أدب.. فلسفة أي علاقة؟

حجم الخط
1

ذات يوم من سنة 1968 أعرب ألبرتومورافيا عن قلقه من حقيقة أن البعد بين «التصور في الأدب والشيء المتصور» آخذ دائما في النقصان، بمعنى أن الأدب صار أكثر شبها بوثيقة أو وتسجيل؛ وعندما تنمحي هذه المسافة تماما فلن يكون هناك وجود للخيال الذي نعرفه؛ لكن على الرغم من ذلك فإن حضور الفعل الفلسفي أمر طبيعي وقائم في المدخل إلى كل علومنا كما في حياتنا اليومية العادية يقول كارل بوبر: «إن كل رجل أو امرأة هو فيلسوف؛ إنما بنسب مختلفة؛ فهناك دائما رأي أو موقف؛ والفلسفة ليست بعيدة جدا عن ذلك «فالفلسفة تؤثر في حياة الناس بشكل مباشر حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يسمعوا بها».
وقد تميز قدماء اليونان عن باقي الأمم بنظرتهم الخاصة إلى الحياة؛ ذلك أنهم كانوا ينظرون إليها بروح يسودها المرح؛ وتشملها الرغبة في تقصي حقائق الأمور؛ ولذا كشفوا عن كثير مما كان غامضا أو مبعثا للخرافات؛ وأضاءوا بنور عقولهم ظلمات الجهالة؛ ولازال هذا النور نبراسا يهتدى به إلى الآن.
ما هي الفلسفة.. وما هي قضاياها.. وما هي مناهجها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة أمر ضروري لتبين العلاقة القائمة بين الأدب والفلسفة.
ولد سؤال (ما الفلسفة؟) يوم ولد التفكير الفلسفي في مدينة ملطية اليونانية، منذ أكثر من عشرين قرنا؛ وهي وليدة نظرة العقل البشري إلى الوجود في أصله وجوهره ومصيره؛ وتطلع العقل إلى إدراك المبادئ الأولى فيه؛ والعقل هبة من الله تعإلى؛ يتتبع به الإنسان الموجودات ويحاول أن يدرك ماهياتها وشكلها.
ومن العلامات الفارقة في الفلسفة أنها تتساءل عن كل شيء ولا تدعي صحة أي شيء؛ وتعرض الادعاءات أو الآراء التي ينطوي عليها تفكيرنا اليومي عن العالم؛ وعن أنفسنا؛ وقيمنا؛ ومعتقداتنا وتناقشها.
ولعل أقدم تعريف للفلسفة؛ إنما انبثق من معنى الكلمة اليونانية الأصل؛ إذ تعني «محبة الحكمة» أو «الرغبة في الحكمة» والفيلسوف هو الراغب والمحب للحكمة. وهذه الرغبة في الحكمة هي التي أعطت الفيلسوف هذا الاعتبار وهذه الفرادة والتميز؛ فالحكمة عند اليونان صفة للآلهة وليست للبشر. وقد عرفها أرسطو في «ما بعد الطبيعة» بكونها «معرفة الوجود في ذاته» أي البحث في جوهر الوجود؛ ولكن معرفة الوجود تصطدم بتعريف الوجود ذاته وطبيعته وموضوعيته؛ وتُواجه بتساؤل مشروع حول مدى موضوعية معرفتنا للخارج؛ بل ومدى موضوعية هذا الخارج بالذات، وفي ظل عقبات أساسية كهذه؛ اعتقد العديد من المشتغلين بالفلسفة أن بحث الوجود في ذاته أمر لا طائل تحته؛ ولن يقودنا إلى أي معرفة فعلية مضمونة. ومع الوضعيين الجدد تتنازل الفلسفة عن جوهرها لتتحول، كما يريدها فيغنشتاين، إلى أداة تحليل اللغة لكي تزيل كل أثر للغموض، رغبة في الإيضاح المنطقي للأفكار.
نشأت الفلسفة منذ كان العقل البشري؛ ونشأت منذ فتح الإنسان عينيه على الوجود؛ ومنذ فاه العقل بـ»لماذا» الكبرى. وقد مرت الفلسفة اليونانية بثلاث مراحل: ما قبل سقراط؛ وفيها نشأت الفلسفة؛ ثم من السفسطائيين إلى آخر عهد أرسطو؛ وفيها بلغت الفلسفة اليونانية رشدها؛ وأخيرا ما بعد أرسطو، حتى بدء العصور الوسطى؛ وفيها أخذت الفلسفة اليونانية في التدهور…
وتطرقت الفلسفة إلى ثلاثة موضوعات رئيسية: معرفة النفس انطلاقا من قولة سقراط الشهيرة «إعرف نفسك بنفسك» وذلك بمعرفة طبيعتها ونزعاتها وميولها؛ وجميع أوجه نشاطها؛ ومعرفة علاقتها بالجسد والبيئة المادية والإنسانية التي يعيش فيها الإنسان.
وعندما يعرف الإنسان نفسه يعرف قواها العقلية التي تميز الإنسان عن الحيوان؛ حيث أنه بفضل العقل يستطيع أن يميز بين الأشياء ويحكم فيها بعقله بين الحق والباطل والعلم الذي يهتم بهذا المجال هوعلم المنطق. وعند معرفة النفس وضبط إيقاعها مع العقل في إصدار الأحكام المنطقية؛ لابد للنفس من مصالحتها مع الجسد؛ للعمل جاهدا للتمكن من عمل الخير وتجنب الشر؛ وهذا علم الأخلاق.
لقد كانت قيادة الفكر اليوناني منذ القرن العاشر قبل الميلاد في أيدي الشعر والشعراء؛ وكانت السيادة فيه للخيال الذي نجده في الشعر، الذي يستهوي الأمة في مراحل الطفولة؛ فكانت قصائد هوميروس وهزيود شائعة بين الناس يحفظونها وينشرونها. والأدب الفلسفي هو أدب أولا ثم فلسفي ثانيا؛ إنه أدب يحمل بعدا فلسفيا؛ فيه التساؤلات الفلسفية المقلقة بقضاياها الوجودية الكبرى؛ لكن على الرغم من ذلك فإنه يبقى أدبا جميلا له أدبيته. والعلاقة بين الفلسفة والأدب هي علاقة عدائية منذ بدايتها، خاصة مع أفلاطون؛ الذي اعتبر الشعر إيهاما وكذبا وثورة على الأخلاق؛ فكان بذلك أفلاطون، إن صح التعبير، أول من وظف النقد الاخلاقي ؛ فهو يرى في القصائد التي يكتبها الشعراء أنها تحتوي على معرفة وهمية؛ لا تتطابق مع الأيدوس ويستشهد في ذلك بقصائد هوميروس وهيزيود، حيث يشير إلى أن هذه القصائد تصف الآلهة بصفات غير لائقة، وأنهما ترسمان الآلهة باعتبارها ساخرة وساحرة لاهية وعابثة؛ بل وخليعة أيضا لا تهتم أبدا بما يقع في العالم المحسوس؛ يقول أفلاطون في محاورة من إحدى محاوراته «…أعني تلك التي رواها هوميروس وهيزيود وغيرهما من الشعراء، وهم أعظم رواة القصص الكاذب الذي لا يزال شائعا بين الناس؛ غير أنه ينبغي علينا أن نشير بأن الشعر الذي يقصده أفلاطون هو الشعر الملحمي والمسرحي الذي يحكي فيه الشاعر حكاية ما، مصورا فيها الناس وأحوالهم وأعمالهم، من دون أن يظهر فيها بشكله الشخصي؛ بذلك فقد أعلى أفلاطون من شأن الشعر الغنائي، على حساب الشعر الدرامي بقسميه الملحمي والمسرحي، لأن الشاعر في الأول إنما يتلقى وحيه وإلهامه من الله مباشرة (فهو منشد ملهم تبثُ الآلهة حديثها على لسانه) إنه متصل مباشرة بإله الكون وهو بذلك أعلى مرتبة من الشاعر المحاكي للأشياء. أما أرسطو فيرى أن الشعر لا يحاكي الناس بذواتهم، بل يحاكي الفعل والحياة؛ والسعادة والشقاء، هما من نتائج الفعل؛ وغاية الحياة كيفية عمل لا كيفية وجود. إن أرسطو في كتابه «فن الشعر» سلك نهج أستاذه أفلاطون في «الجمهورية» في نظرية المحاكاة غير أن أرسطو يفصل المحاكاة ببعديها المنظور والمسموع؛ والمحاكاة عند أرسطو ليست فقط جوهر الشعر الدرامي الذي هو كل الشعر عنده؛ بل أن المحاكاة تختص كذلك بالعبارة التي تؤدي هذا الشعر؛ ذلك أنه يرى أن أعظم الأساليب حقا هو أسلوب الاستعارة الذي (هو آية الموهبة لأن إحكام الاستعارة معناه البصر بوجوه التشابه). وسار على منواله الفيلسوف الفرنسي ديكارت في القرن السابع عشر، وكذلك الفلاسفة النفعيون مثل جون ستيوارت ميل. ومع انبهار الإنسان بالإنجازات العظيمة للثورة الصناعية؛ فقد ألقـى العالم الإنكليزي توماس هكسلي (1825- 1895) خطبة نعى فيها الأدب.. وعدّ من الحمق والشعوذة وجوده في عصر العلم والتنوير والعقلانية؛ وفي القرن العشرين استمرت النظرة المضادة للأدب، رافضة أي تطابق فلسفي مع الأدب.. وقد طرح جورج بواس في محاضرة له بعنوان «الفلسفة والشعر» هذه النظرة بصورتها الفظة: «تكون الأفكار في الشعر عادة ممتهنة وغالباً زائفة»، فيما كان يرى ت.س. إليوت أنه «لا شكسبير ولا دانتي قاما بأي تفكير حقيقي»!
غير أن هناك من يرى العلاقة الوطيدة بين الفلسفة والأدب ف(نيتشه) وهو الفيلسوف الذي دافع عن الأدب وعد هيمنة الفكر على العاطفة أمرا خطيرا في كتابه «ولادة التراجيديا» ودعا إلى أنه من الضروري ألا نوغل في الفكر وننسى الوجدان الذي يمثله جانب الأدب؛ ودعا إلى حل هذه المعضلة من خلال «العودة إلى ما يعتمل في أنفسنا من عناصر بدائية للارتشاف من نبع العاطفة.. حتى ولو أدى ذلك إلى تحطيم الفكر التحليلي» وفي الاتجاه نفسه سار مارتن هايدغر الذي كان معاديا للميتافيزيقا والشعر؛ حيث اعتبر الميتافيزيقا والشعر ما هما إلا «صورتان إنسانيتان للتعبير عن الوجود، كما أن منطلقهما هو الآنية المتفاعلة روحياً وعقلياً مع ذلك الوجود»، وقد حاول ربط علاقة وطيدة بين الفلسفة والشعر عن طريق إحداث الروابط بينها والوقوف عند القواسم المشتركة بين الفلسفة والأدب؛ والقاسم المشترك بينهما في نظره هو اللغة؛ لأن الشعر والفلسفة يؤسسان وجودهما بواسطة اللغة؛ ولهذا يؤكد أن الفلسفة والأدب مرتبطان ارتباطا وثيقا والعلاقة بينهما علاقة عشق أبدي، علاقة حب حارق، يجعل كلا منهما عاجزا عن العيش بعيدا عن الآخر.

ناقد مغربي

محمد يوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية