ليبيا: تهمة التقصير تلاحق المسؤولين عن كارثة درنة

رشيد خشانة
حجم الخط
0

أصبح الدرناويون يعتقدون أن السلطات لم تأخذ الإنذار الذي مثله مرور العاصفة من اليونان وبلغاريا وتركيا على محمل الجد، ولم تتخذ الإجراءات الوقائية اللازمة.

يمكن القول إن معضلة ليبيا تكمن في حدة الصراع بين معسكرين لا يريدان التعايش مع بعضهما البعض تحت خيمة واحدة، ويستعينان بقوى خارجية للاستقواء على الخصوم المحليين. هذه القوى الخارجية لم تتوان عن  سكب الزيت على الموقد الملتهب. وقد أوضح تقرير حديث كتبه خبراء من الأمم المتحدة، أن أيا من الطرفين المتصارعين لا يملك من القدرات العسكرية ما يؤهله لحسم المعركة نهائيا لصالحه، ما يعني أن حالة الحرب مستمرة والنزف متواصل. وأظهرت الحرب التي شنها اللواء المتقاعد خليفة حفتر في العام 2018 لمحاولة الاستيلاء على العاصمة طرابلس، عجز قائد «الجيش العربي الليبي» عن دخولها. كما مُنعت القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليا من تجاوز خط سرت (شمال الوسط) نحو الشرق. والمؤكد أن الطرفين يعرفان ما هي الحدود التي ينبغي لكل طرف منهما الوقوف عندها.
أكثر من ذلك، أكد خبراء بالأمم المتحدة ممن يراقبون تنفيذ العقوبات على ليبيا، أن الأردن والإمارات وتركيا انتهكت مرارا حظر السلاح المفروض على ليبيا، وأن من المرجح جدا أن طائرة أجنبية، مسؤولة عن ضربة قاتلة، استهدفت مركزا لاحتجاز المهاجرين. وهذا يعني أن الحرب الأهلية لن تتوقف طالما استمر تسليح الميليشيات، وما دامت هناك حكومتان تمولان صفقات السلاح من عوائد النفط. وأشار خبراء الأمم المتحدة إلى أن «نقل (مواد عسكرية) إلى ليبيا حدث بصورة متكررة، وأحيانا على نحو سافر من دون أدنى مراعاة للالتزام بالإجراءات العقابية». وأقرت الأمم المتحدة مؤخرا عقوبات على المواطن الليبي أسامة الكوني إبراهيم، وذلك استنادا إلى احتمال تورطه في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد مهاجرين في ليبيا. وإبراهيم هو المدير الفعلي لمركز احتجاز للمهاجرين في مدينة الزاوية، القريبة من العاصمة طرابلس ومن الحدود المشتركة مع تونس، التي يتدفق منها آلاف المهاجرين، الساعين إلى عبور المتوسط نحو السواحل الإيطالية. ويُنسبُ لابراهيم اقتراف انتهاكات مروعة ضد المهاجرين، بما في ذلك أعمال القتل والعنف الجنسي والضرب، بإشرافه الشخصي وبمشاركة أفراد من أسرته.
اللافت أن القوى الخارجية تسحب من أصابع الدولة الليبية المتداعية بعضا من صلاحياتها، بما فيها دور الجهاز القضائي، مُستحوذة على تلك الصلاحيات بحكم الأمر الواقع. ومن آخر الأمثلة على ذلك العقوبات التي أنزلتها وزارة الخزانة الأمريكية بإبراهيم الكوني بتهمة ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. وتعهدت الوزارة بمواصلة العمل مع المجتمع الدولي لدعم الضحايا وتحديد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان وسوء المعاملة والاستغلال والعنف، الذي يُرتكب ضد المهاجرين المستضعفين، لدى عبورهم ليبيا، بحثا عن حياة أفضل. وحض الأمريكيون حكومة الوحدة الوطنية الليبية على محاسبة إبراهيم وأشخاص آخرين يُشتبه بأنهم ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان. إلا أن الحكومة لا تريد فعل ذلك خشية ردود فعل ذات طابع قبلي أو مناطقي. كما اتهم تقريرٌ للجنة عقوبات ليبيا، بمجلس الأمن الدولي السودان أيضا، وتحديدا قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي، بانتهاك عقوبات الأمم المتحدة بنشر ألف جندي سوداني في ليبيا. كما أماطت لجنة العقوبات اللثام عن وجود جماعات مسلحة تشادية وسودانية، لدعم كل من القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني وتلك المنضوية تحت لواء جيش حفتر.

