واشنطن ـ «القدس العربي»: ليس هناك أي اهتمام لدى إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أو الإدارات الأمريكية المتعاقبة للحفاظ على اتفاقيات أوسلو، وفي الواقع، يمضي البيت الأبيض، بغض النظر عن العبارات الدبلوماسية الرتيبة، قدماً في تنفيذ استراتيجية تهدف في نهاية المطاف إلى نسف فكرة حل الدولتين أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة بأي شكل من الأشكال.
وعلى النقيض من ذلك، فإن «الهاجس الوحيد» لبايدن على ما يبدو هو تنفيذ أمنيات ورغبات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووفقاً لملخص البيت الأبيض لمحادثات بايدن ونتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد بايدن، الذي تفاخر مراراً بأنه صهيوني، بأن إسرائيل «ضرورية» وعلى حد تعبيره، فإنه لا يوجد أي يهودي آمن في العالم بدون وجود إسرائيل.
بعد مرور 30 عاماً على التوقيع عليها، وبعد مرور 29 عاماً على حصول رابين وبيريز وعرفات على جائزة نوبل للسلام، ما زالت عملية أوسلو تُذكَر إلى حد كبير باعتبارها مثالاً رئيسياً للخداع الدبلوماسي، وكما أشار العديد من المحللين الأمريكيين، فإن استيلاء إسرائيل على الأراضي وتوسيع المستوطنات، والذي أدى إلى زيادة عدد المستوطنين الإسرائيليين من 115 ألف مستوطن في عام 1993 إلى ما يقرب من 700 ألف مستوطن اليوم، قد جعل من إنشاء دولة فلسطينية مستقلة أمراً غير ممكن كما أن المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط برمتها أصبحت الآن فعلياً دولة واحدة يُحرم فيها الفلسطينيون بشكل منهجي من حقوق الإنسان الأساسية.
الغموض البناء
لقد زرعت عملية أوسلو بذور زوالها من خلال الحفاظ على «الغموض البناء» فيما يتعلق بطبيعة التسوية النهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكانت الاتفاقات معقدة ومليئة بالثغرات، وعكست اختلال توازن القوى بين المحتلين والمحتلين. لقد أثاروا توقعات كان مصيرها الاصطدام بالسرديات الوطنية والاعتبارات السياسية الداخلية المتضاربة.
وبحلول الوقت الذي بدأت فيه المفاوضات بشأن التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، لم يكن هناك أي اقتراح سلام جدي إسرائيلي، والمقترحات الشاملة التي قدمها رئيسا الوزراء إيهود باراك وإيهود أولمرت في عامي 2000 و2008 على التوالي ــ لم تكن قادرة على تلبية توقعات الفلسطينيين، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين.
ولاحظ محللون أمريكيون أن اتفاقيات إبراهام لعام 2020 التي طبعت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وأربع دول عربية ــ الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان ــ هي شهادة على فشل أوسلو، وأضافوا أن «الحكمة السائدة» كانت خلال عهد أوسلو هي أن السلام مع الفلسطينيين من شأنه أن يكون بمثابة نقطة انطلاق للسلام بين إسرائيل والعالم العربي الأوسع، ولكن في نهاية المطاف، سادت الاعتبارات الجيوسياسية، ويبدو أن إسرائيل والمملكة العربية السعودية تقتربان من التطبيع الدبلوماسي، وظهر الصراع العربي – الإسرائيلي على نحو متزايد وكأنه من مخلفات الماضي، على الرغم من أن فلسطين لا تزال محتلة.
وعلى أي حال، فإن الولايات المتحدة نفسها غير قادة على التظاهر بأن الأمور لا تزال على يرام بالنسبة لاتفاقيات أوسلو، وقال خبراء إن السبب الوحيد لتأجيل إعلان الوفاة الرسمية للاتفاقيات هو انتظار التوقيت المناسب لإسرائيل لمثل هذا الإعلان، وفي الواقع، ليست هناك أي حاجة لمثل هذا الإعلان لأن إسرائيل تمارس سياسة الأمر الواقع المفروض بالقوة.
وبالنسبة للعديد من المحللين الأمريكيين، فإن الدور الإيجابي الوحيد الذي يمكن أن تمارسه الولايات المتحدة، باعتبارها المهندس الرئيسي لاتفاقيات إبراهام، هو الاستفادة من إعادة التنظيم الإقليمي هذا للتخفيف من سوء معاملة الفلسطينيين، وقالوا إن إن أي تطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية يجب أن يكون مشروطا بإحراز تقدم ملموس على الجبهة الفلسطينية.
فشل أوسلو
ومن الواضح أن هناك شبه إجماع بين الخبراء في الولايات المتحدة وإسرائيل على فشل أوسلو لعدة أسباب، من أهمها عدم وجود إرادة سياسية في المقام الأول لتنفيذ هذه الاتفاقيات والتعامل معها كأسلوب لتعطيل أي حراك فلسطيني شعبي مقاوم.
ولاحظ محللون أمريكيون أن طريقة تعامل إسرائيل مع اتفاقيات أوسلو هي نموذج لطريقة إسرائيل في «إدارة النزاع» وقد تغلغلت هذه الرؤية تدريجياً في المجتمع الدولي.
وقالوا إن الاستقبال كان إيجابيا إلى حد كبير عندما تم التوقيع على اتفاقية أوسلو باستثناء جماعات المقاومة مثل حماس، ومع ذلك، ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح تدريجيًا أن إسرائيل لم تكن ترغب أبدًا في رؤية دولة فلسطينية مستقلة، وفي السنوات التالية، سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة باستمرار إلى نزع الشرعية عن الحركة والمقاومة الفلسطينية، وتعمدت تخريب محاولات التوصل إلى تسوية نهائية على النحو المنصوص عليه في الاتفاقات. وكانت الولايات المتحدة، الداعم الرئيسي لإسرائيل، متواطئة في ذلك إلى حد كبير على الرغم من أنها تؤيد الاتفاقيات كلاميا.
وردد العديد من المحللين تصريحات العضوة السابقة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي، ومن بينها القول إن «أوسلو بأكملها… تحظى بشرف الانتهاك أكثر من الامتثال. إن إسرائيل تنتقي وتختار ما يحلو لها من أوسلو… كانت أوسلو أداة مريحة للغاية للإسرائيليين للاستيلاء على المزيد من الأراضي، والحصول على المزيد من الوقت، وخلق المزيد من الحقائق».
ويبدو أن أوسلو أعطت الفرصة للإسرائيليين ليفعلوا ما يريدون، ولم يكن هناك أي حساب من الأمريكيين أو الأوروبيين.
ولاحظ محللون أن العديد من مبعوثي الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بمن فيهم دينيس روس، قد استخدموا اتفاقيات أوسلو كذريعة لمفاوضات لا أساس لها من الصحة، والتي تخفي بناء المستوطنات الإسرائيلية لسنوات، ومن الصعب التصديق بأن إسرائيل ستقوم يوماً بإزالة المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، ومن الواضح تماماً لأي مراقب أن وظيفة «البيت الأبيض» ووزارة الخارجية الأمريكية وغيرها قد أصبحت توسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، عبر اتفاقيات التطبيع وغيرها، وليس تنفيذ أي اتفاقية سلام، بما فيها اتفاقية أوسلو.
واستنتج محللون بأنه قد حان الوقت «لإخراج اتفاقيات أوسلو من بؤسها» وحان الوقت، أيضاً، للابتعاد عن العيش في خيال عالم تظل فيه أوسلو ذات أهمية.