(1) أتريدين أن تَرَيني وحشاً؟
حدِّقي إلى هذا القلمِ الذي سيمرِّغُ بياضَكِ في كلِّ جرحٍ،
وفي كلِّ مَقْتَلةٍ،
وفي كلِّ خيانةٍ،
وفي كلِّ جنونٍ، أيتها الورقةُ البيضاء.
(2) ألا تريدينَ معطفاً في هذا البردِ؟:
خُذي جَرَساً برنينهِ الدافئ.
خذي منارةً بضيائها الدافئ.
خذي مطحنةً بعَجيْجها الدافئ،
أو خذيني إلى جواركِ لم يزل في جسدي دفءُ الرمادِ بعد الخروجِ من الجحيم.
(3) التعليماتُ ناقصةٌ:
كيف نختطفُ نمراً من حديقة الحيوان بلا إتقانِ لغته،
لإقناعهِ بفوائدِ خطفه؟
(4) لصباحُ ـ عادةً ـ تعقيدٌ.
(5) تخييطُ الشفاهِ رتْقاً بالخيوطِ فَنٌّ،
للحفاظِ على خلودِ الأصوات.
(6) جسدُهُ كلُّه آذانٌ،
من صُدغيهِ إلى عقبَيْ قدميه:
يريدُ أن يسمعَ، لمرةٍ واحدةٍ، شيئاً من صوتِ الحياةِ البكماء.
(7) ضغطٌ قليلٌ يكفي لينفجرَ عصرٌ قديمٌ بالعصرِ الذي نحن فيه.
(8) بعضُ الدخانِ يتلاشى،
بعضُه الآخرُ يُحْتَبَسُ في رئتيِّ الأرض.
(9) في المدينةِ؛
في كلِّ مدينةٍ صراعٌ كُحُوليٌّ،
يبدأُ بأنخابٍ وينتهي بأنخابٍ.
(10) إنْ لم تُقْسِم بشيءٍ أو بأحدٍ،
أقسمْتُ نيابةً عنكَ،
لأُجنِّبكَ محنةَ البقاءِ سعيداً.
(11) خُذ قسْطاً من النومِ، متوسِّداً برأسكَ الصخرةَ،
ممدِّداً قدميكَ على الأناشيدِ دينيَّةً، أو هزْليَّة.
(12) إنها المحاولةُ السابعةُ لإيقاظكَ،
مُذِ اخترتَ النومَ في السريرِ ذاته إلى جوارِ أُمِّكَ الحياة.
’13) رُعاةُ الماعزِ الجبَليِّ رعاةُ طُرُقٍ أيضاً.
’14) مِن حوادثِ الطُّرُقِ أيضاً،
أن يصْدمَ إلهٌ بعربتهِ عشاقَهُ البَشَريِّيْنَ ماشيْنَ باختيالٍ آمن.
(15) الشقاءُ بضاعةٌ كالبضائعِ كلِّها،
في أكياسٍ من ألوانِ الفصول.
(16) لا تسألْ أسئلةً تعرفُ أجوبتَها،
بلْ أجِبْ عن أيِّ سؤالٍ لم تُسْأَلْهُ.
(17) ليستْ دعوةً كريمةً أن تُسْتدعى إلى حَمْلةٍ ضدَّ الغروب.
(18) الحرائقُ الطبيعيةُ،
الحرائقُ المتعمَّدةُ،
صِناعةٌ في مختبراتِ السماء.
(19) قويٌّ. واثقٌ. مُتعجرفٌ:
أوصافٌ تليقُ بكلِّ قَلَقٍ.
(20) لماذا إصرارُ نُزلاءِ هذا الفندقِ على الغرفةِ ذاتها؟
أَفيها طفولةٌ نُسِيَتْ في المغادرةِ السابقةِ،
أمْ شبحٌ يروي طرائفَ الأشباحِ،
أمْ ماتوا فيها قديماً،
وهُمْ راغبونَ في استعادةِ رُفاتِهم؟
(21) ما جوابُكَ على السؤالِ الذي لم أسأًلْكَ؟
خُذْ وقتَكَ،
أوْ خُذِ الوقتَ معك جواباً كرِدَّةِ القدِّيْسِ عن إيمانه.
(22) لا تتلكَّؤوا.
بادِلوا ما معكم من أعمارٍ، قبلَ فواتِ الأوانِ، بالرياحِ التي وراءَ الأعمار.
(23) أنتِ تعرفيْنَها.
تعرفيْنَ تلكَ المتجرِّئةَ على مَحْوِ العناوينِ عن الكتبِ في مكتبةِ الكون.
(24) أمْهِلْني أيها الحريقُ حتى أرتوي من رماديَ قبل الحريقِ وبعدَه.
(25) لقد ماتَ.
لا أعرفُ مَن أعْني.
لكنه ماتَ بالقُبْلةِ ذاتها الطويلةِ من فمِ الحياةِ على فمِ الموتِ حتى اختنقَتْ.
(26) زجاجةُ نبيذٍ:
ليتَها غفرتْ للشاربِ رهافةَ إيمانهِ بها.
(27) لا أستشعرُ اقترابَ شيءٍ:
السكونُ المُعلِّمُ ألْمَحَ لي أنني مُكْتَفٍ بموهبةِ الجليد.
(28) يا حُفاةَ الدنيا اتَّحِدوا.
لم تعرفِ الأحذيةُ إلاَّ خداعَ الأقدامِ،
كالطُّرُقِ كلِّها حاذقةً في الخداع.
(29) قريباً سيغدو كلُّ امرئٍ حكيماً،
وهو يُقَلِّمُ أظفارَ قدميه بمقصٍّ لا يصلُحُ لجزِّ شَعرِ الماعز.
(30) أأنتَ ذكيٌّ إلى هذا الحدِّ،
أمْ أنا غبيٌّ أجفلَه سِحرُ ذكائه؟
(31) مِنَ التقاليدِ دفْنُ السكاكينِ مع الموتى،
للمشاجراتِ بعدَ الموتِ،
أو لإهدائها إلى موتى سابقيْن.
(32) مِن مآثِرِ الزمنِ أنه ينتظرُ، في صبرٍ،
للإيقاعِ بالأمكنةِ في خططٍ لا مَخْرَجَ للأمكنةِ منها.
(33) صديقتي الصحيفةُ ـ صديقةُ التِّنينِ وأخبارهِ العاديةِ في الطيرانِ من حولِ السماءِ الكُرةِ،
وإحراقِهِ الأرضَ الكُرةَ المطَّاطِية.
(34) تمارينُ رياضيَّةٌ،
لاحتفاظِ الجسدِ الشِّعريِّ برشاقةِ الفيزياء.
(35) الهواءُ محيطٌ بمنصَّتهِ، وبكراسيِّهِ،
ليشهدَ أداءَ الريحِ دوْرَها على المسرح.
(36) سيموتون في يومٍ واحدٍ، في الساعةِ ذاتها.
لن يتبقَّى بعدَهم إلاَّ مَن سبقوهم إلى الموتِ في يومٍ واحدٍ، في الساعةِ ذاتها،
مُدْمنيْنَ تكرارَ الموت.
(37) لكَ صوتٌ واحد.
لظلِّكَ صوتانِ.
هذا قياسٌ بالتجاريبِ في المُختبرات.
(38) هذه الوجبةُ على حسابي، أيها الشهداءُ.
سأدفعُ التكاليفَ بنقودٍ إفتراضيَّةٍ،
ورقميَّةٍ،
ومرموزاتٍ تشفيريَّة.
(39) أعشاشُ لقالقَ على سطوحِ البروجِ في كلِّ موضعٍ.
بَيْضٌ في الأعشاش.
أعشاشٌ، وبَيْضٌ، لا يصلُحانِ حقوقاً لنجاةِ البروجِ مِنَ الهدْمِ في الحروب.
(40) سهلٌ عزْلُ جيشٍ من الأعداءِ في الموْقِعةِ:
سننتحرُ مطمئنيْنَ أنهم سيقتدونَ بنا منتحريْنَ.
(41) مَنِ الوغدَ، الذي فَجَّرَ السدَّ في المعاني،
ففاضَ الماءُ في مجاري العقول؟
(42) خَلْقُ العناصرِ سجْعٌ مِن سجْعِ المصادفاتِ الكُلِّيةِ في خطابِ الكونِ الصامت.
(43) علِّميني شيئاً مِن هذْرِ الوقتِ بين يدي الإنسانِ،
وشيئاً من ثرثراتهِ،
وشيئاً من إنكارهِ الدائمِ أنهُ على حقٍّ.
(44) القذرونَ أكثرُ إحساساً بمآثرِ القُمامةِ،
وبرِقَّةِ الروائحِ القاتلةِ، فيتجنَّبونها.
(45) فلْنهاجرْ إلى تلك العزلةِ معاً،
بكلِّ ما في الأرضِ من عزلاتٍ لم تحْظَ باختلاءٍ معْ شغفها.
(46) عزيزي:
ما أدراكَ أنكَ العزيزُ اسْتَثْنيتُه من الحرقِ مع الكتبِ،
واستثنيتُه من الذبحِ قبل ذبحِ الشِّعرِ،
واستثنيتُه من الإلقاءِ بهِ مع السمادِ إلى فكرتي الذابلة؟
(47) لا مذاقَ للأشياءِ بلا بكتيريا:
ذلكَ مَنْشَأُ العِلْمِ من خُلاصاتٍ في حروبِ الطبيعة.
(48) حُمرةٌ على شفتيِّ الغروب:
ذلكَ سِرُّكِ أَعَرتِهِ للشمسِ قُبَّعةً.
(49) لفندقُ ذاك،
الذي لا لزومَ للحجزِ فيه مسبَّقاً،
اخترناهُ عشواءَ فحجزْنا كلَّ مَن فيهِ من النُّزَلاء،
لا نريدُ فديةً لإطلاقهم،
بل نُريدُ حديثاً على انفرادٍ معَ حظِّ الفندقِ العاثر.
(50) عابدُ بجدرانٍ عليها الكثيرُ من صورِ القديسين،
وحوانيتُ جزَّاريْنَ برسومِ القديسات على جدرانها.
(51) تَفاقَمَ الوضعُ:
المجرمونَ في إضرابٍ،
حتى استجابةِ مطالبهم بأُجورٍ أفضل.
(52) قذيفة المدْفعِ «كانت الكلمة».
خُلقتْ أوَّلاً بعينٍ من صاعقِها على الهدْم.
أتُحْسَبُ من جنسها «المطرقةُ الكلمةُ»،
و «الزلزالُ الكلمةُ»،
و «القتلُ الكلمةُ»؟
ذلكَ منطقيٌّ في تسلسُلِ الخَلْق.
(53) الأعشابُ إنذارٌ متأخرٌ.
من قالَ ذلك؟ لا أحدَ بعْدُ.
(54) جئتُ سريعاً لأحْضَرَ العُرسَ،
فسبقني المأتَمُ العَدَّاءُ.
(55) لا أعرف شيئاً عن هؤلاء.
كلما نظرتُ إليهم شكَكْتُ أنني نظرتُ يوماً إلى أحدٍ.
(56) لا اعتدالَ فيَّ.
أنا غلوٌّ في المجاهَراتِ بحقوقِ الفشل.
(57) لا أداءَ لي بعدَ هذا.
استنفدْتُ الأدوارَ كلَّها عرْضاً تلْوَ عرْضٍ على مِنصَّةِ الحريق.
(58) الندمُ على ما فعلْناهُ خيارٌ لا أخلاقيٌّ،
والندمُ على ما لم نفعلْهُ خيارٌ أخلاقيٌّ.
(59) نفْعُ تدخينِ التبغِ أنهُ رياضةٌ دخانيَّةٌ.
(60) أنتِ أكثرُ خضرةً من الثواني الأُوْلياتِ في دقيقةِ المَرَح.
(61) أنا كيميائيٌّ في تقطيرِ الأصواتِ شراباً، بكحولٍ من نَفيْسِ الكحولِ درجاتٍ.
(62) للوصولِ إلى الطبقةِ العليا من مبنى التاريخِ،
لا تستنجدْ بمصعدٍ أو بسُلَّمٍ:
هَدِّمِ المبنى على مَنْ فيه.
(63) أهي جميلةٌ؟
لا أعرف.
لكنها شابَّةٌ بجسدٍ كإلهامِ الملاحم.
(64) لا أفهمُكِ.
قطراتُ الماءِ على وجهكِ مُربِكةٌ في قراءةِ الماءِ على الجلود.
(65) نمشٌ على وجهها،
كرغبتي في تقبيلهِ من كلِّ خليةٍ فيه.
(66) أمسكتُ بكِ جيداً.
لا تجادليني في مَنِ الرابحُ مِنَّا:
كلانا دفٌ صاخبٌ مستنجدٌ بدفءٍ هادئ.
(67) كنتُ أبحثُ عنكِ كلَّ غروبٍ:
ساعديني في نقْلِ رُفاةِ الشمسِ إلى مَرْقدها.
(68) لم يتركني متشبِّثاً بي،
لم أتركهُ متشبِّثاً بهِ،
نتبادلُ السلخَ، والكسرَ، والعضَّ، والبتْرَ في عراكٍ من ألفي عامٍ، أو أقلَّ بساعاتٍ:
هذا تاريخٌ شخصيٌّ.
(69) ليس ما تراهُ في المرآةِ شبحَكَ وحدكَ:
إنكَ الآخرونَ جميعاً في الدولةِ المرآة.
(70) عراكٌ صاخبٌ في الحانةِ،
والأقداحُ تسدُّ آذانَها.
(71) هدوءُ القلمِ لمساً للورقةِ مزعجٌ بتهذيبه،
كأنَّ الكلماتِ غافيةٌ لا ينبغي إيقاظُها.
٭ من كتابٍ قيدِ التأليف بعنوان
«تأْليبُ المعاني على أصولِها، وتصعيدُ المَطَالبِ بحقوقِ النَّثر»
واللوحة بريشة سليم بركات.