قطاع النفط سليمٌ

ومن المهم أن نعرف أن عاصفة «دانيال» التي ضربت مدينة درنة أودت بحياة الآلاف ودمرت ربع المدينة، لكنها لم تُلحق أضرارا بالمنشآت النفطية الرئيسة في ليبيا، على ما قال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط فرحات بن قدارة. وعزا بن قدارة ذلك إلى الإجراءات الاستباقية، التي اتخذتها المؤسسة، لدى الإعلان عن قرب وصول العاصفة إلى السواحل الليبية. وفي النتيجة لم تتأثر صادرات النفط والغاز جراء العاصفة (التي لم تكن إعصارا) بعد إقفال منصات التصدير وقتيا، من باب الاحتياط، ثم معاودة فتحها بعد مرور العاصفة. غير أن أسعار الخام ارتفعت بسرعة لدى تعليق تصدير النفط الليبي، والذي لم يدم طويلا قبل ان يعود إلى النزول. ويعتبر خبراء أن إنتاج النفط الليبي قابلٌ للزيادة شريطة الوصول إلى استقرار أمني، وتحييد القطاع عن الصراعات السياسية. وقد أثمرت فعلا أعمال الصيانة في الشهور الأخيرة زيادة في حجم الإنتاج. ويُعتبر رفع الإنتاج مسألة حيوية للحكومة الليبية بالنظر لحجم النفقات التي ستُخصص لإعادة إعمار درنة ومدن صغيرة حولها.

من المسؤول؟

عندما خارت قوى المُسعفين، وضرب اليأسُ عناصر الدفاع المدني من العثور على جثث، في ركام درنة، انطلق الجدل المعجون بالحزن الشديد، ليُوجه أصابع الاتهام إلى السلطات، تحت عنوان كبير «التقصير». لم يصدر الاتهام فقط عن قلوب الأمهات المكلومة، اللائي فقدن فلذات أكبادهن، ولا عن فتاة رحل والدها مع الأمواج الهادرة صوب البحر، بل أتى من منظمات عُرفت بجديتها وحرفيتها، من بينها منظمة الأرصاد الجوية العالمية، التابعة للأمم المتحدة. قال رئيس المنظمة بيتري تالاس إن غالبية القتلى في درنة كان يمكن تجنيبُها الموت. وأفاد تالاس أن سنوات الصراع الأهلي في ليبيا دمرت القسم الأكبر من شبكة الرصد الجوي، كما ضربت الأنظمة المعلوماتية في البلد، ما جعل الفوضى تسود.
ومن أجل مواجهة وضع يوصف بالكارثي أصدر مكتب التنسيق الإنساني التابع للأمم المتحدة طلب عروض بقيمة 71 مليون دولار، لتأمين مساعدات فورية لنحو 250 ألف شخص الأكثر تضررا من عاصفة «دانيال». كما طلبت بلدية درنة من السلطات، فتح معبر بحري للتمكُن من إيصال المساعدات العاجلة وإجلاء الجثث من وسط المدينة، بعدما دمرت العاصفة معظم الطرقات والجسور المؤدية إليه. ولم يسلم من الدمار في درنة سوى حي شيحا.
أصبح الدرناويون يعتقدون أن السلطات لم تأخذ الإنذار الذي مثله مرور العاصفة من اليونان وبلغاريا وتركيا محمل الجد، ولم تتخذ الإجراءات الوقائية اللازمة في الابان. وحاليا هي مترددة بين دفن الجثث سريعا، وإن كان ذلك في مقابر جماعية، للحيلولة دون تحللها وانتشار الأوبئة، وبين المحافظة عليها كي يتعرف عليها ذووها. وفي هذا الإطار أعلن الصليب الأحمر أنه وفر 6000 كيس لوضع الجثامين، ما يدل على ضخامة عدد الموتى، الذي يتجاوز الأرقام الرسمية. حتى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي يحرص على انتقاء عباراته في العادة، حمل المسؤولية المعنوية لـ«القادة المحليين» الذين اعتبرهم عاجزين، مؤكدا أن ضحايا السيول في درنة، سقطوا نتيجة الصراع والفوضى المناخية، وهم «ضحايا القادة الذين خذلوهم في إيجاد سبيل للسلام» على ما قال. واتجهت أنظار الليبيين، وخاصة الدرناويين، إلى مكتب النائب العام، الصديق الصور، الذي جمع الوثائق المتصلة بالكارثة وعكف على درسها.
وأفاد الصور، في تصريحات لقناة «ليبيا الأحرار» أن النيابة حددت عددًا من المتهمين في قضية انهيار سدَّيْ درنة، من دون أن يكشف عن أسماء، موضحا أن النيابة باشرت تحقيقاتها من مكاتبها في درنة وبنغازي وطرابلس. وأكد الصور أن نتائج التحقيقات في القضية «ستظهر قريبا». وبالإضافة إلى النيابة العامة، شكل المجلس الأعلى للقضاء لجنة تحقيق تضم ثلاثة من أعضائه ومستشارا بمحكمة استئناف درنة، للتحقيق في ملابسات الكارثة، والوقوف عند أسبابها الحقيقية. وقال النائب العام إن لديه «دراسات مستفيضة» عن تاريخ السدّين، وأنه باشر استدعاء إدارة السدود والهيئة المختصة بالموارد المائية. وفي السياق ذاته، أحال ديوان المحاسبة إلى النائب العام تقريرا بأسباب تعثر مشروعي صيانة سدّي درنة وأبومنصور. ويأمل الليبيون، بعد تجميع تلك الوثائق والبيانات، الكشف عن أسباب التقصير، على الرغم من توافر الأرصدة المطلوبة لإنجاز أعمال الصيانة في السُدين. والظاهر أن الجهة المتعاقدة، والتي لم يُكشف عن هويتها، حصلت على الموافقات اللازمة لتنفيذ المشروعين منذ سنتي 2007 و2009.

رسالة إلى الزعماء الليبيين

وأكد ممثلو 11 دولة بالإضافة للأمم المتحدة، خلال اجتماع مع المبعوث الأممي عبد الله باثيلي، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، على الحاجة الملحة لتعزيز التنسيق بين الأطراف الليبية والدولية في مواجهة تداعيات الكارثة. ولم يخلُ الاجتماع من السياسة، إذ تطرق المجتمعون إلى ضرورة تعزيز التوافق السياسي اللازم لإنجاح الانتخابات البلدية. في الوقت نفسه كان المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند يكشف عن توجيه رسالة إلى القادة السياسيين الليبيين، بالاشتراك مع قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال مايكل لانغلي، الذي زار ليبيا، واجتمع في وزارة الدفاع، بمعية السفير نورلاند، مع عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المعترف بها دوليا، والذي يتولى في الوقت نفسه حقيبة الدفاع. لكن لم يُكشف عن فحوى الرسالة الأمريكية المُوجهة إلى الزعماء الليبيين، ولا عن فحوى الاجتماع بين الدبيبة ونورلاند ولانغلي.
الأرجح أن الانقلابات التي هزت الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، وانتشار الآلاف من قوات «فاغنر» في المنطقة، وفي القارة الأفريقية عموما، كانت الملف الرئيسي في المحادثات التي أجراها الموفدان الأمريكيان في طرابلس. كما يُرجح أنهما تطرقا إلى ضرورة الحد من تدفق السلاح على ليبيا، الذي يُغذي الصراعات المسلحة، مثلما حدث مؤخرا في العاصمة طرابلس. وكان لافتا أن الأمريكيين كانوا حريصين على تمرير دعمهم لمنكوبي درنة عبر الحكومة المعترف بها دوليا وأجهزتها التنفيذية وفرقها الميدانية في المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى بحث ملفات تأمين الحدود ومكافحة الإرهاب، والتحولات المتلاحقة في الوضع السياسي والأمني، الذي تعيشه دول الجوار الأفريقية، وتداعياتها على أمن ليبيا واستقرارها. ولم يُعرف ما هو الدافع إلى توجيه رسالة إلى الزعماء الليبيين في هذا الظرف تحديدا، ولا ماهو فحواها. لكن يمكن أن نستشفها من جملة نطق بها لانغلي، قائلا «أصبح من المهم الآن أكثر من أي وقت مضى أن يعمل جميع القادة السياسيين الليبيين معًا، لخدمة الشعب الليبي». على أن المعروف هو أن النخب الماسكة حاليا بدواليب السلطة، في الشرق والغرب على السواء، استنفدت أغراضها، وباتت جزءا مُعطلا، وحجر عثرة في طريق صعود نخب شابة، لم تتورط في لعبة السلاح والميليشيات والفساد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية