الرباط ـ «القدس العربي»: بعد أسبوع من وقوع زلزال الحوز الذي ضرب المغرب في وقت متأخر من ليلة الجمعة 8 أيلول/سبتمبر، مودِيا بحياة 2900 ضحية على الأقل، وفق آخر الأرقام الرسمية، ما تزال المناطق المتضررة تدفن موتاها وتداوي الجرحى وتعد خسائرها الاقتصادية، سواء تلك التي أصابت البنية التحتية إلى جانب تلك المرتبطة بعدد من القطاعات التي ستتأثر حتما وعلى رأسها السياحة الجبلية.
وبسبب الزلزال الذي بلغت قوته 7 على سلم ريختر، تدمرت آلاف المنازل، وباتت عائلات بينهم أطفال ونساء ومسنون مُعرّضين لظروف جسدية ونفسية وذهنية قاسية وجو متقلب تنخفض فيه درجات الحرارة خلال الليل. كما تضررت المدارس والمستشفيات والمرافق الصحية والتعليمية الأخرى أو دُمّرت بسبب الزلازل، ما أثر بشكل أكبر على الأطفال.
تقارير أولية لمنظمة «يونيسيف» تشير إلى أن حوالي 100 ألف طفل تأثروا بالزلزال القوي، وهو أقوى حدث زلزالي يضرب المملكة منذ عام 1960 ولفتت إلى أن استمرار الهزات الارتدادية في الأيام والأسابيع المقبلة، سيعرض الأطفال والعائلات لمزيد من المخاطر.
اضطرابات نفسية بعيدة المدى
صدمة الزلزال الذي ضرب وساكنة المنطقة نائمون، ناهيك عن الظروف التي تَلت الكارثة، جعلت بشرى المرابطي، أخصائية نفسية وباحثة في علم النفس الاجتماعي، تؤكد أن للزلزال كما باقي الكوارث الطبيعية تأثير بالغ على هذه العائلات وخاصة على الأطفال والمراهقين، وتابعت: «من المتوقع أن تظهر جملة من الاضطرابات على المتضررين والناجين، كاضطراب الهلع وارتفاع القلق الحاد وقلق ما بعد الصدمة».
الباحثة في علم النفس الاجتماعي، أوضحت خلال حديثها لـ «القدس العربي» أن الأهالي سيعيشون فيما بعد نفس آثار الصدمة، على مستوى الصور والأصوات والأحداث والمشاعر، وأبرزت أن المعروف عن قلق ما بعد الصدمة، أن الإنسان تنتابه أحلام يقظة وكوابيس مستمرة وتظهر عليه عدوانية بين الفينة والأخرى، وخاصة لدى الأطفال، زيادة على تبول لا إرادي لديهم، وفي بعض الأحيان انطواء وانخفاض تقدير الذات.
«حين يلتحق الأطفال لاحقا بالمدارس، ستظهر سلوكيات عدوانية عليهم في بعض الأحيان إلى جانب الانطواء والانكماش على الذات».
وتحدثت الأخصائية النفسية عن كون السكان كبارا وصغارا، سيصابون بهلع كبير عند كل حركة وصوت وهبَّة رياح وتغيير في الطقس، وسيحدث لديهم اضطراب على المستوى الجسدي والنفسي والذهني، بسبب الترقب الدائم لحدوث الزلزال الموالي، وترقب أي هزات ولو كانت بسيطة.
وخلصت المتحدثة إلى كون «الآثار النفسية كبيرة جدا تتعمق أكثر مع كونهم لا يبيتون داخل بيوتهم، وأنهم في العراء ليلا ونهارا، وستتعمق أكثر في حال غياب المساعدات المالية أو تأخر السلطات عن دعمهم ومساعدتهم أو إعادة إعمار بيوتهم وقراهم».
وأوصت بشرى المرابطي بضرورة وأهمية تقديم دعم نفسي آني ومستقبلي إلى حين استقرار حالتهم وأحوالهم المعيشية وعودتهم لسابق حياتهم. كما أن التلاميذ في حاجة إلى مواكبة أخصائي نفسي في المدرسة وتواجده رفقتهم بصفة دائمة. وأكدت المتحدثة على أن الدعم النفسي ضروري للكبار كذلك، ممن ستظهر عليهم آثار الاضطرابات علاقة بصعوبة الاندماج في الحياة من جديد.
الأخصائية التي تنوي التحرك إلى أحد المناطق المنكوبة، للمساعدة في تقديم الدعم النفسي للضحايا، دعت زملاءها عبر البلاد إلى تقديم المساعدة النفسية للناجين، وأكدت أن المتضررين بحاجة إلى استعجال برنامج إعادة الإعمار في أقرب وقت، حتى لا تزيد معاناتهم في مواجهة برد فصلي الخريف والشتاء، وهم في أعالي الجبال، وبالتالي سيزيد من تأزم حالتهم النفسية، وفق تصريحها لـ«القدس العربي».
خسائر اقتصادية مهمة
علاوة على الأضرار البشرية الكبيرة، لا شك أن زلزال المغرب المدمر، خلف أضرارا اقتصادية مهمة، قدّرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنحو 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد البالغ نحو 130 مليار دولار، ووضعتها تحت تصنيف «الإنذار الأحمر» مشيرة إلى أنه «من المحتمل وقوع أضرار جسيمة، ومن المرجح أن تكون الكارثة واسعة النطاق».
وتتوزع الخسائر الاقتصادية الناجمة عن مثل هذه الكوارث ما بين الخسائر المباشرة المتعلقة بحجم الدمار الذي لحق بالمناطق المتضررة والبنية التحتية، والخسائر غير المباشرة الناجمة عن تأثر قطاعات رئيسية مثل القطاع السياحي، وهو قطاع مهم بالبلاد، وقطاعات أخرى.
الخبير الاقتصادي المغربي علي الغنبوري، أكد أن هناك تقديرات متباينة من عدد من الجهات أبرزها منظمة المسح الجيولوجي التي تقدر حجم الخسائر بـ 8 في المئة من قيمة الناتج الداخلي الخام، بما يعادل 10.5 مليار دولار، في حين هناك تقديرات أخرى تقلِّص هذه الخسائر إلى 2 في المئة، بما يعادل 2.5 مليار دولار، إلا أن هذه التوقعات جميعا تبقى تقديرات نسبية وغير دقيقة.
وأشار الغنبوري، متحدثا لـ «القدس العربي» أن العاهل المغربي اتخذ قرارات مهمة جدا من أجل النهوض بالمنطقة المنكوبة، مشيرا إلى كلفة معالجة هذا الوضع، من خلال المساعي المُنتظرة لتنظيم الأمور، حيث خصصت مبالغ مهمة لإعادة إيواء نحو 50 ألف مسكن انهارت كليا أو جزئيا على مستوى الأقاليم الخمسة المتضررة، مع منح الدولة مساعدة استعجالية بقيمة 30000 درهم (حوالي 3000 دولار) للأسر المعنية.
من جهة أخرى، تم اتخاذ مبادرات فورية لإعادة الإعمار، وفق الخبير الاقتصادي، مع تقديم مساعدة مالية مباشرة بقيمة 140 ألف درهم (حوالي 14 ألف دولار) للمساكن التي انهارت بشكل تام، و80 ألف درهم (8000 دولار) لتغطية أشغال إعادة تأهيل المساكن التي انهارت جزئيا. بالإضافة إلى التكفل الفوري بالأطفال اليتامى الذين فقدوا أسرهم وأضحوا بدون موارد ومنحهم صفة مكفولي الأمة.
دعم كامل
في أعقاب الزلزال المدمر الذي أدَّى إلى وفاة وإصابة الآلاف بالمملكة المغربية، أعلن البنك الدولي عن دعمه الكامل للمغرب، وأصدر صندوق النقد الدولي، بيانا عبَّر فيه عن دعمه للشعب المغربي والسلطات في البلاد.
وقال بيان الصندوق: «مشاعرنا مع الشعب المغربي في أعقاب الزلزال المدمر. تعازينا الحارة للجميع الذين فقدوا أحباءهم. في هذه الأوقات العصيبة، نقف مع الشعب المغربي وسلطات المملكة المغربية في مواجهتهم لهذه المأساة. لقد كنا على تواصل مع السلطات المغربية وعبرنا عن مشاعر الحزن والدعم نيابة عن موظفي وإدارة ومجلس إدارة صندوق النقد الدولي».