أوسلو الميت الحي

هشام عبد الله
حجم الخط
0

منذ توقيعه عام 1993 في واشنطن، ما زال اتفاق أوسلو يحرك كل حديث ونقاش حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكن معظم الدلائل والآثار على أرض الواقع تقول إنه لم يعد على قيد الحياة.

وعمليا، تراجعت إسرائيل عن جميع بنود الاتفاقية السياسية وأبقت في المقابل على ما يتعلق بالشق الأمني منهما، بل انها زادت على ذلك منذ اجتياحها المدن الفلسطينية الرئيسية في الضفة الغربية عام 2002.
وهي أمعنت في تقسيم أوصال الضفة الغربية وحولتها إلى «كانتونات» منفصلة تفتحها وتغلقها بواسطة بوابات وحواجز عسكرية نصبتها على طول وعرض بلدات وقرى والتجمعات الفلسطينية.
المفارقة ان إسرائيل تواصل في غضون ذلك فرض سيادتها الكاملة على أكثر من 60 في المئة من مناطق الضفة الغربية تحت مسمى مناطق «ج» التي نص عليها اتفاق أوسلو الذي لم تعد تعترف بوجوده في ذات الوقت.
ولا يمكن إغفال حقيقة مواصلة إسرائيل حصار قطاع غزة وفصله عن الضفة الغربية وبقية العالم. وكذلك فإن مفاوضات التسوية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين متوقفة منذ العام 2014.

وحدات استيطانية وشق طرق

وفي حين يصر الجانب الرسمي الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية على التمسك باتفاق أوسلو، فإن لا صوت على الجانب الإسرائيلي يكاد يذكره أو يتذكره، بل أن معظم حكومات إسرائيل المتعاقبة تنكر على الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة.
وخلال السنوات الثلاثين الماضية منذ توقيع اتفاق أوسلو ارتفع عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية والقدس الشرقية من نحو 190 إلفا إلى قرابة المليون في العام الحالي.
ولا تتوقف حكومات إسرائيل عن إصدار عشرات الخطط واقرارات لبناء وحدات استيطانية وشق طرق وانشاء بنى تحتية جديدة ومصادرة عشرات آلاف الدونمات من أرض الضفة الغربية لهذا الغرض.
وبالرغم من كل النداءات التي وجهتها السلطة الفلسطينية ومحاولاتها تقديم شكاوى لدى مجلس الأمن وقضايا أمام محكمة الجنايات الدولية وحث العالم على الضغط على إسرائيل لوقف نشاطها الاستيطاني في الضفة الغربية، فإن ذلك لم يردع إسرائيل على الإطلاق.
وخلال حديثه أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الـ 78 الذي انعقد في نيويورك الأسبوع الماضي، كرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس ذات الدعوات والنداءات للمجتمع الدولي لحمل إسرائيل على وقف عدوانها واحتلالها الأرض الفلسطينية.
وفي حين قال عباس إن إسرائيل «تحللت» من التزاماتها المتعلقة باتفاق أوسلو، فإنه ظل متمسكا بالاتفاق ولم يرشح من خطابه الأخير أن هناك مجرد احتمال بسيط ان يتراجع عن الاتفاق، ودعا في المقابل إلى عقد مؤتمر دولي للسلام.
ولا يخفي عباس والقيادة الفلسطينية تمسكهم بأوسلو وبالمفاوضات كوسيلة وحيدة لحل الصراع مع إسرائيل التي عبر قادتها مرارا وتكرارا عن رفضهم للجلوس مع الفلسطينيين على طاولة المفاوضات.
ونقل مقربون من عباس قوله خلال اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح الذي انعقد في رام الله أواخر شهر اب/اغسطس الماضي، انه قال ردا على أسئلة حول ماذا سيطلب من السعودية حال دخلت في مفاوضات تطبيع مع إسرائيل «ان نعود إلى المفاوضات بشرط عدم اتخاذ إجراءات احادية» من جانب إسرائيل.
وأفادت ذات المصادر ان السعودية كانت أبلغت عباس قبل أشهر انها بدأت محادثات تديرها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن من أجل التوصل إلى اتفاق سلام سعودي إسرائيلي، وان مسؤولين سعوديين كشفوا لعباس أن «المبادرة العربية لم تعد صالحة وان بامكانهم أن يحققوا مطالب فلسطينية بشكل أفضل حال توصله لاتفاق مع إسرائيل».

إسرائيل والسعودية

وتدرك القيادة الفلسطينية ان توقيع اتفاق بين إسرائيل والسعودية سيجعل الطريق سالكا أمام بقية الدول العربية والإسلامية لتسير على ذات الدرب، الأمر الذي يعني ترك الفلسطينيين مكشوفي الظهر وزيادة ضعفهم ضعفا أمام التغول الإسرائيلي.
وفي الوقت الذي أعلن فيه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن احتمالات توقيع اتفاق مع إسرائيل تقترب أكثر وأكثر، فإن الجيش الإسرائيلي يواصل مهاجمة مدن الضفة الغربيىة يوميا حيث يوقع قتلى وجرحى ويدمر ممتلكات الفلسطينيين، إضافة إلى بناء مزيد من المستوطنات.
بل ان جيش إسرائيل ينفذ عمليات مداهمة اعتقال لناشطين فلسطينيين على مقربة من مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية. وحتى الآن لم يصدر أي رد فعل فلسطيني على تصريحات ولي العهد السعودي، ولا يتوقع ان نسمع شيئا من القيادة الفلسطينية التي تفضل عدم الدخول في مواقف يمكن أن تجلب تأويلات يمكن ان تفسر على وجود خلافات بين الطرفين.
بيد أن كل هذه الوقائع والحقائق التي تثبت أن أوسلو لم يعد قائما إلا بصيغته الأمنية التي تحددها إسرائيل وحسب تفسيرها ووفقا لمصالحها، لم تترك أثرها على تمسك قيادة منطمة التحرير الفلسطينية بهذا الاتفاق.
ويمكن تفسير ذلك باقتناع القيادة الفلسطينية ان مفهوم حل الدولتين الذي أنجب أوسلو ما زال ممكنا، وان التصريحات التي تواصل الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي اطلاقها حول التمسك بحل الدولتين، ربما تتحول إلى حقيقة يوما ما.
وثمة حقائق أخرى قائمة لا يمكن اغفالها وتفسر تمسك القيادة الفلسطينية الحالية بأوسلو، أولها أن عباس نجح خلال السنوات الأخيرة من حكمه بإبعاد كل الأصوات القوية داخل حركة فتح والتي كانت تنادي بإجراء تغيرات في النهج السياسي لاسميا بعد توقف المفاوضات وخرق إسرائيل لكل بنود الاتفاق.
وفي غضون ذلك نمت وترعرت في مجموعة من المسؤولين الأمنيين والسياسيين والاقتصاديين من رجال المال والأعمال الفلسطينيين حول الرئيس عباس. ويعمل هؤلاء بشكل حثيث على تطبيق هذه السياسة مع الدعم المستمر لها من كل من الأردن ومصر، أقرب حليفين للسلطة الفلسطينية.
في موازاة ذلك تقف مجموعة الاتحادات والنقابات والجمعيات التي تمثل مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني المهنية والشعبية كدرع واق لسياسات القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية.
ليس ثمة معارضة حقيقية، بامكانها أن تقنع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بإن أوسلو مات، وانه لا حاجة حتى لدفنه، بل إمارة تمسك بزمامها حركة حماس في قطاع غزة وشتات فلسطيني منقسم على نفسه كما الداخل.
يستطيع أوسلو الميت أن يخرج للحياة متى شاء الجيش الإسرائيلي وقواته وأدواته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية