تحدث الكثيرون مؤخراً عن «الخذلان» العربي للأردن، بضائقته المالية الحالية في كلام مردودٍ عليهم/ وكأن الأردن والأردنيين هم محلُ الصدقة والهبات والمكرمات العربية وغيرها. وتناسوا أنه في ظـــروفٍ أصعبَ وأكثرَ «خُذلاناً» من هذه بكثير لم تَنحن هامات الأردن.
فرغم الضائقة المالية الكبيرة التي يعيشها الأردن اليوم، والضغوطات الخارجية المتناقضة، يتعامل الملك عبدالله الثاني باقتدار كبير مع الكثير من الملفات الحساسة، خاصة الأمنية، التي أنتجت جبهة أردنية داخلية متماسكة، رغم ملفات التشتيت الكبيرة، التي فرضت نفسها وبقوة على الواقع الأردني مؤخرا ما بين المحور السعودي الشقيق وإرسال الرسائل التقاربية مع إيران، التي تحمل في طياتها التعامل مع تناقضات التفاعلات الطائفية الخطيرة في سوريا والعراق واليمن ومحورية الدور الأردني المأمول في الحرب على الإرهاب، في ظل الخطر الحقيقي من العناصر الإسلامية المسلحة على طول الحدود الأردنية، ومحاولات تصدير دمويتها إلى الأردن بمساعدة الخلايا الإرهابية النائمة.
مضافاً إلى هذه الملفات المتناقضة والمفروضة على الأردن، تضارب الحاجات الضرورية والأساسية للمواطن الأردني، الذي بنخوته العربية الأصيلة لا يقبل التطبيع مع العدو الصهيوني، مع ظهور إسرائيل اليوم «كشريك إستراتيجي» في تغطية النقص المائي الأردني المتنامي والآلية المُثلى لمشروع «ناقل البحرين» واتفاقيات توريد الغاز الطبيعي للأردن، التي صادقت عليها إسرائيل مؤخراً، خاصة بعد فشل الخيار المصري والتفضيل الروسي لإنشاء المفاعل النووي الأردني، لتغطية احتياجات المملكة المستقبلية من الطاقة، وضرورة ألا يؤثر هذا سلبياً على التوجه الأردني الغربي وعلاقاته الإستراتيجية مع الولايات المتحدة. ورغم أن كل هذه الملفات المتناقضة يجب أن تخضع للتحليل الموضوعي وبأعلى درجات الشفافية، الإ أنها ليست محلاً للمزاودة على صاحب القرار الأردني، في محاولات للاقتناص السياسي والانتقاص من الأردن ومواقفه الوطنية. ولكن كل ما سبق لا يمنع الإشارة إلى التقصير الرسمي الشديد، الذي فشل وبشكل لافت للانتباه في لجم ظاهرة المحسوبية المُمنهجة في الأردن، حيث مازال منافقو النظام ومحاسيبُه الذين توارثوا المواقع أو سطو عليها بحكم النسب والمصاهرة والعلاقات الشخصية، يجثمون على الغالبية المطلقة من المواقع الأردنية العُليا، وبشكل يُضعف الروح الوطنية للملايين في الأردن، خاصة شبابه الذي يؤمن بمبدأ المنافسة الشريفة، التي هي اليوم عماد قوة المجتمعات المُتقدمة وسبب ازدهارها. فأين النتائج الوطنية الأردنية الجاده المُعَزَزَة بالحماية التشريعية لحماية الأردني البسيط من مافيات الحكم هذه، التي تُحكم اليوم قبضتها على مقدرات الأردن في ظل الأداء الأكثر من سيئ لمجلس النواب الأردني؟
ومن المفارقات أن هذه الشلليات من مافيات الحكم والتسلط، التي هي ليست أكثر من فقاعات نفاقية «براسيتيكية» جعلت من نفسها قلب النظام الأردني وقالبه، ما زالت تتغذى على أمراض المجتمع الأردني وتناقضاته، مُعزِزَةً لقيم الفساد والانتهازية الاستنفاعية على حساب الأردن وقيمه العُليا، ومع تسميمها لبراءة الطرح الوطني الأردني، بتلاعبها بالقيم الأردنية العليا، فهي ما زالت تصف نفسها اليوم بأنها من «النخب»، كما قال مؤخراً رئيس وزراء أردني سابق توارث موقعة الرئاسي على حساب قيم الشفافية والنزاهة والمنافسة الشريفة. رغم موقعه المتقدم اليوم في مجلس الأعيان الأردني (مجلس الملك) ألا يعلم هو وغيره من الأصهار والمحاسيب، أنهم فاقدون للشرعية الوطنية، حتى عندما يكونون على رؤوس مواقعهم العُليا، التي سطو عليها باستغفالهم للإرادة الوطنية، وأن أصغر حراكي في الأردن هو أكبر من كل مواقعهم الرسمية مهما اجتمعت وعلت؟ فهو وغيره ليسوا أكثر من دوائر استنفاعية مُغلقة تحارب وبكل شراسة كل أردني مؤمن بقيم المنافسة الشريفة، فبالإضافة لتآكل العديد من المؤسسات الوطنية الأردنية، ها هي الصحافة الأردنية التي كانت بالأمس صرحا وطنياً شامخاً تنهار اليوم بسبب تراكم التعينات الاستنفاعية لهذه الشلليات التي لم تُنتج أكثر من أبواق صحافية عديمة التأثير والعمق، على حساب الأردن وقيمه العليا.
من عرف الأردنيين يعرف أنهم أصحاب نخوة وأصالة وأن غالبيتهم العُظمى تفرح بالإنجاز الأردني القائم على الكفاءة والمنافسة الشريفة، في ظل الشفافية والاحترام التام للقانون الأردني. فمن تابع الاحتفاء الوطني الأردني مؤخراً بالتضحيات البطولية للوكيل عمر فلاح البلاونة في إنقاذه للطفلين العراقيين وذلك بمخاطرة كبيرة ونكران تام لسلامته الشخصية، في عملية استمرت ساعات عديدة في قلب البحر الميت في سبيل تأدية الواجب، يعرف أن المسألة ليست مرتبطة بشخوص معينة، بل هي تلك المنهجية البغيضة التي وظفتها هذه الشلليات المتحكمة للوصول إلى مواقعها وبقائها فيه.
المطلوب اليوم، تحجيم المحسوبية والشللية في المواقع العُليا، واعتبارها من الأخطار الأساسية التي تتوجب محاربتها بكل نجاعة، لأن التقصير في حسم هذا الملف المهم، مسألة مرفوضة جملة وتفصيلا، حيث هي فعلاً قضية التزام حقيقي بقيمنا الأردنية العُليا والدفاع عن حقوق مئات الآلاف من شبابنا الأردني المؤمن بالشفافية والمنافسة الشريفة، في ظل الهجمة الشرسة من الشلليات المتنفذة والفاقدة للشرعية الوطنية. فالإرث التاريخي الحقيقي للأردن لن يتحقق فقط بالانضمام للأحلاف العسكرية وتحوله إلى طرف من أطراف تناقضات الواقع العربي، بل بغرس قيم العمل والمنافسة الشريفة وإطلاق طاقات الأجيال الأردنية الشابة. والملك عبدالله الثاني الذي يقف شامخاً بنظامه الأردني الهاشمي العروبي، الذي هو اليوم آداة حضارية ذات شرعية تاريخية للنهوض بهذه الرقعة المباركة المغروسة في عمق الوجدان العربي بكبريائه وتعففه، ليس بحاجة لتسويق الشلليات المتحكمة، فهو أقرب من أي وقت مضى لِهَمَّ مواطنه البسيط وضرورة حمايته من شلليات المحسوبية الممنهجة التي تنتشر اليوم كالخلايا السرطانية في الجسد الوطني الأردني.
٭ أكاديمي أردني ـ بريطانيا
د. لؤي منور الريماوي