لندن ـ «القدس العربي»: كانت منطقة الحوز في المغرب يوم الجمعة 8 ايلول/سبتمبر الجاري مسرحا لهزة أرضية، تعتبر الأعنف من نوعها في تاريخ المغرب خلال 200 سنة الأخيرة، وقاربت سبعة على سلم ريختر وبحصيلة ثقيلة وهي ثلاثة آلاف قتيل وآلاف الجرحى. وما زالت ذاكرة جزء من المغاربة المتقدمين في السن تستحضر زلزال أكادير 29 شباط/فبراير 1960 الذي خلف مقتل ما يفوق 15 ألف شخص، والجيل الحالي يستحضر زلزال الحسيمة يوم 24 شباط/فبراير 2004 وخلف مقتل 631 شخصا. وامتدت تأثيرات زلزال الحوز إلى ضرب علاقات المغرب مع كل من فرنسا والجزائر.
وتتحول المآسي والاعتداءات الإرهابية عادة إلى فرص للمصالحة من خلال إبداء الدول رغبتها في مساعدة الدولة التي تعرضت للمأساة أو الاعتداء. وتكون هذه المساعدة مكثفة أو رمزية، وتتحول إلى جسر نحو المصالحة. وهناك في العلاقات الدولية ما يسمى بـ «دبلوماسية الكوارث» وفق توصيف الباحث البريطاني إلان كيلمان في كتابه «دبلوماسية الكوارث: كيف تؤثر الكوارث على السلك والنزاعات». وكان التساؤل: هل سيؤدي زلزال الحوز إلى فرصة لمصالحة تاريخية بين المغرب والجزائر؟ ثم هل سيساهم في تجاوز الرباط وباريس الأزمة الشائكة؟
وقع تأويل في البدء لتصريحات وزير العدل عبد اللطيف الذي رحب مبدئيا بالمساعدات الإنسانية الجزائرية. واعتقد الجميع أن تصريحاته كمسؤول حكومي تتماشى وما جاء في خطاب الملك محمد السادس الذي طرح على الجزائر في أكثر من خطاب خلال السنوات الأخيرة، وآخرها خطاب العرش نهاية تموز/يوليو الماضي فتح الحدود والمصالحة الشاملة. وبدأت وسائل الإعلام الدولية تتحدث عن الانفراج والمصالحة، كما اهتمت بها عدد من البرامج الحوارية في قنوات عربية وفرنسية وإسبانية. ونشرت جريدة «الباييس» افتتاحية الأحد الماضي تأمل حصول هذه المصالحة. ولم يستمر هذا الإحساس طويلا، فقد اعتذر المغرب عن قبول المساعدات الجزائرية لأنه لا حاجة له بها في الوقت الراهن. وكانت الجزائر بدورها رفضت مساعدات المغرب للمساهمة في إطفاء الحرائق السنة الماضية التي ضربت هذا البلد المغاربي. وعليه، تصرف البلدين لا يحمل جديدا.
وإذا كانت العلاقات بين المغرب والجزائر سيئة منذ ما يفوق ستين سنة، ولا تحتاج إلى زلزال يزيد من تفاقمها، فكان الزلزال الدبلوماسي هو الذي ضرب العلاقات الفرنسية-المغربية ويفاقم من تدهورها بما يفوق جميع درجات سلم ريختر.
وتعرضت منطقة الحوز للزلزال وكان الملك يتواجد في العاصمة باريس منذ فاتح ايلول/سبتمبر الجاري، وساد الاعتقاد أنه ستحدث مكالمة هاتفية بينه وبين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ستكون مقدمة لتجاوز الأزمة الشائكة بين البلدين المستمرة منذ سنتين ونصف نتيجة ما يفترض تجسس المغرب على السياسيين الفرنسيين ببرنامج بيغاسوس الإسرائيلي، ثم بسبب ما يعتبره المغرب تعنت باريس الاعتراف بمغربية الصحراء. غير أن المكالمة لم تحدث، بل تفاقمت الأزمة بشكل مثير للغاية بسبب رفض المغرب للمساعدات الفرنسية. وتقف ثلاثة أسباب وراء تفاقم الأزمة وهي:
في المقام الأول، رفض المغرب قبول أي مساعدة من فرنسا، وقبول مساعدات أربع دول وهي إسبانيا وبريطانيا وقطر والإمارات العربية. واعتبرت باريس هذا الموقف تبخيسا من قيمتها لاسيما وأنه يتزامن مع تراجع نفوذها في القارة الأفريقية. في الوقت ذاته، اعتبرت القرار المغربي سياسيا لأنه اختار بلدين أوروبيين، الأول إسبانيا التي ترغب في الحلول مكان فرنسا كشريك استراتيجي للمغرب لاسيما في التجارة، والثاني بريطانيا التي يتطلع المغرب إلى تعزيز العلاقات السياسية معها بفضل الفيتو الذي تتمتع به في مجلس الأمن، وقد تعوض سياسيا فرنسا مستقبلا في المغرب.
في المقام الثاني، أعرب المغرب عن امتعاضه من التغطية الإعلامية الفرنسية للزلزال، بسبب تركيزها على المغرب المهمش الذي يختلف عن طنجة والدار البيضاء، ثم اتهام السلطات المغربية بضعف التنسيق والتأخر في التحرك لإنقاذ الضحايا، ونسبت ذلك إلى البيروقراطية وانتظار الجميع قرارات من القصر الملكي. وأخيرا، التركيز على شخص الملك كما فعلت المجلة الهزلية «شارلي إيبدو» ورسوم أخرى مثل الذي نشرته «ليبراسيون» بداية الأسبوع. ووجهت منابر إعلامية مغربية والنقابة الوطنية للصحافة والمجلس الوطني للصحافة انتقادات قوية للصحافة الفرنسية واتهمتها «بغياب المهنية والتحامل على الوطن». والواقع أن تغطية بعض وسائل الإعلام الدولية كانت قاسية بدورها في انتقاد ما اعتبرته تأخر الدولة المغربية في التحرك، كما حدث مع مقالات في جرائد «نيويورك تايمز» و«الواشنطن بوست» و«الباييس» أو «الموندو».
في المقام الثالث، إقدام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلة الثلاثاء من الأسبوع الجاري على توجيه خطاب إلى الشعب المغربي يقول فيه «فرنسا مستعدّة للتدخل فور تلقيها طلباً بهذا الشأن من السلطات المغربية» من الواضح أنّه يعود إلى الملك والحكومة المغربية، بصورة سيادية بالكامل، تنظيم المساعدات الدولية، وبالتالي نحن بتصرّف خيارهما السيادي. ويتابع «هذا ما فعلناه بطريقة طبيعية تماماً منذ اللحظة الأولى، وبالتالي أودّ من كلّ السجالات التي تفرّق وتعقّد الأمور في هذا الوقت المأساوي للغاية أن تصمت، احتراماً للجميع. نحن إلى جانبكم، اليوم وغداً». لم تعلق الدولة المغربية على خطاب ماكرون الموجه إلى الشعب المغربي، والتزمت الأحزاب السياسية الصمت بدورها، بينما شنت بعض وسائل الإعلام حملة عنيفة ضده، واصفة إياه بممارسات استعمارية، لأن مخاطبة رئيس أو ملك أجنبي لشعب غير شعبه أمر غير مقبول من الناحية القانونية. وعمليا، يقوم ملك أو رئيس دولة بتوجيه خطاب إلى شعب دولة أخرى في حالتين، الأولى عندما يتم توجيه دعوة له للخطاب في برلمان دولة مضيفة، وكان الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند قد وجه خطابا إلى الشعب المغربي عبر البرلمان المغربي يوم 4 نيسان/أبريل 2013. والحالة الثانية في حالة التوتر الشديد مثل الحرب للتمييز بين القيادة والشعب. في الوقت ذاته.
لقد كان زلزال الحوز عنيفا، خلف قتلى وجرحى ومشردين، غير أن شظاياه تسببت في أضرار جانبية للعلاقات الدبلوماسية للمغرب حيث فاقم الأزمات مع كل من الجزائر وفرنسا، ولم تنفع حتى «دبلوماسية الكوارث» في تحقيق المصالحة والتقارب.