صحيفة عبرية: كيف سيجيب نتنياهو عن أسئلة بايدن على ورقة اليمين؟

حجم الخط
1

الزيارة الرسمية الأولى التي أجراها رئيس وزراء إسرائيلي في البيت الأبيض جرت ببهاء وفخر عظيمين في كانون الثاني 1964. نشأت في أثنائها ظروف محبة وتقدير متبادل بين الرئيس ليندون جونسون وضيفه رئيس وزراء إسرائيل ليفي أشكول. بعد أربع سنوات من ذلك، في كانون الثاني 1968، اتخذ جونسون خطوة أعظم؛ فإضافة إلى الحديث الذي أجراه مع أشكول في المكتب البيضاوي، دعاه ليحل ضيفاً عليه في مزرعته في تكساس. بالمقابل، في أثناء السنوات الباردة في علاقات واشنطن مع “القدس”، اضطر رئيس الوزراء بن غوريون للاكتفاء بلقاءات مجاملة غير رسمية مع الرئيسين تومان وآيزنهاور، والتي جرت بشكل عام في مدخل فندق في نيويورك، بعيداً عن مركز الاهتمام الجماهيري والإعلامي.
منذ أن تحطم الجليد في عهد جونسون، أصبحت زيارات رؤساء وزراء إسرائيل إلى البيت الأبيض عرفاً متجذراً بشكل عام. وها هو، الآن بالذات، عندما فتحت نافذة فرص للشريكين ظاهراً كي يعملا معاً من أجل تحقيق رؤية التطبيع المنشودة بين إسرائيل والسعودية كخشبة قفز لتغيير صورة وطبيعة المنطقة الشرق أوسطية كلها، يتكرر اللحن مرة أخرى. إذ نشهد مرة أخرى عودة في نفق الزمن مباشرة إلى الأيام البعيدة التي لم توفر في الإدارات الأمريكية أي جهد كي تخفي اللقاءات بين المسؤولين وتنزع عنها كل مظاهر الرسمية.
وبالفعل، سينعقد لقاء الرئيس بايدن ورئيس الوزراء نتنياهو هذا الصباح (بتوقيت نيويورك) في فندق إنتركونتيننتال (وليس حتى في فندق وولدورف استوريا في المدينة الذي كان موقع المحادثات المفضل لرؤساء الولايات المتحدة في السنوات الأولى من قيام الدولة). وذلك دون أي ذرة طقوس واحتفالات، ميزت القسم الأكبر من رحلات قادة الدولة إلى العاصمة الأمريكية، وفي هامش هوامش انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
سبب ذلك واضح: رغم أن الرجلين تواقان لتقدم سريع في الساحة الإسرائيلية – السعودية يخدم المصالح السياسية والحزبية لكليهما، تفصل بينهما رواسب الضغينة والخلافات بالصلة بعناصر التسوية التي بين “القدس” والرياض، ومشكوك أن يكون ممكناً رأب الصدوع وبلورة صيغة متفق عليها في دفعة واحدة.
وهكذا، رغم أن بايدن ونتنياهو على حد سواء يصلان إلى فندق انتركونتيننتال وهما مرضوضان ومتعثران من ناحية مكانتهما في جبهة البيت، فليس واضحاً إذا كان تطلعهما الخروج من القمة مع صورة نصر، تشكل محفزاً ورافعة حيوية لهما في الطريق إلى تحسين مكانتهما في البيت قابلاً للتحقق أم هو مجرد حلم بعيد.
إلى أين سيناور نتنياهو؟
بالنسبة لنتنياهو، فإنه يواصل كونه حبيساً بين رغبته الشديدة في توسيع اتفاقات إبراهيم والدفع قدماً بتسوية تطبيع مع السعودية (تساعده في الجهود لصد التهديد الإيراني وفي الوقت نفسه تهدئة الساحة الداخلية المعتملة وترميم مكانته في البيت) وبين جملة الاضطرارات والقيود الائتلافية التي تجعل اختراق هذا المسار صعباً جداً. إذ لا ينبغي أن ننسى بأن الرحلة إلى الرياض ستمر في واشنطن ورام الله أيضاً، دون أي مسلك التفافي، وتقصير للطريق أو رحلة مباشرة.

بشكل محدد، لتحقيق رؤية التسوية، فنتنياهو مطالب ليس فقط بالموافقة على تنازلات وحلول وسط في المستوى الفلسطيني، بل أيضاً لإرضاء السيد الأمريكي في كل ما يتعلق ببنية وإرث “العلاقات الخاصة”. بكلمات أخرى، عليه أن يتعهد بألا يخرج بعد اليوم عن الشخصية المتجذرة لهذا الإرث التي في حبلها السري وعد لا لبس فيه بالحفاظ على الطبيعة والصورة القضائية والدستورية القائمة بالديمقراطية الإسرائيلية بكل مداميكها وعناصرها.
هذه إذن هي خلاصة فهم الصلة التي بين أطر السياسة التي أصبحت رافعة ملموسة وصلبة في أيدي “كل رجال الرئيس”، والتي فيها ما يقلص هوامش المناورة لدى رئيس الوزراء.
من ناحية واشنطن، المحبطة من الوعود الإسرائيلية التي لم تتحقق، إلى التزام صريح من جانب نتنياهو لتجميد التشريع، وفي الوقت نفسه الموافقة على خطوات بناء ثقة مع السلطة الفلسطينية، لن توافق الإدارة على الاستثمار في مقدرات باهظة الثمن لتحقيق الخيار السعودي. إلى أي مدى يتحمس الرئيس الأمريكي، المتدهور في الاستطلاعات، كي يصبح مهندس تسوية إقليمية؟ وبينما تقف سنة الانتخابات على الأبواب (وأمام تحد محتدم من جهة دونالد ترامب) بقي بايدن مصمماً على الحصول على مقابل إسرائيلي حقيقي (وليس فقط لفظياً كما في السابق) كشرط مسبق ضروري لمنح أولوية لهذا الهدف مع كل ما ينطوي عليه ذلك من معنى (بما في ذلك استعداد الإدارة لإثباته السعودية كحافز للتقديم نحو التسوية مع إسرائيل). هذا، في عصر مليء بالتحديات، مثل الحاجة إلى مساعدة مكثفة لأوكرانيا، واضطرار خوض الحرب الباردة مع روسيا والصين.
معضلة مليئة بالمصاعب
لكن نتنياهو يرى أن هذا الفهم الرابط بين الأمور يطرح معضلة محملة بالمصاعب سيصعب حتى على أمثاله حلها. فكل تنازل إسرائيلي (باستثناء بادرة طيبة رمزية) في الساحة الفلسطينية (ولا نتحدث عن عمل الرئيس لتحقيق حل الدولتين، كما قال أمس في الجمعية العمومية للأمم المتحدة) ربما يثير عليه حراس السور والبرج من مصنع سموتريتش وبن غفير، بينما الإعلان عن تجميد (الإصلاح) من شأنه أن يثير هياج في أوساط قسم من المعسكر الحريدي على الأقل، ناهيك عن الرد الاستفزازي من جانب مهندس التشريع، وزير العدل يريف لفين، وكتلة مؤيديه في الليكود.
في هذا الوضع ما كان لأعظم الزعماء أن يتحرر بعصا سحرية من الحبال التي تلتف عليه، إلا إذا وجدت الصيغة السحرية التي تسمح للزعيمين بالإعلان عن “إنجازات” أو عن “تقدم مبارك”، ويبدو أنه حديث يدور عن لقاء مشحون مصيره معروف مسبقاً.
أبراهام بن تسفي
إسرائيل اليوم 20/9/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية