اختار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن تكون القمة العالمية للتنمية المستدامة للعام الحالي فرصة تاريخية لمراجعة التقدم في تحقيق استراتيجيات التنمية 2030 التي اتفقت دول العالم على ملامحها الأساسية في عام 2015 وتم توطينها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا في دول العالم المختلفة ومنها الدول العربية في شكل وثائق تحمل عنوان «رؤية» أو «استراتيجية 2030». ومنذ أكثر من سبع سنوات أصبحت أهداف التنمية المستدامة هي العمود الفقري لخطط التنمية في البلدان العربية الغنية والفقيرة على السواء. ونظرا لأن العام الحالي يقع في منتصف الطريق زمنيا، بين بدء تنفيذ استراتيجية التنمية 2030 حتى تصل إلى نهاية أجلها الزمني بعد 7 سنوات من الآن، فلا شك أن اختيار الأمين العام للأمم المتحدة كان موفقا ويتسم بالوجاهة والمنطق. وتمثل نقطة منتصف الطريق علامة مميزة لقياس مدى التقدم الذي تم إحرازه، وتحديد المخاطر التي تهدد تحقيق الأهداف، والاتفاق على كيفية تصحيح المسار من أجل النجاح.
وكان الأمين العام كريما في خطابه الافتتاحي للقمة، مع افتتاح الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عندما قال إن معدل النجاح الحالي عند نقطة منتصف الطريق يبلغ 15 في المئة فقط. الحقيقة أن هذا المعدل يعكس المتوسط الحسابي بشكل عام، ولا يأخذ في الاعتبار أن الإخفاقات الرئيسية قد وقعت في تحقيق الأهداف الرئيسية الفارقة مثل القضاء على الفقر في جميع أشكاله وصوره، والقضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي، وانعدام المساواة بين الجنسين، ووقف تدهور الخدمات الصحية والتعليم، والحد من تضاؤل فرص العمل واللامساواة في توزيع الدخل، والحد من انتشار الجريمة وانعدام الأمن في التجمعات والمستوطنات البشرية، التي أصبحت تشهد بصورة متزايدة إقامة مستوطنات جديدة داخل أسوار عالية تفصلها عما دونها، سواء كانت مدنا خاصة أو أحياء وتجمعات تحيط بها الأسوار من كل جانب.
ظواهر التخلف المتوطنة
تواجه المنطقة العربية على وجه الخصوص بين كل أقاليم العالم تدهورا ملحوظا في كافة مؤشرات التنمية المستدامة، لا يسبقها في ذلك غير دول أفريقيا جنوب الصحراء، كما أنها تعاني من ظواهر قاتمة سوداء متوطنة منذ عقود في مجالات انتشار الفقر والبطالة والمرض والتمييز ضد المرأة والطفل، إضافة إلى ظواهر الركود الاقتصادي. وتتغذى كافة الظواهر السلبية التي تعاني منها الدول العربية على وجه العموم من أوعية انسداد المجال العام، وانعدام الديمقراطية، وانتشار الحروب والنزاعات المسلحة، والتنافس الجيوسياسي غير الصحي. ومن السهل جدا أن نقول بأن دولا مثل سوريا والسودان وليبيا واليمن هي أسوأ بكثير في نهاية عام 2022 مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2015 عندما بدأ العمل في خطط تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وبينما لا تتوفر لدى الأمم المتحدة بيانات كافية عن ليبيا، المفجوعة حاليا من كارثة انهيار سدود درنة، فإن دولا مثل سوريا وموريتانيا وجيبوتي وجزر القمر والسودان والصومال واليمن تأتي في ذيل قائمة ترتيب دول العالم باستخدام المتوسط الحسابي لمقدار ما تم تحقيقه كميا على الطريق إلى أهداف التنمية المستدامة. ومن بين 166 دولة على مستوى العالم يشملها التقييم تحتل ثلاث دول عربية هي السودان والصومال واليمن «السعيد» ثلاثة مراكز من المراكز الستة الأخيرة في التقييم العالمي. السودان جاء ترتيبه 160 ثم الصومال في المركز 162 يليه «اليمن السعيد» في المركز 163 عالميا.
وفي المقابل حصلت دول المغرب العربي الثلاث تونس والمغرب والجزائر على مراكز متقدمة عربيا في التصنيف العام، رغم اختلاف تقييم أدائها من حيث نسبة النجاح على أساس المتوسط العام، مع انها تأخرت إذا اعتمدنا على تقييمها من حيث عدد المؤشرات التي أوفت فيها بالمستهدفات المطلوبة، أو هي تسير على الطريق إلى تحقيق النجاح فيها خلال الفترة الزمنية منذ عام 2015 حتى الآن. وقد جاءت تونس في المركز 58 والمملكة المغربية في المركز 70 تليها الجزائر في المركز 71. لكن من الضروري الحذر في استخلاص نتائج نهائية من التصنيف العام دون الرجوع إلى نسبة النجاح في الإنجاز في المؤشرات الرئيسية، ذلك أن دول المغرب العربي الثلاث حصلت على هذا الترتيب بسبب ارتفاع نسبة النجاحات الجزئية (أقل من 50 في المئة) في عدد كبير من أهداف التنمية، وذلك على العكس من ثلاث دول عربية خليجية استطاعت التفوق وتحقيق إنجازات بنسبة تزيد عن 50 في المئة في عدد أقل من أهداف التنمية.
الدول العربية الخليجية الثلاث التي نجحت في اختبار الفترة الأولى لأهداف التنمية المستدامة هي سلطنة عمان التي سجلت نسبة نجاح بلغت 54.4 في المئة في اختبار التنمية مع انها جاءت في المركز الـ 90 عالميا، ودولة قطر التي حققت نسبة 50.9 في المئة وجاءت في المركز 100 عالميا، إلى جانب الإمارات التي احتلت المركز الأول بين الدول الثلاث التي نجحت أو تسير على الطريق الصحيح لتحقيق النجاح في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة بنسبة 54.7 في المئة وجاءت في المركز 79 عالميا.
تفوق الاشتراكيات الديمقراطية
في شمال أوروبا
وقد حصلت الدول العشر الأولى في الترتيب العالمي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة اعتبارا من 2015 حتى الآن على تقييم يتجاوز 80 في المئة. وجاءت فنلندا في المركز الأول بنسبة نجاح في تحقيق الأهداف بلغت 86.7 في المئة، تليها كل من السويد والدنمارك وألمانيا والنمسا وفرنسا والنرويج والتشيك وبولندا وإستونيا، بينما حلت الولايات المتحدة في المركز 39 عالميا بمعدل نجاح أو السير على طريق النجاح بنسبة 76 في المئة تقريبا.
أما بالنسبة لترتيب الدول العربية من حيث درجة النجاح أو السير على طريق النجاح في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فإن الدول التي حصلت على 50 في المئة فأكثر هي الإمارات وسلطنة عمان وقطر. وحققت 6 دول عربية معدلات من 40 في المئة إلى أقل من 50 في المئة هي السعودية 49.2 في المئة، ومصر 46.2 في المئة، وتونس 42.6 في المئة، والعراق 41.2 في المئة، والأردن 40.3 في المئة، ووقفت الكويت على حافة 40 في المئة. وسجلت 4 دول أخرى معدلات نجاح أو على طريق النجاح في تحقيق أهداف التنمية المستدامة هي الجزائر والبحرين والمغرب وموريتانيا. وبعد ذلك جاءت الدول الأخرى التي يقل فيها معدل النجاح في مؤشرات التنمية المستدامة عن 30 في المئة، ومنها سوريا والسودان وجيبوتي وجزر القمر. وجاء «اليمن السعيد» في الترتيب الأخير عربيا بنسبة 9.3 في المئة من النجاح أو السير على طريق النجاح في تحقيق أهداف خطة التنمية.
وعلى صعيد الشرق الأوسط ككل جاءت إسرائيل في المركز الأول إقليميا والمركز 48 بين 166 دولة شملتها جداول مؤشرات التقييم، وحققت أفضل العلامات في قطاع الرعاية الصحية، والتقدم العلمي والتجديد التكنولوجي. وسجلت نجاحات في الوفاء بالأهداف المطلوبة أو هي تسير على الطريق السليم لتحقيق ذلك في أكثر من 50 في المئة من أهداف التنمية المستدامة، في حين أن نسبة المؤشرات التي ساءت أو تراجعت عما كانت عليه في عام 2015 تبلغ حوالي 20 في المئة فقط.
العالم يؤكد التزامه بالأهداف
وتضمن البيان السياسي الختامي الصادر عن قمة مراجعة وتقييم مدى النجاح في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التحذير من خطورة التقاعس عن تحقيق تلك الأهداف أو إهمالها. وجاء في البيان إنه «دون تصحيح فوري لمسار التقدم نحو تحقيق الأهداف وتسريع وتيرته، سيكون مصير عالمنا هو استمرار المعاناة من الفقر والأزمات المطولة وانعدام اليقين المتزايد». وقد جدد رؤساء حكومات ودول العالم المشاركين في القمة التزامهم بالعمل المشترك من أجل مواجهة تحديات الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية والبيئة.
وجاء في الإعلان الختامي: «يجب علينا أن نكون في مستوى متطلبات اللحظة الراهنة من خلال التدابير الفورية لتكثيف الجهود المبذولة من أجل تحقيق خطة 2030 وخطة عمل أديس أبابا بما يسهل التعاون الانمائي والاستثمارات المشتركة من أجل التنمية المستدامة، وإصلاح الهيكل المالي، ودعم النمو المطرد والشامل والمستدام». وعبر الإعلان الختامي عن القلق البالغ بشأن احتياجات تمويل التنمية «يساورنا القلق البالغ إزاء اتساع الفجوة التمويلية المقدرة بنحو 500 مليار دولار سنويا».
وأعادت القمة التأكيد على الالتزام بأولويات أهداف التنمية المستدامة، حسب ترتيب أهميتها كما جاءت في الخطة الأصلية بدون مقايضات أو مساومات. وهذا يشمل القضاء على الفقر بكل صوره وأشكاله، والقضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي، خصوصا في الدول الفقيرة في أفريقيا التي تعاني أكثر من غيرها من ذلك. وإزالة الحواجز القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تحد من المساواة بين الجنسين. والاستثمار في التعليم الجيد وردم الفجوة في المعرفة الرقمية وتطبيقاتها التكنولوجية المختلفة، والاستثمار في التعليم الجيد والقضاء على ندرة المياه، واتاحة خدمات رعاية صحية جيدة نوعيا، وأن تكون المدن ومستوطنات السكن البشرية شاملة وآمنة وقادرة على تحمل الصدمات وغيرها من المؤشرات في ميادين النهوض بالإنسان والبيئة.
لكن الإعلان السياسي بتأكيد الالتزام بتحقيق أهداف التنمية المستدامة لم يقدم معادلا ماديا أو إجرائيا خصوصا في مجالات التمويل، من شأنه أن يعزز مقومات المصداقية السياسية المطلوبة، خصوصا في وقت نرى فيه أن دولا كثيرة حول العالم، منها بريطانيا والولايات المتحدة وإيطاليا، تتجه إلى تخفيف التزاماتها تجاه تحقيق أهداف النمو الأخضر والمحافظة على البيئة، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبا على تحقيق أهداف التنمية المستدامة ليس في الدول الصناعية فقط ولكن في العالم أجمع. ويكفي أن الإعلان السياسي في ختام قمة عام 2023 جاء على خلفية أن الهدف الأول، وهو القضاء على الفقر في كل صوره يتعثر، ولم يشهد تحسنا كاملا إلا بنسبة ضئيلة جدا، في حين أن مؤشرات الفقر ساءت وتدهورت في 30 في المئة من دول العالم. وان الأهداف الأخرى الرئيسية قد تدهورت أيضا أو بقيت على ما كانت عليه، مثل الهدف الثاني وهو القضاء على الجوع، الذي حقق تقدما في 20 في المئة من دول العالم بينما بقي الوضع على ما كان عليه أو ساء في أربعة أخماس دول العالم. وهو الحال نفسه الذي كشف عنه التقييم في أهداف الرعاية الصحية الجيدة، والتعليم الشامل الجيد، وعدم التمييز بين الجنسين.