لندن ـ «القدس العربي»: بينما يتابع عالم كرة القدم العودة المبشرة لبعض المنتخبات العريقة إلى الساحة بعد غياب دام لعقود، كما نجح المنتخب المجري في خطف الأنظار في السنوات القليلة الماضية، هناك قوى عظمة في طريقها للانهيار، وفي رواية أخرى وصلت بالفعل إلى قاع الحضيض الكروي، مثلما وصفت شبكة «فرانكفورت ال غماين تسايتونغ» أداء المنتخب الألماني بعد الهزيمة التي تندرج تحت مسمى «الفضيحة الكروية» برباعية مقابل هدف أمام اليابان ضمن سلسلة المباريات الودية التي يخوضها الناسيونال مانشافت استعدادا لاستضافة يورو 2024، وبدرجة أقل يكافح المنتخب الإيطالي لاستعادة ولو جزء من أمجاد الماضي غير البعيد، ومعه منتخبات أخرى بوزن هولندا وبولندا تعاني الأمرين من أجل تأمين وضعها في التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الأوروبية.
قبل المسكن
صحيح المنتخب الألماني نجح في تحقيق فوز مُخدر بالنسبة للجماهير على حساب فرنسا في أول ودية تحت قيادة المدرب المؤقت رودي فولر، بعدما صدقت التوقعات التي كانت تراهن على طرد مدرب بايرن ميونيخ السابق بعد الهزيمة المحرجة أمام الساموراي الياباني، لكن هذا الانتصار لم يضف سوى قليل من البلسم على القلب، وذلك بطبيعة الحال، لاقتناع الرأي العام والشارع الكروي، بأن أزمة منتخب الماكينات الأول، أكبر وأكثر تعقيدا من منصب المدير الفني، متمثلة في ذاك الخلل الكبير داخل المنظومة الكروية منذ سنوات، وتحديدا منذ انتهاء فترة ذروة المدرب الأسبق يواكيم لوف، مع فشل الفريق في تحقيق هدفه الأخير في يورو 2016، بعد عامين من الوصول إلى قمة هرم المشروع الذي بدأ العمل عليه على أكثر من عقد من الزمن، منذ اللحظة التي ودع فيها المنتخب بطولة أمم أوروبا في البرتغال 2004، أو بالأحرى منذ أن تخلي الاتحاد الألماني عن سياساته وأفكاره القديمة، بإعطاء الأولوية دائما وأبدا لأصحاب الخبرات ومن هم فوق سن الـ30، على حساب المواهب والجواهر الشابة، شاملة أبناء المهاجرين الأجانب، وظهرت بداية الصحوة في مونديال 2006 تحت قيادة كلينسمان، بوصول شفاينشتايغر وبودولسكي وباقي جيل الشباب آنذاك إلى الدور نصف النهائي في كأس العالم، وظل منتخب الماكينات محافظا على مكانه في النصف النهائي في كل البطولات الكبرى حتى العام 2016، بما في ذلك لحظة الصعود إلى القمة بالتتويج بمونديال البرازيل 2014 مع لوف، وبأداء أقل ما يُقال عنه يلامس الكمال الكروي، لا سيما في مباراة افتراس ملوك اللعبة في عقر دارهم بسباعية لن تمحى من التاريخ.
لحظات ما قبل الانهيار
بدأ تفكك مشروع يواكيم لوف، مع الخروج المبكر من كأس العالم روسيا 2018، ورغم إجماع عالم كرة القدم على حاجة ألمانيا إلى أفكار جديدة، بعد وصول المنتخب إلى مرحلة الإفلاس الكروي مع لوف، إلا أن الاتحاد الألماني، تجاهل تلك الدعوات والضغوط، وأبقى على المدرب في منصبه، إلى أن وقع الاختيار على مساعده في الفترة بين عامي 2006 و2014 هانزي فليك، ليكون رجل المرحلة المقبلة، وما ضاعف حالة التفاؤل، النتائج الجيدة التي تحققت في بداية مشواره مع المنتخب، والتي وصلت لحد تحقيق الفوز في أول ثماني مباريات، منها مهرجان أهداف على ليختنشتاين بتسعة أهداف مقابل لا شيء، من أصل 33 هدفا سجلها المنتخب مقابل استقبال هدفين خلال تلك الفترة، ما جعل البعض يعتقد أنه «الرجل المناسب في المكان المناسب»، قبل أن تتبدل الأوضاع العام الماضي، بسلسلة من النتائج المخيبة للآمال في دوري الأمم الأوروبية، تبعها الخروج المذل من الدور الأول لكأس العالم في قطر 2022، رغم أن ألمانيا كانت من أقوى الأسماء المرشحة للحصول على اللقب، وكالعادة طبق الاتحاد الألماني المثل المصري الشهير «عامل نفسه من بنها»، تاركا مدرب بايرن ميونيخ الأسبق في منصبه، من دون استجابة للأصوات التي كانت تتعالى مع كل انتكاسة يتعرض لها المنتخب تحت قيادة فليك، إلى أن تحول الأمر إلى كارثة، بتحول الناسيونال مانشافت، إلى منتخب أقل ما يُقال عنه «باهت» وعلى مسافة بعيدة من منتخبات الدرجة الثانية، لدرجة أنه قبل عطلة يونيو/ حزيران، لم يعرف طعم الفوز سوى مرة واحدة في آخر ست مباريات، وفي المقابل انحنى 4 مرات في آخر 5 مباريات، منها أول خسارة أمام بلجيكيا منذ خمسينات القرن الماضي بنتيجة 3-2، وأخرى أمام كولومبيا بثنائية نظيفة، قبل أن يأتي موعد القشة التي قصمت ظهر البعير، والحديث عن رباعية اليابان التي عجلت بنهاية فليك مع منتخب بلاده.
بمتابعة بسيطة لنتائج كافة منتخبات ألمانيا من الناشئين وحتى المنتخب الأول، سنلاحظ أنها في تراجع مستمر منذ عام 2016، ولنا في المنتخب الأولمبي خير دليل، من وصيف دورة الألعاب الأولمبية في نفس العام، إلى الخروج المبكر في الأولمبياد الأخير، والأسوأ من ذلك، فشل في الحصول على بطاقة اللعب في بطولة باريس القادمة، حتى فريق الشباب تحت 21 عاما، سار على نهج الكبار في آخر مونديالين، وودع يورو 2023 من الدور الأول، فقط الاستثناء الوحيد الذي يمكن البناء عليه، هو فوز منتخب الناشئين تحت 17 عاما ببطولة أوروبا على حساب فرنسا، وبدرجة أقل وصول المنتخب الأول إلى ثمن نهائي يورو 2020، فيما عدا ذلك، لم تكن هناك إنجازات أو وحتى ومضات ملموسة لمنتخبات ألمانيا، نتيجة لما يُعرف إعلاميا، بالفقر أو الشح الكبير في المواهب المحلية في السنوات الماضية، وهذا يظهر في اختفاء الوجوه الألمانية أمام المحترفين الأجانب الذين خطفوا الأنظار في آخر 5 سنوات، والحديث عن أسماء بحجم جادون سانشو وإيرلنغ براوت هالاند وجود بيلنغهام وروبرت ليفاندوسكي وهداف الموسم الماضي نكونكو المنتقل حديثا إلى صفوف تشلسي. وفي المقابل، لم تصعد مواهب ألمانية جديدة على الساحة بنفس الجودة والكفاءة، بل أغلب المتاحين يُقال عنهم أنصاف نجوم، مثل تيمو فيرنر، الذي فشل في التعبير عن نفسه في أقوى دوري تنافسي في العالم، ونفس الأمر ينطبق على كاي هافيرتز، بتجربة مأساوية مع نفس الفريق اللندني، وأخرى حالية لا تقل مرارة مع آرسنال، فقط الاستثناء الواضح هو جمال موسيالا، لكنه ما زال شابا ويحتاج الى مزيد من الخبرات والاحتكاكات على المستوى الدولي، ومشاكل أخرى من هذا القبيل، منها التقاعس عن فكرة البحث عن بديل مستقبلي لمانويل نوير، والإفراط في الوثوق في لاعبين مزاجيين من نوعية ليروي ساني وسيرجي غنابري، أحيانا تجدهم يقدمون محتوى يضاهي كريستيانو رونالدو وميسي ومحمد صلاح، وأحيانا أخرى تبحث عنهم 90 دقيقة في الملعب حتى تتأكد أنهم ضمن الـ22 لاعبا.
جفاف جنة الأساطير
كما تعاني ألمانيا من نقص حاد على مستوى المواهب والأسماء القادرة على استعادة النسخة المحفورة عن الألمان كمنتخب قال عنه غاري لينيكر ذات مرة: «كرة القدم تعني منافسة بين فريقين وفي النهاية تفوز ألمانيا»، أيضا إيطاليا تعيش في جحيم منذ انتهاء ما تبقى من الجيل الذهبي في يورو 2020، وعلى رأسهم جورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي وباقي المخضرمين الذين دمجهم روبرتو مانشيني مع كييزا وباقي الطفرات الإيطالية الجيدة، ولو أن هذا لا يعني بالضرورة أن كارثة المنتخب العالمي الأكثر شعبية في الوطن العربي، قد بدأت قبل عام أو اثنين أو حتى مع بداية الاستيقاظ على كوابيس الغياب عن آخر اثنين كأس عالم، بل منذ توقف البلد الذي كان يستقطب ألمع وأشهر وأحرف نجوم اللعبة حتى بداية الألفية، عن صناعة وتجهيز نجوم وأساطير محلية لتحل محل باولو مالديني ونيستا وديل بييرو وفرانشيكو توتي وباقي الأسماء التي أحسنت استلام الراية من بعد باجيو وباريزي وباقي مشاهير الثمانينات وأوائل حقبة التسعينات. وهذه الانهيارات بدأت في التصدع بعد الانحدار الكبير على مستوى النتائج والتوقعات في أول كأسي عالم بعد إنجاز ألمانيا 2006، ونتذكر جيدا كيف ودع منتخب الأزوري مونديال جنوب أفريقيا والبرازيل من الدور الأول، فكانت تبعاتها الفشل في الترشح لكأس العالم مرتين على التوالي، والآن وبعد هروب المانشيو من السفينة، وموافقته على العرض السعودي السخي، أصبح المنتخب مهددا مع بطل الكالتشيو الموسم الماضي لوتشيانو سباليتي، بالإخفاق في انتزاع إحدى البطاقات المؤهلة ليورو 2024، بعد البداية المثيرة للقلق، التي أسفرت عن السقوط في فخ التعادل أمام مقدونيا الشمالية، في فرصة الحصول على رد الاعتبار، بعد الخروج أمامهم من الملحق الأوروبي المؤهل للمونديال الأخير، ثم الفوز المعقد على أوكرانيا بهدفين لهدف، لتبقى إيطاليا في المرتبة الثانية في المجموعة الثالثة برصيد 7 نقاط، بفارق 5 نقاط عن المنتخب الإنكليزي المتصدر، وبالتساوي في عدد النقاط مع كل من أوكرانيا والدابة السوداء مقدونيا الشمالية، فهل ينجح سباليتي الذي يعرف كل نجوم الكالتشيو في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح في ما تبقى من التصفيات؟ أم سيستيقظ عشاق الكرة والمنتخب الإيطالي على كارثة جديدة في نهاية مشوار التصفيات المؤهلة ليورو ألمانيا 2024؟