معجزات النظام البائد السائد أبدا

حجم الخط
0

مالك التريكي

تتعرض الثورتان الشعبيتان في مصر وتونس لطعنات متتالية تبعث على الخوف من احتمال عودة عقارب الساعة إلى الخلف، نكوصا إلى ظلمات الحكم الدكتاتوري. إذ بقرار المحكمة الدستورية العليا في مصر حل مجلس الشعب المنتخب ديمقراطيا وإبطال قانون العزل السياسي ضد رجال عهد مبارك، يكون المجلس العسكري الأعلى قد قام بانقلاب قانوني (‘انقلاب كامل الأركان’، كما قال حزب الحرية والعدالة) على الثورة يعود بالبلاد إلى يوم الرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011. أي أن ما حدث في مصر الخميس هو أن النظام البائد قد نجح في أن يثبت أنه لا يزال هو النظام السائد، وأنه عاقد العزم على البقاء إلى الأبد.

أما في تونس، فإن فلول النظام البائد قد تمكنت، قبل أيام، من استغلال حماسة شبان التطرف الديني (الذين يسمون، خطأ، بالسلفيين، بينما السلفية الحق منهم براء) لتفجير الوضع في البلاد فنشرت في صفوفهم الشائعات حول معرض أعمال تشكيلية قيل إن فيها تطاولا على المقدسات، فإذا بهؤلاء يجدون أنفسهم يشاركون جموع المخربين من البلطجية والمنحرفين وخريجي السجون في ارتكاب أعمال عنف لم يسبق لها مثيل في تونس من حيث الخطورة والتزامن واتساع النطاق. حيث استهدفت أعمال الحرق والنهب مخافر الشرطة ومقار المحاكم والأحزاب والنقابات في مناطق مختلفة من البلاد.

وقد أثبتت أعمال العنف والتخريب هذه أن فلول النظام البائد في تونس قد دخلت مرحلة جديدة من التصعيد والتهديد ضد الدولة وأنها عازمة على إحراق البلاد من أجل إعادة الحكم الدكتاتوري، مستغلة في ذلك تفاقم القلق الشعبي من اضطراب الأوضاع الأمنية ومن ضبابية الآفاق الاقتصادية. لكن الغاية الأولية من أعمال العنف والتخريب التي تدبر لها وترعاها وتمولها فلول الدكتاتورية هي درء خطر التعرض للمحاسبة والمحاكمة، لأنهم يعرفون أن ما يبدو حاليا من انعدام الاهتمام بفتح ملفات الفساد الكبرى لن يدوم إلى الأبد، وأن يد العدالة لا بد أن تطالهم يوما. أما الأمر الآخر الذي أثبتته أعمال العنف والتخريب، فهو أن هنالك تحالفا موضوعيا بين فلول النظام البائد في تونس وبين الظلاميين من جموع التطرف الديني. وقد بدأ هذا التحالف الموضوعي يبلغ حد التواطىء الإجرامي. الفلول يخططون لكل ما يبث الفتنة وينشر الخراب، والظلاميون جاهزون للوقوع في شراك الفتنة حيثما ظهرت. شباب من السهل جدا استفزازهم لأنهم مستعدون دوما للشعور بالاستفزاز، بل لكأنهم هم الذين يبحثون عما يستفز مشاعرهم الدينية أيا ما كان، كاريكاتورا أو فيلما أو لوحة أو حتى عنوانا. شباب يعاني أكثرهم من البطالة والتهميش وقلة التحصيل العلمي ورداءة التكوين الثقافي. شبان يشبه مسارهم مسار بعض من ‘المطوعين’ في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية. أي أنهم كانوا من المنحرفين وخريجي السجون ثم وجدوا أن ما من سبيل أمامهم لإعادة التأهيل وكسب الاعتبار والاحترام، في عيونهم وعيون المجتمع، إلا التدين النظامي الرسمي (في حالة المطوعين) أو التدين الاتهامي الخوارجي (في حالة المتطرفين). وكلا الشكلين من التدين عدواني ضد المجتمع. تدين ملؤه السخط والفظاظة وغلظة القلب. تدين بوليسي: متربص بالعباد مستلذ للعقاب. وقد أصاب عالم الدين الزيتوني الذي قال عن هؤلاء المتطرفين إنهم في الأصل منحرفون: كان انحرافهم في عهد بن علي انحراف فساد، أما الآن فقد صار ‘انحراف تدين’. أي أن الأصل فيهم هو الانحراف والجنوح الإجرامي. يقول حزب النهضة إنه لا يريد خوض مواجهة مع أي تيار، سلفيا كان أم حداثيا، لأنه لا يريد تكرار مآسي العهد الدكتاتوري، حين كان الاضطهاد يسلط بالجملة على حركات وتيارات بأكملها. ويوضح الحزب أن ما يؤمن به هو تطبيق القانون ضد كل فرد تثبت إدانته بارتكاب العنف. موقف سليم. لكن الإحصائيات تشير إلى أن عدد هؤلاء المتطرفين في تونس لا يقل عن 93 ألف فرد، وأن معدل أعمارهم 27 عاما وأنهم يسيطرون على أكثر من 400 مسجد من أصل حوالي ألفي مسجد في البلاد. أي أنه ليس من التهويل في شيء أن يتم التنبيه إلى تزايد المخاطر المرتبطة بهذا التيار الذي سبق لأتباعه أن ارتكبوا العنف مرارا وتكرارا. كما أنه لا بد من التطرف في التفاؤل حتى يتصور المرء أنه ليس بين هؤلاء من هو ملتزم بإيديولوجيا القاعدة التي وصفها الأستاذ راشد الغنوشي بأنها ‘مشروع هدم وحرب أهلية لم يأت للإسلام بخير قط’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية