تساؤلات حول انقلاب الرابع عشر من يوليو في العراق

بعد كل هذه السنين ووفاة أغلب شهود العيان والمشاركين، فإن اكتشاف حقائق جديدة عن انقلاب الرابع عشر من تموز/يوليو عام 1958، الذي قاده العميد الركن عبدالكريم قاسم، يزداد صعوبة مع الأيام، لكن دراسة متعمقة لكيفية حدوث هذا الانقلاب، وطريقة الإعداد له، تبين بعض النقاط التي تستحق التدقيق.
كان الجيش العراقي عام 1958 يتكون من ثلاث فرق، وهي الفرقة الأولى في الديوانية تحت قيادة اللواء الركن عمر علي والفرقة الثانية في كركوك بقيادة العميد الركن عبدالوهاب شاكر، والفرقة الثالثة في جلولاء بقيادة اللواء الركن غازي الداغستاني، أما العميد الركن عبدالكريم قاسم فكان آمر اللواء التاسع عشر في الفرقة الثالثة. وكان العراق في تلك الفترة يحقق أعلى نسبة نمو اقتصادي وثقافي في الشرق الأوسط والعالم العربي، وكان الحزب الشيوعي قد انتهى كقوة تحرك الشارع منذ عام 1956، لكنه ما يزال موجودا.
بدا الانقلاب في الساعات الأولى من يوم الرابع عشر من عام 1958 عندما غادر اللواء العشرين معسكر الفرقة الثالثة في جلولاء متوجها إلى الأردن، حسب جدول زمني تم الاتفاق عليه مسبقا ليحل محل اللواء السادس عشر للجيش العراقي في الأردن، حيث قضى ستة أشهر هناك. ونجح العقيد الركن عبدالسلام عارف في السيطرة على قيادة ذلك اللواء. وما أن دخل اللواء العاصمة العراقية بغداد حتى توجه عبدالسلام عارف إلى الإذاعة والتلفزيون بينما توجهت سريتان إلى القصر الملكي لتنفيذ الانقلاب، لكن هذا الوصف البسيط لا يشمل التساؤلات والغرائب الكثيرة حول هذا الانقلاب.
أثير أول تساؤل حول اللواء الركن غازي الداغستاني، ويؤكد المؤرخ العراقي خليل إبراهيم حسين في كتابه «موسوعة ثورة 14 تموز» أن غازي الداغستاني كان على علم تام بكل خطط عبدالكريم قاسم، وإذا كان ذلك صحيحا، فإن تعيين غازي الداغستاني قائدا للفرقة الثالثة، ربما لم يكن مصادفة إذ أن عبدالكريم قاسم كان آمر أحد ألوية تلك الفرقة، لكن للواء الركن غازي الداغستاني تاريخا لم يكن خاليا من التساؤلات، فقد كان قد عين قبل ذلك معاونا لرئيس الأركان بشكل غير متوقع، مثيرا سخط ودهشة كبار الضباط العراقيين، لوجود عدد منهم أكثر استحقاقا لهذا المنصب، لأنهم أكثر كفاءة وخبرة منه، مثل اللواء الركن عمر علي واللواء الركن خليل جميل، ثم فجرت وزارة الدفاع العراقية مفاجأة أخرى بتعيينه قائدا للفرقة الثالثة في جلولاء، حيث شكل ذلك تخفيضا طفيفا لمنصبه، وكان غازي الداغستاني على علاقة وثيقة بالعائلة المالكة، لاسيما الأمير عبدالإله الذي كان الشخصية المسيطرة في العائلة.

ولي العهد الامير عبدالاله بن علي

كان التساؤل الآخر حول اللواء الركن مزهر الشاوي معاون رئيس الأركان للشؤون الإدارية، وإن صح ما يذكره مصدر مقرب منه، قام العقيد الركن عبدالسلام عارف بزيارته في مكتبه، مبلغا إياه بخطة الانقلاب التي شملت قتل العائلة المالكة ونوري السعيد، إلا أن مزهر الشاوي، حسب المصدر نفسه، رفض الاشتراك في قتل العائلة المالكة، لكنه لم يعترض على قتل نوري السعيد. والغريب هنا كيف استطاع عقيد أن يكشف خطة انقلاب للواء ركن للإطاحة بالنظام، ولا يحاول اللواء إيقافها. وبذلك يكون اللواء الركن مزهر الشاوي قد اشترك في الانقلاب، بعدم إبلاغ رؤسائه بالأمر، وما يحدث في الحالات الطبيعية أن يقوم اللواء باعتقال ذلك العقيد بنفسه وفورا.. فما هو إذن سبب تعاون مزهر الشاوي؟ ولماذا كان عبدالسلام عارف واثقا فيه.

وتساؤل آخر حول العقيد الركن عبدالسلام عارف، الذي يعده الكثيرون منفذ عملية الانقلاب الحقيقي، فالرجل كان متزوجا ولديه سبعة أولاد، اي أن دخوله في هذه المخاطرة كان يعني وضع مصير عائلته على المحك. لكنه لم يقد القوة المهاجمة على القصر الملكي، بل ذهب إلى دار الإذاعة، بينما توجهت سريتان إلى القصر الملكي لمهاجمته، وكان ذلك عملية انتحارية، فقد كان الحرس الملكي أكثر عددا وأفضل تسليحا من الانقلابيين، لاسيما أن تسليح كل جندي في السريتين لم يتجاوز خمس رصاصات، أي أن مواجهة بين الطرفين كانت ستنتهي بانتصار الحرس الملكي. وتستمر الغرائب، فما أن وصلت السريتان حتى أطلق كل من كان فيها تلك الطلقات الخمس، وعم الهدوء على المكان، لكن الحرس الملكي لم يرد لأنه كان ينتظر الأمر من قائد القوات المسلحة، أي الملك فيصل الثاني نفسه، لكن ذلك الأمر لم يصدر من قبل الملك الشاب (23 عاما) لأنه لم يكن قادرا على مواجهة أي موقف، وخضع تماما لمشيئة خاله الأمير عبدالإله، الذي نصحه النقيب في الحرس الملكي ثابت يونس بالهجوم على الانقلابيين والسيطرة على بغداد بأكملها، لكن عبدالإله لم يقم بذلك، بل تريث.

والسؤال هو ماذا كان عبدالإله ينتظر، هل اتصل بأحد ما نصحه بالاستسلام، ومن هذا الذي لديه القابلية على إقناعه بالاستسلام؟ هل حاول الاتصال بقطعات الجيش العراقي، أو القوة العسكرية التابعة للشرطة العراقية، التي كانت غير بعيدة عن القصر الجمهوري، أو أي جهة أخرى، فقد كانت بدالة هاتف القصر الملكي تعمل حتى قبيل انتهاء الانقلاب، لكن جانب من شخصية عبدالإله ربما ساعد في اتخاذه قرار الاستسلام، وهو عادته في الهروب عند الشدائد، حيث كان ذلك ما قام به عام 1941 عندما تخلى عن العراق والملك الطفل ونساء العائلة المالكة وهرب. وفي نهاية المطاف كان السبب الحقيقي لنجاح الانقلاب استسلامه المفاجئ والسريع.
إذا عدنا إلى ما قبل استسلام عبدالإله، فهناك تساؤل آخر حول أمر (قائد) الحرس الملكي العميد عبيد عبدالله المضايفي، فقد كان هذا الضابط الحجازي الأصل في إجازة يوم الانقلاب، لكنه كان في بغداد، وبدلا من الذهاب إلى القصر الملكي لتولي مهامه في تلك اللحظة العصيبة، لم يفعل شيئا، حيث اعتقل فور نجاح الانقلاب. وبغيابه تولى قيادة الحرس الملكي بالوكالة العقيد طه البامرني، الذي شكل أحد أكبر المفآجات في حكاية الانقلاب. وتوجه العقيد طه البامرني إلى القصر الملكي صبيحة يوم الانقلاب، ووصل بشكل مثير للشبهات، إذ كان جنود اللواء العشرين يمنعون الضباط من الاقتراب من القصر الملكي، لكنهم سمحوا له. وعند وصوله القصر شاهده الجنود الانقلابيون وأحاطوا به شاكين نفاد الذخيرة، ومن المستحيل أن يحدث هذا في المواقف الطبيعية، لأن الانقلابيين كان من المفروض أن يعتقلوه، أو حتى يقتلوه إلا اذا كانوا على علم بأنه إلى جانبهم. ودخل طه البامرني القصر حيث تكلم مع الأمير عبدالإله، وكتب تقريرين بعد ذلك تميزا ببعض التناقض، كذلك ظهر من خلالهما أنه لم يبلغ الأمير أن الانقلاب يين قد نفدت ذخيرتهم ما يجعلهم صيدا سهلا للحرس الملكي. والسؤال هو لماذا قام طه البامرني بذلك؟ وما هو جدير بالذكر أن عدم رد الحرس الملكي بسبب موقف الأمير عبدالإله أعطى فرصة كافية للرائد عبدالستار سبع العبوسي، بتزويد الانقلابيين بالذخيرة والمدافع من مدرسة الأسلحة الخفيفة في معسكر الوشاش.

ما إن استسلمت العائلة المالكة حتى قتلت جميعها مع بضعة من العاملين في القصر الملكي، بالإضافة إلى النقيب ثابت يونس، الذي نصح الأمير عبدالإله بالمقاومة. ويذكر أن الضابط عبدالستار العبوسي هو من قام باغتيال العائلة المالكة لكنه لم يكن أول من أطلق النار، بل كان ضابطا آخر يدعى مصطفى عبدالله.

ماذا كان رد فعل بقية قطعات الجيش العراقي أثناء كل ذلك؟ حاول اللواء الركن عمر علي قائد الفرقة الأولى، التوجه نحو بغداد للدفاع عن النظام لكن محاولته أحبطت، وهناك عدة قصص متناقضة عن ذلك، أما الفرقة الثانية بقيادة العميد الركن عبدالوهاب شاكر، فكان قادتها مؤيدين للانقلاب، إذ لم تفعل شيئا لسبب ما، على الرغم من قابليتها على الوصول إلى بغداد خلال ساعات قليلة وسحق الانقلابيين بسهولة.
ما إن استسلمت العائلة المالكة حتى قتلت جميعها مع بضعة من العاملين في القصر الملكي، بالإضافة إلى النقيب ثابت يونس، الذي نصح الأمير عبدالإله بالمقاومة. ويذكر أن الضابط عبدالستار العبوسي هو من قام باغتيال العائلة المالكة لكنه لم يكن أول من أطلق النار، بل كان ضابطا آخر يدعى مصطفى عبدالله.
لم يعرف عبدالكريم قاسم بأنه ضابط لامع في الجيش العراقي أو بشخصيته الجذابة أو بعلاقاته الاجتماعية المتشعبة، لكنه عرف بتزلفه للضباط الأعلى رتبة منه، واستمر في صعوده في الجيش العراقي وكأن ملائكة كانت تحميه طوال الوقت، وأحد هذه الملائكة، لم يكن سوى رئيس أركان الجيش العراقي، أي الفريق الركن رفيق عارف، فتقارير الاستخبارات العسكرية حول تآمر بعض الضباط ضد الدولة كانت تصله، إلا أنه تظاهر بعدم وجودها. وجميع تعيينات الجيش العراقي كانت تتم بناء على تزكيته، نظرا لثقة نوري السعيد به، ولذلك يعود إليه الفضل في تعيين عبدالكريم قاسم، وكذلك عبدالسلام عارف وغيره من الانقلابيين، وحتى غازي الداغستاني. وللفريق الركن رفيق عارف فضل آخر على عبدالكريم قاسم، فهو من جعله رئيس تنظيم الضباط الأحرار، فعندما اجتمع أعضاء قيادة ذلك التنظيم في منطقة الكاظمية، وألقي القبض عليهم من قبل السلطات العراقية، وبأمر من رفيق عارف نفسه، كان عبدالكريم قاسم الوحيد الذي لم يحضر ذلك الاجتماع. وبغياب قادة التنظيم أصبح عبدالكريم قاسم القائد الطبيعي، لأنه كان أعلى الباقين رتبة. وبهذا سيطر عبدالكريم قاسم على ذلك التنظيم، وعرف كل خططه وأفراده. وهناك تساؤل آخر، هل من المعقول أن من تم القبض عليه لم يتم التحقيق معه وذكر عبدالكريم قاسم؟ وما حدث للمعتقلين كان مفاجأة مدهشة، إذ لم يسجن أي منهم، بل نقلوا إلى مناطق متفرقة، فأحدهم، إسماعيل عارف، عين ملحقا عسكريا في السفارة العراقية في واشنطن، فيا للعقاب الشديد. ويذكر الملك الأردني حسين بن طلال أن المخابرات الأردنية قد علمت بوجود مخطط انقلاب في العراق، فاتصل بالجانب العراقي طالبا إرسال شخص يتمتع بثقة القيادة العراقية إلى عمان. وأرسلت السلطات العراقية رفيق عارف الذي طمأن الجانب الأردني بقوة النظام العراقي وسلامة الموقف بطريقة غير مؤدبة. ويقول المؤرخ خليل إبراهيم، إن عبدالكريم قاسم كان خبيثا، لكن رفيق عارف كان أكثر منه خبثا بمراحل، وأكد ذلك كل من عمل معه. وكانت كل وحدة قادها رفيق عارف في مسيرته العسكرية دائما الأفضل تسليحا وتجهيزا من قبل وزارة الدفاع، واستلم أفضل شهادات التقدير من قبل المسؤولين البريطانيين، في دورات التدريب التي خضع لها، وكان لهذه الشهادات دور رئيسي في بروز نجمه في الجيش العراقي. ويعني هذا أن رفيق عارف كان الضابط المدلل طوال الوقت من قبل الجميع.
أين كان عبدالكريم قاسم أثناء الانقلاب؟ كان في معسكر الفرقة الثالثة طوال الوقت، وما أن وصلت أخبار الانقلاب إلى معسكر الفرقة الثالثة، واعتقل غازي الداغستاني من قبل النقيب قاسم الجنابي، عمت الفوضى وانطلق عبدالكريم قاسم باللواء التاسع عشر إلى بغداد لاستلام الحكم. ويدل هذا على أن الانقلاب حدث بينما كان عبدالكريم يتفرج على تطور الأحداث، بينما كان الآخرون يخاطرون بكل شيء لتنفيذه.

الملك فيصل الثاني

حدث أمر يثير دهشة المؤرخين بعد نجاح الانقلاب، فقد سحلت جثة عبدالإله في الشارع ثم علقت لتعرض على الملأ، ثم تبعتها جثة نوري السعيد. ويستحق ما حدث البحث الدقيق، فلم يحدث هذا في تاريخ العراق، أي أنه لم يكن أبدا تقليدا عراقيا، على الرغم من كونه كذلك في دول أخرى. وكان واضحا أن ما حدث كان نتيجة لتخطيط مسبق من قبل مجموعة صغيرة جدا من الأفراد، انضم إليهم في ما بعد أنصار الحزب الشيوعي مع من أراد استغلال الوضع الجديد لتحقيق مكاسب شخصية، لكن من كان صاحب هذه الفكرة؟ فقد بقي من خطط هذا وقام به، في الظلام. بعد نجاح الانقلاب كانت المفاجأة عدم محاولة أي دولة محاربته، بل إن جميع الدول اعترفت به بسرعة تثير الدهشة حتى من قبل الأقرب إلى النظام الملكي، حتى إن إحدى الدول العربية الملكية رفضت الاعتراف بالنظام الجديد، إلا أنها غيرت موقفها بعد تعرضها لضغوط دولية.

من الجدير بالذكر أن عبد الكريم قاسم عين قائد الفرقة الثانية عبدالوهاب شاكر في عدة مناصب مهمة منها محافظ الموصل، وعين مزهر الشاوي مدير عام الموانئ العراقية، وبالنسبة لطه البامرني، أصبح قائد المقاومة الشعبية ووضعه إعلام النظام الجمهوري الجديد والحزب الشيوعي في مصاف الأنبياء.

أما داخل العراق، فقد اعتُقِلَ كل من الفريق الركن رفيق عارف واللواء الركن غازي الداغستاني.. وكان سبب اعتقالهما غامضا بسبب الدور المحوري الذي لعباه في دعم عبدالكريم قاسم، لكن التعليل المنطقي الوحيد أن كل منهما قد استلم وعدا بتعيينه رئيسا للجمهورية في حالة نجاح الانقلاب. ولذلك فان قاسم الجنابي استطاع دخول مقر إقامة غازي الداغستاني بسهولة بالغة، لأن غازي سمح له بذلك، معتقدا أن قاسم الجنابي أتاه لإبلاغه نجاح الانقلاب ودعوته ليستلم الحكم، لكنه فوجئ بقاسم الجنابي يهدده بالسلاح ويعتقله. وكان تصرف غازي الداغستاني غريبا في المعتقل حيث كان يرفض الجلوس مع بقية المعتقلين الذين كانوا زملاءه من كبار القادة في الجيش، وكان يقضي الوقت في المشي بالقرب من حائط المعتقل بمفرده في المعتقل مرتديا «الروب» وقد يكون أحد أسباب ذلك أن هؤلاء الضباط كانوا بالتأكيد سيسألونه عن كيفية حدوث الانقلاب في فرقته وكيفية اعتقاله من قبل ضابط صغير بسهولة لا يصدقها العقل. أما رفيق عارف فقد قيل إنه كان مرتديا زيه العسكري لحظة اعتقاله، وكأنه في طريقه لاستلام الحكم، ولم يكن مستغربا من قدوم سيارات عسكرية إلى منزله، حيث ظن أنهم جاءوا لأخذه إلى مقر قيادة الانقلاب. ومما يدعم هذا الرأي أنه بعد مرور أكثر من سنة من نجاح الانقلاب تم إطلاق سراح كبار الضباط الذين تم اعتقالهم يوم الانقلاب المشؤوم، وبقيت علاقة صداقة قوية بينهم حتى وفاتهم باستثناء رفيق عارف وغازي الداغستاني الذين قطعوا علاقتهم بهم، وكان منهم اللواء الركن عمر علي واللواء الركن خليل جميل، بالإضافة إلى جميع أفراد الطبقة السياسية الملكية.
التساؤل هنا كيف صدّق غازي الداغستاني ورفيق عارف وعود عبدالكريم قاسم، لاسيما الأول منهما الذي عرف بدهائه، فلم تكن لدى عبدالكريم قاسم تلك الشخصية الساحرة. وكيف استطاع عبدالكريم قاسم إقناع الضباط الآخرين لاسيما الأعلى منه رتبة بمساعدته في تحقيق أخطر عمل إجرامي في تاريخ العراق الحديث، لاسيما الضباط الذين قاموا بالانقلاب الفعلي وهو الذي كان مرتاحا في معسكر الفرقة الثالثة طوال الوقت، وسلموه الحكم على طبق من ذهب؟ ولماذا كان الانقلابيون يتصرفون وهم على ثقة تامة بنجاحهم. هذا ما نتمنى أن يكتشفه المؤرخون في المستقبل، لأن عبدالكريم قاسم لم يمتلك القابلية على تأسيس كل تلك العلاقات.
من الجدير بالذكر أن عبد الكريم قاسم عين قائد الفرقة الثانية عبدالوهاب شاكر في عدة مناصب مهمة منها محافظ الموصل، وعين مزهر الشاوي مدير عام الموانئ العراقية، وبالنسبة لطه البامرني، أصبح قائد المقاومة الشعبية ووضعه إعلام النظام الجمهوري الجديد والحزب الشيوعي في مصاف الأنبياء. وفي الواقع أن مناصب هؤلاء الضباط قبل الانقلاب كانت أفضل وذات مستقبل مشرق. وفي الوقت نفسه قام بإعدام سعيد قزاز (وزير الداخلية) وعبدالجبار فهمي (متصرف بغداد) وبهجت العطية (مدير الأمن). وبعد ذلك أعاد الملا مصطفى البارزاني إلى العراق وزود رجاله بالسلاح، ثم حدثت مذبحتا الموصل وكركوك الشنيعتان، وبالإضافة إلى ذلك قام عبدالكريم قاسم، بإعدام أعضاء تنظيم الضباط الأحرار بالجملة، وتحول العراق بسرعة إلى دولة ومجتمع مختلفين تماما عما كانا عليه قبل ذلك الانقلاب ليبدأ أول مراحل الانهيار.

مؤرخ وباحث من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية