القاهرة ـ «القدس العربي»: في ما يعرف بتيار الحداثة وما بعد الحداثة تأتي قصائد الشاعر محمد الكفراوي في ديوانه «حلم وردي يرفع الرأس» نموذجا تطبيقيا لهذا الجنس الأدبي الأوسع انتشارا، حيث يعتمد لغة نثرية مشبعة بالصور الشعرية ذات الدلالات الإنسانية المنطوية، إلى حد كبير على نزعات التمرد والرغبة الصريحة في كسر التابوهات، لتحرير العقل والوجدان من كوابح التقاليد والقيود والنمطية في التعبير والاحتماء في اللغة كمسوغ لإثبات الحالة الإبداعية، من دون وجودها بشكل حقيقي، يجنح الشاعر كثيرا نحو عوالم غرائبية، ولكنه في الوقت ذاته لا ينفصل تماما عن عالمه الشخصي، ويظل محكوما بمنطقية التعبير والطرح، فهو لا يتحدث في المطلق، وإنما يذهب إلى أبعد من الصورة الدارجة والمعني القريب، إذ يشغله ما يظهر ويختفي في الداخل الإنساني من هواجس وهلاوس وأضداد فيقبض على بعضها في لحظات خاطفة ويحيلها إلى سطور شعرية فيها ما فيها من ظلال الأرق والخوف والفوضى.
ففي ديوانه يصدر لنا محمد الكفراوي عبارات قصيرة أو متناهية القصر، يدلل بها على ما يراه ويحسه ويتوقعه فيقول: «بسبب كل ما حدث وكل ما يحدث أتوقع مصيرا مهينا للبشر».. هكذا بكل وضوح يبوح بما وقر في قلبه عن عذابات الإنسان وما ينتظره جراء ما اقترفته يداه، ولا يتورع عن تشاؤمه في الصورة الظنية بالغة القتامة، ولا يرى مبررا للامتناع عن الكلام والفضفضة، غير اخرس الذي هو آفة الخوف، ولم يشأ الكفراوي أن يمد طرف قصيدته بمزيد من الإيحاءات عامدا أن تبقى كما هي عليه مجرد حدس لا يرقى إلى مستوى الرؤية.
غير أنه يعود في موضع آخر وقصيدة أخرى، مؤكدا أن لديه نبوءة وهو عنوان يدرج تحته مأساة أخرى أبطالها الموتى أو الشهداء، ويرسم صورته على هذا النحو، الجثث التي تتساقط، الجثث الأليفة المشحونة بالمودة، البشر الذين عرفتهم والذين لم تعرفهم، هذه الجثث ستملأ حياتك بملمسهما الطري وتؤنس وحدتك.
هنا يذكر الشاعر بالحياة التي كانت والعلاقة التي ربطت بيننا وبين من تحولوا إلى جثث في غفلة من وعينا وذاكرتنا التي لم تبق حتى رائحة هؤلاء الشهداء بيننا. ويرى نفسه مشروع ميت، ويرانا مشاريع مؤجلة لموتى قادمين. ليس التشاؤم هو من صنع هذه الرؤية التراجيدية، ولكنه غيابنا عن ذواتنا فرض بعادنا عن الحياة وارتباطنا بالموت الذي صار الحوار معه يوميا على رأس الساعة.
ترى هل يتحقق حلم وردي يرفع الرأس بين موجات الكوابيس المتوالية؟ هذا هو السؤال الذي تجيب عنه القصيدة ذات الصلة، يجب ألا تسكت على هذا الوضع، إنه لأمر محبط ان يصطدم شاب في سنك بهذا الكم الهائل من الكوابيس والأحلام المرعبة، بينما يحظى أصدقاؤه بأحلام جميلة وردية يحكونها لحبيباتهم في الصباح بوجوه فرحة ورؤوس مرفوعة.
إنها فلسفة اختزال الحياة الأكثر جمالا في الابتسامات وفرح الوجوه البشوشة يجعلها محمد الكفراوي شعارا لحلمه المنشود، متجاوزا حزنه وألمه وفقده لمن كانوا يشاركونه الحلم والأمل. وفي سياق البحث عن ذاك الحلم يكتب عن الطفل الذي كانه والذي كناه، أملا في أن يجده بين أبيات قصائده وقوافيها، ويعلن قائلا بحثنا حتى تعبنا، فتشنا جميع الجثث التي دفناها داخلنا، ولم نعثر عليه، أطرقنا السمع إلى أنفاسنا ربما نلمس فيها صدي أنفاسه، من دون جدوى خلعنا جميع ملابسنا ووقفنا عرايا أمام المرايا، ربما نسترجع ولو ظل أعضائه الرائعة ولكننا لم نر سوى أعضاء قاسية ومرعبة.
يقطع الشاعر بصعوبة العثور على الحلم المفقود، طالما أننا تخلينا عن طفولتنا وبراءتنا الأولى، وكبرنا فجأة من دون أن نعي أن طفولتنا جزء منا، وأنها بدايتنا الهادئة ومستقبلنا الموعود، الذي هرب بينما كنا نغط في ثباتنا العميق. بكثير من الحزن والتأسي ينعى الكفراوي طفولته التي كانت، ولم يقصر التجربة على ذاته فقط، ولكنه يسقطها على غيره من مجايليه ورفاق رحلته العمرية، وفي هذا المضمار يكسب تجربته الشعرية الحداثية عمقا فينأى بها عن التشابه والخفة والسطحية التي يتسم بها صنف من المنتمين لهذا التيار.
يمضي صاحب الحلم الوردي في مشواره ورحلته وأمنياته، وعلى عكس ما يفرضه المنطق لم يرجئ حديثه عن الحقيقة المطلقة أو المنشودة إلى نهاية مطافه، بل يجعلها تسبقه إلى القارئ ويضعها في صدارة الديوان، معنونا إياها بالحقيقة المرة ومعترفا بشعوره الملح للصراخ بها باعتبارها الغاية الأسمى التي تجب كل الغايات، ومن ثم يصرح في جزء من القصيدة أحيانا اعتقد أن الجميع يعرف لكن أحدا لا يستطيع فتح الموضوع مع الآخر حتى لا يحدث أي خلل. وهكذا يصل المفهوم بأن إخفاء الحقيقة أحيانا يكون فعلا اضطراريا تجنبا للخلل والفوضى.
كمال القاضي