا عن تماه ممكن، أو عن مغايرة محتملة، استبعادا للعنة فقد معرفي محتمل. علما بأن التمادي في إغلاق دائرة التفكير، من منطلقات حذر فكري ما، هو في الأصل تأكيد على غياب الحاجة إلى استعادة المنسي أو المسكوت عنه. لكن مع ذلك، ينبغي التنويه بكون غياب الشيء/الخطاب، لا يعني بالضرورة غيابه عن مدار الفكر، بقدر ما يعني أنه مفكر فيه من خلال السكوت عن ذكره، حيث يمكن الفصل بين اللامفكر فيه الذي يكون غائبا جملة وتفصيلا عن مركز الإدراك، واللامفكر فيه الذي يصبح كذلك، بفعل اتخاذه صفة الغائب، فقط لأننا تعمدنا السكوت عن ذكره. فيما يكمن الحد الفاصل بينهما، في هاجس تعمد الصمت، وتعطيل لغات استعاداته.
وبالتالي، إنه مفكر فيه بصمت، ولا مفكر فيه من جهة غياب هاجس الحديث عنه. إن الأمر يتعلق هنا بنوع من الحظر القسري أو الصمت الاختياري. والمسكوت عنه بهذا المعنى، يكون مفكرا فيه، إلا أنه ومن خلال الصمت المطبق حوله، يأخذ أشكالا وتجليات هجينة، ما كان ليأخذها لو أننا تفاعلنا معه باستحضاره وإنطاقه بصيغة طبيعية وعادية، ذلك أنه وبفعل الغياب القسري، يتخذ أشكالا لا علاقة لها بهويته. إن الحديث عن الشيء هو الذي يؤدي إلى إعادة تظهيره، بما يجعله متاحا. بمعنى أن هويته تتشكل من جماع تصورنا المعلن عنه. وهو أمر لا يتحقق إلا عبر لعبة التوصيف التي يحدث أن تأخذ أشكالا متعددة، وفي غاية التباين والاختلاف. ففي منطق التناسي والتغييب، يستحيل الحديث عن هوية الشيء، ذلك أن هذه الهوية، وتبعا لذلك، تظل غامضة حتى في حالة إثارة حديث مختلق ومفتعل عنها. حيث يتشابه كل من النقاش العشوائي مع التجاهل والتناسي المبيت، في لعبة طمسهما معا لمعالمها.
شاعر وكاتب مغربي