التضخم يتوحش… ولا يفرق بين ضحاياه… والمعدمون في انتظار الفناء… و«الطبقة الوسطى» تهوي للقاع

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: قبل أن تغادر الحكومة مقرها الصيفي في “العلمين” الجديدة، حيث ظلت تستمتع بالهواء النقي والطبيعة الخلابة، وفيما كان السواد الأعظم من المواطنين ينتظرون قرار وقف العمل بسياسة توزيع الأحمال على شبكات الكهرباء، قررت الحكومة، مد فترة قطع التيار الكهربائي إلى ساعتين يوميا، بدلا من ساعة واحدة. وصدرت تعليمات مجلس الوزراء إلى وزارة الكهرباء بمد فترة التخفيف إلى ساعتين، وكان مجلس الوزراء قد قرر منذ أيام زيادة وقت التخفيف من ساعة إلى ساعة ونصف الساعة، ما أدى إلى استياء شعبي واسع، وفي محاولة لإخلاء المسؤولية والقذف بالكرة في ملعب الحكومة، أكد مصدر مسؤول في وزارة الكهرباء قائلا، “إننا نتلقى التعليمات لتنفيذها وليس لنا داخل بزيادة مدة القطع أو إلغائها، والأمر متروك لقرار رئيس الوزراء الذي يعتمد على تقرير مشترك من وزيري المالية والبترول، حسب حاجة الشبكة إلى الغاز أو المازوت المشغل لمحطات التوليد”. وأعرب المصدر عن عدم تفاؤله في الفترة المقبلة بخصوص إلغاء قرار تخفيف الأحمال في مختلف محافظات الجمهورية.. ومن الأخبار العامة: كشف المهندس محمد صلاح الدين وزير الدولة للإنتاج الحربي، عن اعتزام الوزارة الدخول في شراكات جديدة مع شركات القطاع الخاص خلال الفترة المقبلة للتعاون المشترك لتصنيع منتجات متنوعة، تسد بعض الاحتياجات المطلوبة في السوق، مضيفا أنه ستتم مراعاة أن تكون لهذه المنتجات قيمة مضافة ذات مردود يناسب إمكانيات وزارة الإنتاج الحربي، وأن تكون هناك جدوى من تصنيعها. وأكدت إدارة محميات جنوب سيناء، استمرار تعليق نزول السائحين للمياه في بعض المناطق في مدينة دهب؛ إثر تعرض سائحة مصرية لهجوم سمكة قرش في منطقة اللاجونا، كإجراء احترازي من أي مخاطر محتملة قد تمس سلامة السائحين، وبما يتناسب مع طبيعة الحادث وملابساته.. ومن فتاوى “الجمعة”: هل جنة الآخرة هي التي كان يعيش فيها سيدنا آدم؟ قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق: في مذهبي واعتقادي نعم جنة الآخرة هي التي كان يعيش فيها سيدنا آدم عليه السلام، ولكن اختلف البعض في هذا الرأي. وتابع: في اختلاف أن الجنة التي كان فيها آدم كانت كربوة عالية موجودة في الأرض، وأنها مختلفة عن جنة الآخرة، وهذا من منطلق وما قدر الله حق قدره، وأن الله قادر على أن يخلق الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض في مكان خارج السماوات، والإيمان بالقدرة الربانية يجعلنا نؤمن بكل شيء يخلقه أو يفعله الخالق سبحانه وتعالى.
تضخم مفزع

نقلت صحيفة “الأهالي”، استعراض الدكتور جودة عبد الخالق عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، تجربة العاملة في المساعدة في المنزل، التي قدرت قيمة وجبة الإفطار لأسرة مكونة من الوالدين و5 أطفال بـ50 جنيها دون الخبز، كما تصل وجبة الغداء دون لحوم تكلفتها إلى 100 جنيه، فيما تبلغ قيمة الوجبة باللحوم والخضار 400 جنيه. وأشار إلى النتائج الاجتماعية السلبية لأزمة التضخم، أن الأسرة في ظل هذه الضغوط التضخمية مهددة بالتفسخ، كما أنها توفر بيئة خصبة للفساد والجريمة. جاء ذلك خلال كلمته في لجنة التضخم وغلاء الأسعار ضمن جلسات الحوار الوطني بعنوان “مصادر ارتفاع الأسعار وسبل مواجهتها لتقليل العبء على المواطن”. وقال جودة، إن ارتفاع التضخم بنسبة 38.2% يعكس تراجع قيمة النقود بنسبة 38.2%، فـ”معدل التضخم الحقيقي في تقديري أكبر من المعدلات المعلنة من البنك المركزي وجهاز الإحصاء”. وتابع: التضخم يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، التي تعد رمانة الميزان للاستقرار السياسي، كما أن انشغال المواطنين بلقمة العيش عن التفكير في السياسة والشأن العام يهدد الأمن القومي. ذاكرا أن ارتفاع الأسعار لا تجاريه زيادة في الأجور بالنسبة نفسها، ما يؤدي إلى تراجع فئات من المجتمع لصالح فئة أخرى، فضلا عن أن التضخم يؤدي إلى انكماش السوق، وهو ما يترتب عليه كساد. وأشار إلى أن أزمة التضخم، يجب عدم النظر إليها على أنها مشكلة اقتصادية فقط، وإنما هي أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية، تتعلق بمنظومة توزيع القوى السياسية والاقتصادية في المجتمع وكيفية انعكاس ذلك على الأسعار والأجور والاقتصاد.

تآكل بفعل الفساد

أكد الدكتور جودة عبد الخالق، أن التضخم أزمة عالمية، ومصر ليست في معزل عن العالم، ولكن هل يعقل أن يكون مستوى التضخم داخل بؤرة الحرب الروسية الأوكرانية 10% فقط داخل البلدين، ولدينا يقترب من 40%. وقدّر جودة، أن 30% من عوامل التضخم خارجية و70% منها محلية، وبالتالي الجزء الأكبر من المشكلة يرجع إلى عوامل محلية، التي منها أن المجتمع المصري يعاني بشدة من تغول الاحتكار، وهو ما يجب أن تكون لدينا وقفة معه والضرب بشدة على يد التجار، حتى نتصدى للاحتكارات وذلك في ضوء قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية. وقال، إن قانون حماية المنافسة فيه مواد معطلة وتحتاج إلى تفعيل، كما أن العقوبات التي تصل إلى نصف مليون جنيه أصبحت قيمتها حاليا لا شيء، كما اقترح وضع سعر للسلعة التي لها أهمية استراتيجية. وأشار وزير التضامن الأسبق إلى أن ظاهرة التضخم وغلاء الأسعار كانت للبنك المركزي رؤيته فيها، وكان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء رؤيته، فمعدل التضخم العام في المعدل السنوي طبقا للجهاز بلغ نحو 38.2%، وهو ما ﻻ يعكس حالة التدهور الحقيقي، متابعا: “في تقديري هذه المعدلات غير صحيحة، والتضخم أكبر من هذا، وهي مشكلة كبيرة من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية”. وحذر عبد الخالق من أن هذه المشكلات تترتب عليها نتائج اجتماعية، حيث تصبح الأسرة في ظل هذه الظروف مهددة بالتفكك، ويفقد الأب مكانته كعائل للأسرة، وتكون بيئة خصبة لانتشار الفساد، وسياسيا تتآكل الطبقة الوسطى، التي هي رمانة الميزان للحياة السياسية، ويصبح الأمن القومي مهددا، وينكمش حجم السوق ويتفاقم الكساد.

بصل وخلافه

يتساءل البعض عن سبب ارتفاع سعر البصل في الأسواق بمعدل كبير، وهناك آخرون يوسعون السؤال ليشمل أسعار الخضار كلها، بدءا من الجرجير والبقدونس وحتى الطماطم والخيار والفلفل، رغم أنها كما أخبرنا عبد القادر شهيب في “فيتو” منتجات محلية ولا نستوردها من الخارج، وبالتالي لم تتأثر بانخفاض الجنيه وارتفاع الدولار، كما حدث لكل السلع التي نستوردها من الخارج، أو التي تدخل في إنتاجها مستلزمات إنتاج مستوردة، وبالطبع لدى هؤلاء وهؤلاء كل الحق في تساؤلهم هذا، خاصة أن ارتفاع سعر الخضار والفاكهة رفع تكلفة الغذاء البسيط للطبقات الفقيرة، والمتوسطة أيضا التي خفضت من قبل استهلاكها من اللحوم والدواجن والأسماك بعد انفلات أسعارها.. ولكن من يتأمل حال الدول التي تصاب بالغلاء وتتعرض للتضخم، سوف يدرك أن الغلاء مرض معد، وبعد ظهوره ينتشر ويصيب عادة كل السلع، بما فيها السلع التي لم تزد فيها تكلفة إنتاجها أو زادت بقدر محدود جدا.. فإن منتجي السلع وتجارها عادة يلجأون إلى زيادة أسعارها لزيادة دخولهم لتعينهم هذه الزيادة على مواجهة الغلاء.. وهكذا تزيد أسعار الخضر والفاكهة التي تنتج محليا، ولا تستورد من الخارج، وتزيد أيضا أسعار الخدمات التي يقدمها الحرفيون مثل السباكين والنجارين والحلاقين وحتى الأطباء والمحاسبين والمحامين. وبالطبع بعد استقرار سعر العملة المحلية والسيطرة على التضخم، لا تعود أسعار العديد من السلع والخدمات إلى ما كانت عليه قبل اندلاع هذا الغلاء.. فمن استفادوا من ارتفاع أسعار سلع وخدمات لن يتنازلوا عما حققوه خلال انتشار الغلاء من دخول.. أي أن تأثير الغلاء لن يتلاشى بعد السيطرة على التضخم، بل هو تأثير ممتد، وهذا ما يتعين أن يضعه في اعتبارهم من يتصدون لمواجهة هذا الغلاء.

وزير للأثرياء

لا شك في أن مشكلة التعليم من أهم المشاكل الحياتية للمواطن المصري والمستقبلية للدولة، وفق ما يرى جمال أسعد في “المشهد” لأن هذه المشكلة يحيط بها كثير من المشاكل المتراكمة على المستوى الاقتصادي، من عدم قدرة الدولة على مواجهة المشكلة من ناحية سد النقص في المدارس والمعلمين وإعدادهم الإعداد المطلوب وتأهيلهم مهنيا، وعلى المستوى التعليمي لتخلف الرؤية التعليمية بشكل عام عن أي تطور يساير المتغيرات العالمية، أو محاولة تبديل التلقين بإعمال العقل. الشيء الذي كان من محصلته إسقاط دور المدرسة بشكل غير مسبوق ينذر بالخطر كل الخطر على مستقبل هذا الوطن. ولذا أصبحت الدروس الخصوصية (والسناتر) هي البديل لهذه المدارس التي كانت تستكمل العملية التعليمية (وهذا هو الأهم) بإعداد التلاميذ إعدادا متكاملا ثقافيا ورياضيا ونفسيا. والغريب والعجيب أن وزير التعليم (كان معلما من أول الخط) بدلا من إعادة دور المدرسة يعمل على ترسيخ فكرة السناتر بمحاولة تقنينها، بما يعني أن تكون بديلا للمدرسة، هذا في الوقت الذي تقوم فيه هذه السناتر بقمة الاستغلال الممقوت والمرفوض بأسعارها واستغلالها للمواطن غير القادر حتى على أن يعيش حياة تليق بالإنسان. وفي ظل المشكلة الاقتصادية التي يعيشها المواطن مطلوب للتعليم دفع مصاريف المدرسة وشراء الكتب من الخارج في الوقت الذي أصبح الجميع يتصارع فيه على الحجز في هذه السناتر (مكره أخاك لا بطل). وفي هذا المناخ غير الطبيعي، يشاء الله بتسخير من يحن ويمن على الغلابة وغير القادرين على مواجهة تلك الأعباء من جمعيات العمل الأهلي، التي قامت بافتتاح فصول تقوية بأسعار رمزية (الحصة بخمسة جنيهات) تخفيفا على المواطن. وهذا بالطبع عمل جميل (ما حدش يقول حاجة عنه)، ولكن لأن الله رزقنا مسؤولين لا علاقة لهم لا بمواقعهم ولا بمصلحة الوطن المرتبطة بحل المشاكل الحساسة، بل لا يعرفون ولا يدركون ولا يملكون أي رؤية سياسية ولم يرزقهم الله الإحساس بالمواطن الفقير.

فليرحل المقصر

مضى جمال أسعد عضو البرلمان إحصاء المواقف التي تشير إلى أن المسؤول عن ملايين الطلاب الفقراء يتبع سياسات تزيد من معاناة أولياء الأمور وأبنائهم: نجد وزير التعليم يصدر الخطاب رقم 3555 في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بشأن طلب سحب الموافقات الخاصة بإضافة نشاط فتح فصول تقوية، ووقف الموافقة على إضافته بلائحة النظام الأساسي لمؤسسات العمل الأهلي المدرج ضمن أنشطتها بلائحة النظام الأساسي. كما يجب متابعة ذلك واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين وإرسال الخطاب نفسه للتذكرة لهذا العام الدراسي، فما معنى ذلك؟ غير الإصرار على الانحياز لهذه السناتر غير القانونية، التي قامت بتخريب العملية التعليمية، والإصرار على إرهاق المواطن بما ليس له قدرة عليه. كما أن هذا يعني رفض الوزير للعمل الأهلي من الأساس، مع العلم أن تشجيع وحماية العمل الأهلي له مواد في الدستور. في الوقت الذي صدق فيه السيسي على قانون رقم 171 لسنة 2023 بشأن التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي بعد إقرار البرلمان، والقانون يهدف إلى تعميق العمل الأهلي وتنمية المجتمع، سعيا لتحقيق مزيد من التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وذاك للتعاون بين العمل الأهلي والقطاع الخاص ومؤسسات الدولة. هنا نريد أن نعلم لماذا هذا التناقض؟ ولمصلحة من؟ وأين البرلمان من ذلك؟ وأين الجهات الرقابية المنوط بها متابعة القوانين والقرارات الوزارية؟ نحن في أزمة يجب مواجهتها على كل المستويات وتحتاج إلى محاسبة المخطئ وإقصأء المقصر. فالوطن هو الأهم والأبقى.

نبي الحرية

في يوم مولده أكد الدكتور مجدي إبراهيم في “الوفد”، أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وهب الحريّة للإنسانيّة، وحطّمَ الأصنام والكهانة، واستقل بكرامة الإنسان عن سطوات الأغيار، وعن عبادة الأصنام، وعن أغلال قيودها المستبدة، ومضى يُبصِّره بكشف حقيقته الإنسانية كشفا من جديد في ضوء البذرة الإلهية فيه، وفتح ضميره مستقلا عن التّعلُّق بغير الله والعمل من أجله، واستغلال الطاقة الإنسانية والعمر البشري في تحصيل ما بقىَ من كرامة الفرد في رحاب الله، فمن خطبه، صلوات الله وسلامه عليه، وهو معلّم البشرية.. أيها الناس (إنَّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنَّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم؛ فإنّ العبد بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله فاعل فيه، وأجل باق لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه ﻵخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، فوالذي نفسُ محمد بيده: ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلّا الجنّة أو النار. لا بدّ من ملاحظة سريان الوعي العالي في أدب الخطاب النبوي، وهو خطاب يحمل وضوح الحقيقة وجلاءها من جهة، كما يحمل في الوقت نفسه خفاءَها وسريتها. ولا بدّ من ملاحظة أنه من الأخطاء التي تتردد دائما خطأ اعتبار أن كل خفاء وسريّة هما خارج نطاق الوعي، وبالتالي فلا يمكن للوعي أن يمثله أو يُعبر عنه أو يعكسه في الحقيقة واقعا مشهودا للأبصار. هذه فكرة غير صحيحة بالمرة؛ لأنها وإنْ انطبقت على الوعي العادي المحدود، فلا يمكن بحال أن تنطبق على الوعي العالي غير المتناهي وغير المحدود، وهو هنا وعي النبوة ووعي الولاية.

بين مخافتين

الوعي العالي شأنه من وجهة نظر الدكتور مجدي إبراهيم أرفع وأسمى في ملكة الإدراك: دائما ما يُمْسِك بالنهايات ولا يتناهى في ذاته؛ ولكونه لا يتوقف عند المنتهى، فهو لا يتناهى بالتفكير المشروط؛ لأنه غير محدود بحدوده على الإطلاق؛ إذْ إنه وعي يدرك ما لا يدركه الوعي العادي المحدود. وعي النبوة يحيطك بعالم الحقيقة في كلمات قِصَار نافذة، فهو يهدف مباشرة إلى تقدير العمر البشري واغتنام اللحظة الفاعلة فيه، المؤسسة عليه. ولا يمكن تقدير العمر البشري بغير الانتباه إلى هذه المعالم المحددة ووضعها في الاعتبار، وأن هذا العمر محدود، له نهاية لا بدّ من الانتهاء إليها. ومخافة العبد حين يضع في الاعتبار تقدير العمر الإنساني لا تتعدّى إمّا الأجل الذي مضى منه، ليس يدري ما الله فاعل فيه، وإمّا الأجل الباقي الذي لا يدري ما الله قاض فيه. وعلى العبد إذن بين هاتين المخافتين أن يقدّر عمره، وأن يحسب للحظاته ألف حساب وحساب، وأن يعرف عدد أنفاسه فيه؛ ليغتنمها في ما بقي ويتدارك منها بالتوبة والاستغفار ما مضى. الوعي النبوي يختصر الزمن كله في عبارة موجزة معجزة، دالة، ثاقبة الرؤية، ومحددة الاتجاه كما البوصلة المرشدة إلى صحيح الطريق. وعن هذا الوعي العالي يأتي أدب الخطاب النبوي كما تجيء الرسالة: قيمة ودلالة.

رابعهم صلاح

يرى محمد علي الهواري في “الوفد” أنه لم يتبق من عظمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس إلا بريق التقاليد الملكية، وإرث الألقاب الفخمة مثل «سير» أو فارس، أهم وأرفع الألقاب غير الملكية التي يمنحها الملك إلى نخبة محدودة من الذين قدموا خدمات جليلة كان لها تأثير عظيم للبشرية، وتضم هذه القائمة الصغيرة ثلاثة مصريين فقط تمكنوا من فرض احترامهم على أولئك المتغطرسين أبرزهم مجدي يعقوب أمير القلوب، ثم النابغة نعمت شفيق نائب محافظ بنك إنكلترا والأنبا أنجليوس الذي أثرى الحريات الدينية، ويعتقد الهواري أن رابعهم سوف يكون فخر مصر والعرب وافريقيا مو صلاح، ذلك الفلاح الفصيح الذي أجبرت عقليته الفريدة قبل موهبته الفذة في خطف قلوب الإنكليز وتحول في ليلة وضحاها إلى أيقونة عالمية عابرة للعرق والدين ترسم ملامحها الباسمة على جدران تايم سكوير. فهو بحق ظاهرة نادرة، كاريزمته العفوية تجذب ألباب الشيوخ وتداعب أحلام مخيلة الأطفال، فقصته الفريدة ألهمت المهمشين بأن العمل الدؤوب والعزيمة الصلبة كفيلان برفعك إلى عنان المجد، أسطورة هذا المكافح تخطت مسيرته المذهلة كلاعب كرة محترف في أعلى مستوى تنافسي على الإطلاق وتحطيمه لكل الأرقام القياسية وحصوله على كل البطولات والجوائز الفردية، لتأخذ منعرجا جديدا يبرز مدى تأثيره الإنساني العظيم على قضايا معقدة مثل، الإسلاموفوبيا ونجاحه الباهر في تغيير نظرة العوام تجاه قضية اندماج المهاجرين في المجتمعات الغربية.

على خطى كلاي

مؤخرا وما زال الكلام عن “فخر العرب” الذي نثر سحره الخاص وفقا لرأي محمد علي الهواري عندما حبس العالم أنفاسه، وهو يتابع تغطية يومية للإعلام العالمي حول تفاصيل عرض فريق اتحاد جدة الخرافي الذي وصل إلى 251 مليون دولار، ليكون أغلى لاعب في التاريخ، والذي ما زال يحتفظ به البرازيلي نيمار بقيمة 249 مليون دولار. بخلاف عقده الشخصي المذهل، الذي بمقتضاه سيحصل على راتب أسبوعي 2.45 مليون جنيه إسترليني، يعني حوالي 8 أضعاف راتبه الحالي، بالإضافة إلى امتيازات من ألف ليلة وليلة، كل ذلك الجنون وهو في سن الـ31 سنة، وعلى الرغم من كل هذه الإغراءات الخزعبلية التي يسيل لها لعاب القاصي والداني، لم يترك ابن نجريج ليفربول يسير وحيدا، في حين خانته من قبل أسماء رنانة مثل، مايكل أوين، شابي الونسو، خافيير ماسكيرانو، سواريز وأخيرا القائد هندرسون. كم الضغوط الرهيبة التي مورست عليه لم تجعله يسقط في غواية المال واتخذ قرارا تاريخيا بكل معنى الكلمة، من دون مبالغة وهو استكمال حلمه في أن يكون أفضل لاعب في العالم، وفكرة الرفض ليست لها علاقة بطموح الدوري السعودي المشروع، الذي يريد أن يصبح من ضمن الكبار، وهو ما يراه القائمون عليه باقتناء الجوهرة الفرعونية، سيضمن لهم متابعة أكثر من 100 مليون مصرى، ولما لا فقد توجوه سفيرا للسعادة، عاجلا أو آجلا سيرحل عن إنفيلد لأنها سنة الحياة، ولكن الذكاء في اختيار الوقت والطريقة المناسبة للخروج من الباب الكبير حتى يخلد كأسطورة لليفربول والبريميرليغ بعدما ضرب مثالا لقيم أضحت في نظر البعض بالية مثل الوفاء والانتماء، في زمن طغى عليه توحش المادة، وهو ما لن ينساه له الجميع، وسيظل هذا الموقف الغريب والنبيل مثيرا للإعجاب ومحفورا في ذاكرة التاريخ. يرى الكاتب أن صلاح بما فعله ليس أهم لاعب في تاريخ الكرة العربية، بل هو أفضل مواطن عربي قدّم صورة مبهرة ومؤثرة، تمكنت من تغيير الصورة النمطية المقيتة، فهو يدرك أنه أصبح رمزا لأجيال ترى فيه أحلامهم المؤجلة. صلاح يسير على خطى محمد علي كلاي، الذي برهن على أن الأبطال لا يصنعون في صالات التدريب فقط، ولكن يصنعون من أشياء عميقة في داخلهم، هي الحلم الذي يتحول إلى رؤية تحققه إرادة من فولاذ.

نكبة لا تنسى

لم يجد حمدي رزق في معجم الأغاني ما يعبر عن حالة «أم مكلومة» من قرية منكوبة، قرية الشريف (ببا/ بني سويف) فقدت فلذة كبدها في كارثة إعصار درنة سوى كلمات بيرم التونسي تنوح بها كوكب الشرق أم كلثوم، بلحن حزين من إبداعات الشيخ زكريا أحمد.. ربنا ما يكتبها على حبيب، منظر موكب سيارات الإسعاف بلونها الأصفر، وقد تحولت لنقل الموتى تخترق طرقات القرية الشريف، حاملة 74 من جثامين زينة شباب القرية ورجالها الذين تغربوا بحثا عن لقمة العيش، يعودون ملفوفين في أكفانهم، يدفنون بفعل التحلل.. حتى من دون نظرة وداع. سبحان من له الدوام، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، مشهد مفجع مأساوي حزين، كما خرجوا جماعة على أمل، عادوا جماعة على فيض الكريم، حتى الإعصار القاسي لم يفرق بينهم، جرفهم جماعة، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، قرية بتوابعها ترتدي ثياب الحداد. ربنا يصبرهم، نادرة الحدوث لكنها حدثت، عظة وعبرة لأولي الألباب، حزن المصريين في الجنازات صعب، ونواح الأمهات رهيب، يقطع نياط القلوب، والأرملة الشابة على صدرها رضيع وترمح وراء السيارات الصفراء تحمل الجثامين، لعلها تظفر بنظرة وداع لزوج حبيب كانت تنتظره على أحر من الجمر. والأب المكلوم مكوم جنب حيط المقبرة يبكي حاله لحاله، وشباب القرية نفروا عن بكرة أبيهم ليواروا جثامين الأحباب والأصدقاء، كانوا على موعد في لقاء قريب بعد العودة من الغرب الليبي، عادوا في أكفانهم يوارون الثرى.

صحوا على نواح

الفيديو الرهيب على حد وصف حمدي رزق، الذي لف العالم من هول مشاهده، وتجاوز في تفاعلاته الإلكترونية حتى مشاهد الخراب والدمار التي خلفها الإعصار في درنة، خليق بالتوقف والتبين، توقفا أمام حالة القرية المجللة بالسواد، كيف نخفف عنها، وتبيّن حاجاتها برعاية حكومية فائقة، وبالتفاف شعبي عطوف حول هذه القرية المنكوبة.. قرية الشريف صارت الأولى بالرعاية، مستوجب تعويضهم عن فقد عظيم، تحقيق بعض الأحلام الصغيرة التي سافروا من أجلها، توفير متطلبات الحياة للأسر المنكوبة، بمعاشات استثنائية، تقيم أودهم، وتسند ظهورهم، وتؤمن لهم ولأولادهم حياة كريمة. مشكور وزير التربية والتعليم الدكتور رضا حجازي بادر من فوره بإعفاء أولاد المتوفين والمفقودين من المصروفات الدراسية هذا العام، وليته يمدها ولأعوام مقبلة حتى إتمام الدراسة الأساسية، الوزير قدم كف عزاء، وننتظر من الحكومة ما هو أكثر بكثير من إعانة عاجلة. المصاب جلل، والقرية تنام باكية، وتصحو على نواح، أنين القرية مسموع، فلتهرع الحكومة بتوجيهات رئاسية إلى تلبية متطلبات القرية وتوابعها عبر مشروع «حياة كريمة». رسالة المشروع تتجلى في هذا الظرف الصعب، تعوض عليهم، والعوض على الله، تعويض الأحباب عن فقد ذويهم واجب مستوجب على كل مصري. الهم مصري، والحزن مصري، كما قلت في هذا المكان، والمصريون اتساقا مع الحديث النبوي الشريف «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى»، ومصر تداعت بالحزن والحداد، وستعوض عن القرية وتوابعها بالخدمات والمؤن الضرورية عونا للمنكوبين على استمرار الحياة.

شرير لكنه ساحر

انتهى الصيف رسميا بانطلاقه وإجازاته وشواطئه وودع الجميع الساحل الشمالي بكل جماله وغموضه والأقاويل المختلفة عن رواده. فالبعض وفقا لرانيا الرزاز في “الشروق” يسمع عنه فقط والبعض لا يكاد يذهب إلى مكان غيره إن استطاع إليه سبيلا، وقلة ممن يستطيعون قرروا الاستغناء عنه والذهاب إلى شواطئ أوروبا وأمريكا. وعلى الرغم من الظن أن النوع الأخير هم من أصحاب المليارات الذين «يعتقدون أن مارينا بيئة» كما وصفها أحد الكتاب الكبار يوما ما، فإن ذلك ليس بالضرورة أن يكون صحيحا. والدليل ارتفاع أسعار الساحل الشمالي بكل خدماته الأساسية والترفيهية عن مثيلاتها في معظم دول أوروبا، باستثناء أفخر الأماكن السياحية في مصايف مثل، الريفييرا الفرنسية التي يرتادها أغنى أغنياء العالم والأثرياء العرب. شاء الحظ أن أنتمي لمفضلي السفر للخارج بعد سنوات طويلة من الاستمتاع بالرمال البيضاء والمياه التركوازية للساحل الشمالي الممتد الأطراف. وإن لم يكن لدعوة أبنائي المتكررة لزيارة الساحل لوجود جميع أصدقائهم هناك، لما تكبدت عناء الذهاب إليه أياما معدودة من الأساس. ومن المهم الذكر أن ذلك ليس تماشيا مع «موضة» المصريين في السفر إلى اليونان وجزرها القريبة من العاصمة كجليفادا في العامين الماضيين. تساءلت بينى وبين نفسي ما السر في ذلك التغيير؟ ما الذي جعلني أؤجر بيتي الصغير في إحدى قرى الساحل الشمالي وأستفيد بالعائد للذهاب لأحد الشواطئ الأوروبية التي تقل في مستوى جمال مياه البحر ـ وإن لم يكن في مستوى الجمال العام ـ عن ما تعودت عليه؟ ما الذي جعلني أبتعد عن أصدقائي الأعزاء وأذهب إلى مكان لا أعرف فيه أحدا باستثناء عائلتي الصغيرة، وهو ما لا يفضله أبدا أبنائي الذين لا يجدون سعادتهم إلا بالقرب من «شلتهم» الصغيرة والكبيرة.

شيخوخة وأشياء أخرى

أول شيء تبادر إلى ذهن رانيا الرزاز هو: التقدم في العمر، فما كان يسعدني في الماضي من «اللمة» والخروج والسهر تحول إلى ما يشبه العبء على جهازي العصبي. فعلى الرغم من وجود منافذ كثيرة في الساحل الشمالي مخصصة لمختلف الطبقات الاجتماعية، إلا أن الدخول للكثير منها يتطلب إما القبول بزحام لا بأس به وانتظار دورك أو الحجز المسبق. هذا الحجز المسبق هو من أشد الأشياء سخافة في الوقت الحاضر وغير مضمون على الإطلاق. معظم الأماكن تتطلب الاستعلام عنك وتطلب بروفايلك الشخصي على السوشيال ميديا، بل بروفايلات جميع المرافقين لك، وإن استطاعت لاستعلمت عن حسابك الشخصي في البنك، وإذا ما كانت لديك فيزة شنغن سارية أم لا. هذا بخلاف صعوبة الوصول إليهم تليفونيا ويتطلب ذلك تفريغ نصف يومك لكي يرد أحد ما عليك. عذر تلك الأماكن هو عدم دخول أحد لا ينسجم مع مرتاديها للتفاوت الشديد بين الطبقات الاجتماعية في مصر. وفي المقابل معظم الشواطئ في الخارج عامة، وللمواطن حق استخدامها مجانا، لأن التفاوت الاجتماعي شبه منعدم. فسائق سيارة الأجرة الذي تقابله صباحا قد تقابله مساء أيضا وهو يتعشى جوارك في أحد المطاعم. وإذا كان هناك ما يستلزم أن تدفعه فهو الشمسية والكراسي المؤجرة وما تستهلكه من طعام وشراب. وقد لاحظت أن معظم سكان المنطقة لا يستخدمون شيئا من ذلك، بل يذهب الجميع بالشماسي الشخصية و«يدقوها في الرمل» ويأكلون ويشربون مما يحضرون ويقضون اليوم كله مجانا. وقد تعجبت من أحد الشواطئ الأوروبية عندما وجدت أنه يتطلب حجزا مسبقا وهو محجوز تماما لآخر الموسم. ومع ذلك اخترت خوض التجربة بنفسي وذهبت للمكان النائي مخاطرة بالرجوع أدراجىيخائبة، ففوجئت أنهم سمحوا لي بالدخول، ولكن فقط في المياه وليس على الشاطئ الرملي وذلك لخوف البلدية من تآكل الشاطئ ـ أي أن السبب في الأساس بيئي وليس انتقائيا كما يحدث عندنا.

زوبعة لأجل ترامب

أخيرا.. والكلام لجلال عارف في “الأخبار”قبل نحو عام من انتخابات الرئاسة الأمريكية رضخ زعيم الجمهوريين في مجلس النواب لضغوط المتشددين من نواب حزبه والمحسوبين على الرئيس السابق ترامب، وقرر بدء الإجراءات بهدف عزل الرئيس الأمريكي بايدن، على خلفية تعاملات مع دول أجنبية لنجله هانتر. وبرر الزعيم الجمهوري مكارثي هذه الخطوة بأن بايدن كذب على الشعب حين أنكر صلته بأي تعاملات مثيرة للجدل من جانب ابنه، الذي يخضع الآن للتحقيقات بتهم أخرى تتصل بالتهرب من سداد الضرائب وحيازته لمسدس غير مرخص. المثير أن معظم النواب الجمهوريين في المجلس ضد هذه الخطوة، التي يعتبرونها لصالح الديمقراطيين وبايدن، ولهذا خشي رئيس المجلس مكارثي من عرض أمر العزل للتصويت واتخذ القرار على مسؤوليته رضوخا للنواب المتشددين من الجمهوريين، الذين يرون أن هذه الخطوة أيا كانت النتيجة ستخدم ترامب في معركته، وتخفف عنه ضغوط المحاكمات التي يخضع لها الآن. البيت الأبيض رد – بلسان المتحدث الصحافي- بأن القرار جاء لدوافع سياسية، وبأن الجمهوريين في مجلس النواب يحققون بالفعل منذ تسعة شهور في هذا الأمر، ولم يجدوا أي مخالفة من جانب بايدن. والديمقراطيون أشاروا إلى أن ما حدث جاء بقرار من ترامب، وعلى غير رغبة معظم النواب الجمهوريين الذين يعرفون الحقيقة ويخشون من نتائج سلبية لهذه الخطوة على فرصهم في الانتخابات التشريعية التي تجري مع انتخابات الرئاسة، وبالتأكيد يعرف زعيم الجمهوريين في مجلس النواب أن هناك شكا كبيرا في أن يحصل قرار ضد بايدن على أغلبية المجلس، وحتى إذا حدث ذلك، فسيسقط القرار في مجلس الشيوخ الذي يملك فيه الديمقراطيون الأغلبية «وهو ما حدث لترامب من قبل»، لكن الهدف هو استخدام هذه الورقة في الانتخابات من جانب ترامب الذي لا يكف عن اتهام بايدن بالمشاركة في النشاط التجاري المثير للجدل لابنه. علما بأن ابن ترامب أيضا يخضع للتحقيقات بشأن التحايل للتهرب الضريبي وهو يدير شركات أبيه. وبعيدا عن المحاكم كان التطور اللافت سياسيا هو دخول الرئيس الروسي بوتين على الخط بالتأكيد على أن ما يجري لترامب هو دليل على فساد النظام السياسي في أمريكا.. البعض رأى ذلك هدية لترامب، والبعض رأى أن الهدية مسمومة، حيث أحيت من جديد الاتهامات لروسيا بالتدخل في الانتخابات السابقة لصالح ترامب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية