في ذكرى انتفاضة تشرين اعتداءات وانتهاكات حرية الرأي متواصلة

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: مع اقتراب ذكرى انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 2019 يشتكي الناشطون في العراق من تصاعد إجراءات فرض المزيد من القيود على حرية الرأي لمنتقدي الفساد ونقص الخدمات، بالتزامن مع جدل محتدم بين القوى السياسية حول تمرير قوانين في البرلمان تتعلق بحرية الرأي وحقوق ضحايا تشرين ومصير المعتقلين والمفقودين.

وقبل أيام من ذكرى اندلاع انتفاضة تشرين الداعية إلى الإصلاح ومحاربة الفساد التي انفجرت في تشرين الأول/اكتوبر عام 2019 يستعد الناشطون للقيام بالعديد من الفعاليات والأنشطة للتذكير بأهداف الحراك الشعبي الإصلاحي وتخليد ضحاياه من الشهداء والجرحى.
وفي هذا السياق أعلن النائب المستقل سجاد سالم، عن تقديم مقترح قانون الشهداء والجرحى والمغيبين والمبعدين قسرا بسبب التظاهرات. وقال سالم خلال مؤتمر صحافي عقده في مبنى البرلمان، إن «مقترح القانون تم تقديمه إلى رئاسة البرلمان مشفوعا بتواقيع عدد من أعضاء مجلس النواب وفق المادة 60 ثانيا من الدستور والمادة 121 من النظام الداخلي للمجلس».
ويهدف هذا القانون حسب سالم إلى «معالجة الوضع العام لضحايا الاحتجاجات وكذلك إصلاح النظام السياسي والاقتصادي في الدولة العراقية وإصلاح المؤسسة الأمنية بما يتناسب ومبادئ حقوق الإنسان والبروتوكولات الدولية المعنية بهذا الجانب». وقال النائب المستقل، «تم اقتراح اعتبار يوم 1 تشرين الأول/اكتوبر في كل عام، يوما وطنيا لحرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي تخليدا لأرواح الشهداء» مؤكدا أن «القانون يغطي كل حالات الأذى النفسي والمادي» لضحايا التظاهرات والقمع.

قمع الأصوات المعارضة

وفي آخر حالات قمع الأصوات المعارضة، قامت قوة أمنية في البصرة بمداهمة منزل الناشط المدني، والقيادي في حزب «الفيحاء الفيدرالي» عمار سرحان في منطقة القبلة وسط مدينة البصرة، واقتادته إلى جهة مجهولة، من دون معرفة أسباب الاعتقال. وبين ناشطون أن «سرحان يعتبر من الناشطين البارزين في المحافظة، وهو مرشح لانتخابات مجالس المحافظات المحلية المقبلة» وقد جرى لاحقا استبعاده من الانتخابات من قبل مفوضية الانتخابات.
وعبر نشطاء البصرة في لقاءات تلفزيونية عن احتجاجهم واستنكارهم لموجة اعتقالات طالت العديد من النشطاء مؤخرا، مشيرين إلى ملاحقة المنتقدين للفساد وسوء الخدمات عبر إقامة الدعاوى القضائية ضدهم بحجة التهجم على المسؤولين في الحكومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبين نشطاء أن بعض زملائهم تم اعتقالهم لمجرد التعليق بكلمة في مواقع التواصل على الفساد والفشل الإداري ونقص الخدمات، ما عدوه تكميما للأفواه وتقييدا لحرية التعبير التي كفلها الدستور.
وتكررت الحالة مع ناشطة أخرى في بغداد عندما أصدرت محكمة جنح الكرخ في شهر آب/اغسطس الماضي حكما بالحبس لأربعة أشهر على الناشطة قدس جبوري محمد، المعروفة باسم قدس السامرائي، وكذلك أمر قبض بحقها ومذكرة تفتيش لمنزلها. وجاء الحكم بعد دعوى رفعتها ضدها مستشارية الأمن الوطني، بتهمة التشهير والإساءة.
ولم تقتصر ملاحقات الناشطين على رفع القضايا القضائية ضدهم فحسب بل امتدت لتشمل محاولات الاعتداء عليهم جسديا. فقد تعرض الشيخ المعارض غيث التميمي لمحاولة اغتيال في تقاطع الرواد في المنصور ببغداد، حيث تعرضت سيارة التميمي إلى تفجير بعبوة لاصقة في محاولة لاغتياله. والتميمي من النشطاء الذين اعتاد توجيه الانتقادات لرموز العملية السياسية وفضح فسادهم وفشلهم وارتباطاتهم بالخارج.
وفي النجف جنوب بغداد، تعرض الناشطون زيد محمد وحيدر جواهر وعلي حسين، إلى محاولة دهس من قبل سيارة مضللة سوداء اللون بدون لوحات تسجيل، أثناء خروجهم من أحد المقاهي بشارع الروان وسط النجف. وأسفر الحادث عن إصابة أحد الناشطين بجروح في اليد والقدم، نقل إثرها إلى مستشفى الحكيم، فيما فر المعتدون إلى جهة مجهولة.

إفلات الجناة

وقد عد المحامي الناشط حامد الجبوري في حديث لـ«القدس العربي» هذه العمليات ضمن الأفعال التي تسعى لإخراس الأصوات المعارضة للعملية السياسية. وقال الجبوري «إن محاولات إسكات الأصوات المعارضة لا تتوقف وتأخذ أشكالا متعددة كالتهديد والترهيب ورفع القضايا القانونية والاعتداءات الجسدية وانتهاء بمحاولات التصفية والاغتيال» منوها إلى قيامه بالدفاع عن العديد من الناشطين في المحاكم الذين تم رفع دعاوى قانونية ضدهم من قبل مسؤولين حكوميين أو مؤسسات حكومية بسبب آراءهم وانتقاداتهم على مواقع التواصل ووسائل الإعلام.
وفي المقابل يشير المحامي إلى استمرار إفلات الجناة والمجرمين الذين يعتدون على الناشطين والمتظاهرين من العقاب بشهادة المنظمات الحقوقية المعنية والأمم المتحدة.
أما عن طرح بعض القوانين في البرلمان هذه الأيام وأبرزها قانون العفو العام وقانون حرية الرأي وقانون الإخفاء القسري، فإن الجبوري أكد أنها ستواجه بمعارضة القوى السياسية المتنفذة التي تتحكم بالبلد، والتي لن تسمح بمرور هذه القوانين إلا بعد إفراغها من أهدافها أو توجيهها بما يخدم مصالحها وليس خدمة الضحايا الحقيقيين أو حرية الرأي، ولذا فإنه لا يتوقع ان تؤدي تلك القوانين إلى تغيير ملموس في واقع قمع الأصوات المعارضة، حسب قوله.

قانون العفو العام

وتفجر جدل واسع وتبادل الاتهامات بين الكتل الشيعية والسنية في البرلمان بعد وصول مسودة تعديل قانون العفو العام إلى البرلمان من الحكومة. وهو أحد أبرز الملفات المثيرة للجدل والخلافات بين القوى السياسية.
فقد أعلنت اللجنة القانونية النيابية، إرسالها مسودة تعديل مشروع قانون العفو العام رقم 27 لسنة 2016 إلى رئاسة البرلمان لقراءته الأسبوع المقبل بعد تقديمه من قبل الحكومة العراقية.
وبالرغم من تأكيد عضو اللجنة القانونية النيابية، عارف الحمامي، عدم تعارض قانون العفو العام مع الدستور أو القوانين النافذة، إلا أن هناك معارضة قوية لهذا القانون من قبل قوى شيعية في البرلمان، بحجة ان بعض (الإرهابيين) سيستفيدون منه.
فقد أكد النائب محمد سعدون السوداني، أن قوى الإطار التنسيقي «الفصائل المسلحة» لن تقبل بإقرار قانون العفو العام بشكل مطلق. وقال السوداني في تصريح صحافي، إن «ما تم الاتفاق عليه في ورقة الاتفاق السياسي لا يمكن تطبيقه بشكل كامل» وإن «إقرار قانون العفو ما زال محل خلاف بين القوى السياسية بشأن شمول المحكومين بالقانون».
وبدوره ذكر عضو «تحالف الفتح» عائد الهلالي، أن (المكون السني) يطرح موضوع العفو العام مع قرب حلول كل انتخابات، مدعيا «عدم إمكانية إخراج المجرمين والقتلة وتجار المخدرات» حسب قوله. وقال الهلالي في أحاديث صحافية، إن «هناك معركة انتخابية على الأبواب والأحزاب تتصارع فيما بينها من أجل تحقيق مصالحها بين جمهورها». وبين أن «من غير المعقول أن يتم اللجوء إلى تمرير قانون العفو العام لإخراج المجرمين والإرهابيين وتجار المخدرات والمتعاطين، من أجل تحقيق رغبات مكونات معينة وتقوية قواعدها الجماهيرية مع قرب إجراء الانتخابات».
ومن جانبه أكد وزير العدل خالد شواني، أن تشريع تعديل قانون العفو العام سيسهم بإطلاق سراح آلاف السجناء. وذكرت الدائرة الإعلامية للبرلمان أن «لجنة حقوق الإنسان استضافت وزير العدل خالد شواني الذي أبدى دعمه صدور قانون العفو العام، باعتباره أحد الإجراءات المتخذة في الجانب الإصلاحي للسجون لمعالجة الاكتظاظ فيها» موضحا أنه «في حال تشريع القانون سيتم إطلاق سراح ما بين 8 إلى 9 آلاف سجين».
ويعد قانون العفو العام أحد أبرز مطالب الكتل السنية التي تؤمن بوجود آلاف الأبرياء في السجون والتي اشترطت إقراره أثناء مفاوضات تشكيل إدارة الدولة الذي ضم الإطار التنسيقي الشيعي وبعض الكتل الكردية والسنية والذي تمخض عنه تشكيل حكومة محمد شياع السوداني.

قانون الإخفاء القسري

وليس بعيدا عن السياق، ناقشت لجنة حقوق الإنسان النيابية، برئاسة النائب أرشد الصالحي مشروع قانون الإخفاء القسري بعد إرساله إلى البرلمان من قبل الحكومة. وقال بيان اللجنة «جرت مناقشة محاور القانون لعرضه على القراءة الأولى والثانية والتصويت عليه في مجلس النواب».
وترى «منظمة برج بابل» (منظمة حقوقية مستقلة) أن مشروع قانون مكافحة الإخفاء القسري الذي وصل إلى مجلس النواب مؤخرا يعد من القوانين المهمة التي تدعم ترسيخ السلم الأهلي، ويسهم في إنصاف الضحايا وعوائلهم من المفقودين خاصة في المناطق التي شهدت جرائم حرب على يد «داعش» حيث جرى تغييب الآلاف ممن لا يعرف مصيرهم لحد الآن.
وأضاف بيان المنظمة الصادر في ايلول/سبتمبر الحالي، أن «مشروع برج بابل لهذا العام يهدف إلى نشر الوعي بشأن قضية المغيبين من خلال إشراك الصحافيين والأدباء والفنانين لغرض المدافعة والتذكير بهذه الفئة من الضحايا بالتنسيق مع الجهات المعنية في البرلمان ورئاسة الوزراء ووزارة الداخلية ومفوضية حقوق الإنسان ومؤسسة الشهداء».
وأشار البيان إلى أن «نشاطات المشروع تشمل تشكيل فريق من جامعي البيانات في خمس محافظات تضم كلا من صلاح الدين، والأنبار، وديالى، وكركوك والبصرة، بالإضافة إلى عقد جلسات مشتركة ومعرض للبوستر ومن ثم حملة نشر في وسائل التواصل».
ويُعد العراق «أحد البلدان التي تضم أكبر عدد من المفقودين في العالم» جراء أزمات متتالية تهزه منذ عقود، وفق منظمة العفو. وقدرت لجنة تابعة للأمم المتحدة أن بين 250 ألفا ومليون شخص اختفوا منذ 1968 في العراق.

اعتداءات على الصحافيين

ولم يكن رجال الإعلام بعيدين عن محاولات منع نشر الفعاليات المعارضة من خلال منع الصحافيين من تغطية النشاطات والفعاليات كالتظاهرات.
فقد أعلنت نقابة الصحافيين في البصرة الثلاثاء الماضي، مقاطعة كافة الأنشطة الأمنية في المحافظة، احتجاجاً على المضايقات التي يتعرض لها الصحافيون أثناء عملهم في الميدان.
وأكدت النقابة تعرض الصحافيين الميدانيين في المحافظة إلى الكثير من المضايقات من قبل الأجهزة الأمنية، مع تجاهل غريب لقانون حماية الصحافيين، الذي يكفل حقوقهم بالوصول إلى المعلومة.
وبدوره جدد المرصد العراقي للحريات الصحافية في البصرة مطالبته لرئيس اللجنة الأمنية العليا المحافظ أسعد العيداني وقيادتي العمليات والشرطة بوضع حد للانتهاكات والتجاوزات المستمرة على الصحافيين من قبل بعض العناصر الأمنيين غير المنضبطين في المحافظة. ومن الانتهاكات التي وقعت مؤخرا، منع واعتقال مصور قناة «الفلوجة» الفضائية علي أحمد من قبل بعض العناصر في نجدة البصرة أثناء تغطيته لعودة الزائرين من تأدية شعائر الأربعين إلى محافظة البصرة بحجة إنه لا يمتلك تخويلاً يتيح له التصوير في الأماكن العامة!!
وفي هذا الإطار وفي نينوى قال صحافيون إن «نقطة تفتيش مفرق الحمدانية منعت الصحافيين من الدخول إلى بلدة قره قوش مركز قضاء الحمدانية شرق الموصل، لتغطية الوقفة الاحتجاجية للمسيحيين في القضاء احتجاجاً على محاولات التغيير الديموغرافي والتجاوز على رجال دين مسيحيين، وقامت بسحب هوياتهم الصحافية (الباجات)».
وأضاف الصحافيون أن «عملية الإيقاف تمت من قبل نقطة التفتيش التابعة للواء 50 من الحشد الشعبي في مفرق قضاء الحمدانية عندما كانوا يرغبون بدخول البلدة» فيما لفتوا إلى «انتظارهم نحو قرابة ساعة تحت الشمس وبعد تدخلات رجال الدين المسيحيين وبعد نشوب مشادة كلامية مع نقطة التفتيش التي تتبع الحشد الشعبي دخلنا إلى القضاء، إلا أنه تم سحب باجاتنا من السيطرة الثانية وأبلغونا بضرورة مغادرة القضاء».
أما في أربيل، فقد أقدمت قوات الأسايش «الأمن» التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني في أربيل، على الاعتداء على عدد من الصحافيين أثناء محاولة تغطية تظاهرة نظمت مؤخرا.
وقال الصحافي نبز رشاد في تصريح، إن «الحادثة وقعت أثناء محاولتنا تغطية تظاهرة أمام المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني في أربيل التي نظمها عدد من أصحاب الدواجن للمطالبة بمنع استيراد البيض الإيراني إلى كردستان». وأضاف أن «قوات الأسايش التابعة للمكتب السياسي قامت بالاعتداء على الصحافيين بالضرب حتى قبل إخراج معداتنا وقامت أيضا بالاستيلاء عليها والاستيلاء على هواتفنا الشخصية وإجبارنا على مسح الصور».

قتل تحت التعذيب

وفي صورة أخرى لانتهاكات حقوق الإنسان، فتحت وزارة العدل تحقيقا حول مقتل معتقل في أحد سجونها تحت التعذيب مؤخرا.
وزير العدل خالد شواني، أعلن أنه أمر بفتح التحقيق في قضية وفاة العقيد مصطفى، الذي توفي مؤخرا في أحد السجون، مؤكدا انه بانتظار نتائج التحقيق لاتخاذ أقسى العقوبات في حال ثبوت التقصير.
ورغم نفي الوزير وجود تعذيب ممنهج في وزارة العدل، أو وجود قرار يسمح بتعذيب النزلاء، إلا أن العديد من حالات الوفيات جراء التعذيب وقعت لنزلاء في السجون العراقية. وشككت عائلة العقيد المتوفى بأسباب وفاة ابنهم وذكروا لوسائل الإعلام انه تعرض للتعذيب وسوء المعاملة، وقدموا شكوى إلى المحاكم ضد مدير السجن، ولذا أعلن وزير العدل اتصاله بعائلة الضحية ووعد باشراك شقيق المتوفى في التحقيق.
وهكذا وبالرغم من كل ادعاءات الحكومة العراقية بالحرص على حرية الرأي والأصوات المعارضة وتوجيه القوى الأمنية بتسهيل عمل رجال الإعلام، فإن الواقع الملموس يبين ان تلك التوجيهات تبدو بعيدة عن التطبيق من قبل أغلب العناصر الأمنية، وذلك من خلال عدم إتاحة المجال للإعلام والناشطين ومنعهم من ممارسة حقهم القانوني في متابعة قضايا الفساد والفشل الإداري المستشري في الدولة، إضافة إلى سعي بعض المسؤولين والقوى السياسية لمنع الرأي المعارض بكل الوسائل المتاحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية