كانت العين على مسقط رأس أميني، وتمَّ اعتقال خالها واستدعاء والدها وتهديده من مغبة إحياء الذكرى كما تمَّ استدعاء العديد من الأهالي وتوجيه تهديدات لهم إن تحرَّكوا على الأرض.
لم تمرّ الذكرى الأولى لمقتل الشابة الكردية مهسا أميني في 16 أيلول/سبتمير 2022 وكأن شيئاً لم يكن، كما كانت ترغب السلطات الإيرانية التي جنَّدت قدراتها الأمنية والاستخباراتية والعسكرية لمنع تكرار كابوس تحرُّك الشارع تحت شعار «المرأة، الحياة، الحرية» وهو الشعار الذي رفعه شباب وشابات إيران عقب مقتل أميني ابنة الـ22 ربيعاً أثناء اعتقالها من قبل «شرطة الأخلاق» بحجة مخالفتها قوانين الحجاب الإلزامي.
وتكمن الخشية من طبيعة الاحتجاجات، التي ينظرُ إليها النظام الديني على أنها تهديد لأهم مرتكزاته العقائدية. فالمعارضة التي أظهرتها الفئات اليافعة النسائية لـ«الحجاب الإجباري» أضحت رمزاً للتمرُّد على النظام ما حوَّلها إلى تحدٍ وجودي بالنسبة إلى النظام، ذلك أن تلبية مطالب وتطلعات تلك الفئة من الإيرانيين والاستجابة لتحركات الشارع ستعدو علامة تراجع وانكسار، وستشكّل حافزاً للمطالبة بالمزيد، وستدفع بالسلطة إلى تنازلات أكبر في البعدين الثقافي والاجتماعي، وستكون مقدمة لاهتزاز بنيان نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومُرشدها.
لذلك وتحسباً، اتخذت السلطات الأمنية إجراءات في مختلف المناطق التي شهدت احتجاجات. كانت العين على سقز في كردستان-إيران، مسقط رأس أميني، للحؤول دون إحياء أي مراسم على قبرها، وتمَّ اعتقال خالها واستدعاء والدها أمجد وتهديده من مغبة إحياء الذكرى (ذكرت تقارير إخبارية أنه أُوقف صباح السبت) تماماً كما تمَّ استدعاء العديد من أهالي وأقرباء الذين سقطوا في تلك الانتفاضة وتوجيه تهديدات لهم إن تحرَّكوا على الأرض.
ووفقاً لإحصائيات جديدة لمنظمة حقوق الإنسان الإيرانية، فقد قُتل ما لا يقل عن 551 محتجًا، بالإضافة إلى نحو 22 متظاهرًا كان مقتلهم مريباً، منذ أيلول/سبتمبر من العام الماضي، بينهم 68 طفلاً، و49 امرأة. ويقول التقرير إن معظم المتظاهرين قُتلوا بالأسلحة النارية أو الهراوات، وإن مؤسسات النظام بذلت قصارى جهدها لإنكار قتلهم، أو تحريف أخبار وفاتهم، من خلال تقديم معلومات كاذبة.
أما التوزيع الجغرافي لقتلى احتجاجات العام الماضي، فتناول 26 محافظة مختلفة، لكن معظم الوفيات كانت من محافظات بلوشستان (136 قتيلاً)، وطهران (77 قتيلاً) وكردستان (57 قتيلاً) وأذربيجان الغربية (56 قتيلاً) ومازندران (42 قتيلاً).
وسجل يوم 30 أيلول/سبتمبر 2022 والمعروف باسم مجزرة «الجمعة الدامية» في زاهدان، اليوم الأكثر وحشية مع سقوط 104 قتلى في صفوف المحتجين الذين خرجوا إلى الشارع بعد انتهاء صلاة الجمعة. فالتحرّكات الشعبية النهارية في وضح النهار أتت كلفتها أكبر من التحرّكات الليلية والمتفرّقة ومن ابتكار المحتجين وسائل متعددة للتعبير عن رفضهم للنظام أقل ثمناً على أرواحهم.
وعلى مقربة أسبوعين من ذكرى المجزرة، وعشية الذكرى الأولى لمهسا أميني التي شكَّلت الشرارة الأولى لاندلاع موجة الاحتجاجات، خرج أهالي زاهدان، في محافظة بلوشستان بعد صلاة الجمعة في مسيرات شعبية، مرددين شعارات مناهضة للنظام. ووصف إمام أهل السُّنة في إيران مولوي عبد الحميد مقتل أميني بـ«المؤلم» قائلاً: «ما كان يجب قتل مهسا والمحتجين بالرصاص، أو إصابتهم بالعمى».
وفي ردٍ له على خطبة المرشد الإيراني علي خامنئي التي اعتبر فيها أن «أولئك الذين هم مع نبي المسلمين، يتصرّفون بقوة ضد الكفّار» وذلك توازياً مع استقباله مجموعة من أهالي بلوشستان، قال مولوي عبد الحميد في خطبته: إن «احترام جميع البشر، بغض النظر عما إذا كانوا مسلمين أم لا، وحتى لو كانوا مُشركين أو مُلحدين، هو أكثر إلزامية من الصلاة والحج».
وما أن حلَّ الظلام في المدن الإيرانية الرئيسية التي شهدت احتجاجات العام الماضي، حتى بدأت هتافات ليلية مناهضة للنظام عبر نوافذ المنازل في طهران ومشهد وكرج، وبُثّت أناشيدٌ ثوريةٌ من على أسطح المنازل في مدينتَي مهاباد وشهرستان في أذربيجان الغربية، وفي مدينة سنندج عاصمة كردستان-إيران. الشعارات التي تصدح بها الحناجر أو تُكتب على الجدران تُعبِّر عن الوجع نفسه وتُردِّد العبارات ذاتها: «عار عليك يا خامنئي، أترك البلاد» و«الموت للديكتاتور» و«الموت لخامنئي» و«خامنئي قاتل، وحكمه باطل» و«الموت لنظام قاتل الأطفال» و«خامنئي سوف نسحلك تحت الأرض» و«الموت للديكتاتور… الموت للحرس الثوري».
أدرك النظام أنه سيحتاج إلى أشهر لوأد «انتفاضة الحجاب» من خلال إستراتيجية متعددة الاتجاهات: قام باستخدام القوة والقمع وزجَّ عشرات الآلاف في السجون ونفَّذ إعدامات لترهيب مواطنيه، كذلك عمد إلى اتّخاذ خطوة احتوائية من خلال سحب «شرطة الأخلاق» وإلى العمل على ممارسة الضغوط من خلال إجراءات حرمان من التعليم والخدمات والسفر وفتح حسابات بنكية وإقصاء من المؤسسات الحكومية لمخالفي «قانون الحجاب» وتعديل هذا القانون وجعله أشد صرامة. لكنه، في الوقت نفسه، أدرك أنه بحاجة إلى فكِّ عزلته من أجل ضمان وضعه الداخلي بعدما شعر أن الأرض في الداخل خصبة للتحرُّك ضده وخلق القلاقل له.
لم يكن خافياً أن الإعلام العربيّ المحسوب على المملكة العربية السعودية كان خير مساند لـ«ثورة الحجاب» واتهمت تقارير استخباراتية إيرانية المملكة بأنها تُساند تحرُّك البلوش، تماماً، كما تدعم كردستان العراق الكرد الإيرانيين. وساند الإعلام الدولي حراك المرأة الإيرانية. ويتحرَّك الإيرانيون في الخارج لمساندة المنتفضين في الداخل، وتتخذ الدول الغربية عقوبات إضافية من بوابة خرق حقوق الإنسان، وتوثّق منظمات حقوق الإنسان ارتكابات الأجهزة الأمنية الإيرانية.
سياسة فكّ العزلة أسفرت عن ولادة «اتفاق بكين» الذي أعاد العلاقات الإيرانية – السعودية المقطوعة، والذي تضمّن خريطة طريق لكيفية تعامل الجانبين مع القضايا المتعلقة بكل منهما والقضايا التي يؤثران فيها في المنطقة، كما أسفرتْ هذه السياسة مؤخراً عن الاتفاق الأمريكي – الإيراني على حصول طهران على أموالها من مبيعات النفط المجمّدة في كوريا الجنوبية والعراق مقابل إطلاق سراح الأمريكيين من أصل إيراني المعتقلين في سجون الملالي، ما يمنحها شريان حياة ومقدرات مالية، وما زالت ماضية في استخدام ورقة تخصيب اليورانيوم، وورقة توريد المسيَّرات إلى روسيا لضرب أوكرانيا في إطار سياسة حماية النظام وتحسين أوراق التفاوض.
كل ذلك ساهم في تعزيز قبضتها على الداخل وفي الانتعاش من جديد. ما كانت السلطات الإيرانية لتُعيد «شرطة الأخلاق» إلى الطرق وتنتهج طريق «تغليظ» العقوبات وتأخذ إجراءات عبر شبكة واسعة من الكاميرات في الأماكن العامة ووسائل النقل وقرارات تحدُّ من خصوصيات المواطن الإيراني يمكن أن تُثيرَ الشارع أكثر وتدفعها إلى مضاعفة القمع، لو لم تكن مطمئنة لأداء الخارج حيالها في الحيِّز العملي، سواء أكان تواطؤاً أم عجزاً أم ترغيباً.
يُدير النظام ظهره لكل ما يصدر عن المجتمع الدولي ضده. لا يُقلقه إقرار مجلس النواب الأمريكي بتوافق الحزبين الديمقراطي والجمهوري «قانون مهسا أميني» ولا يهتمُّ لإصدار حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والاتحاد الأوروبي مزيداً من العقوبات ضد الأفراد والمؤسسات في إيران بتهم ممارسات قمعية، ويُراقب مبتسماً تصريحات المسؤولين الغربيين، وفي مقدمهم الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته عن تأييدهم لانتفاضة النساء الإيرانيات وما قدموه في سبيل دعمهن، لكنه يهتزُّ بقوة حين تنشر الناشطة الحقوقية المعتقلة نرجس محمدي على «إنستغرام» بيانا لـ7 سجينات سياسيات في سجن إيفين، وفيه أنهن سيعتصمْنَ في ساحة السجن بدءاً من عشية الذكرى «من أجل دعم الشعب والاحتجاجات ضد النظام الإيراني». فما يُخيفه هو صمود الداخل في وجهه وتكرار مشهد مهسا أميني.