ما الذي تفعله «قطة ليبية»، وسط الطمي والركام في درنه؟
كان المشهد سينمائيا بامتياز. تعرض مذيعة «الجزيرة» المستجدات والمراسل يتحدث بارتباك، وفي الخلفية مجرد أطنان من ركام وصمت، ثم قطة تغافل الكاميرا وتهرب منها.
قفزت الهرة، التي يبدو أنها تمكنت من النجاة من كومة ركام، إلى زقاق ضيق في الجوار، وهربت من الصورة، لكنها على الأرجح وقفت تسترق السمع لتلك المزاودات بين «حكومتين» تواجهان فيضانا قاتلا ومدمرا تعرض له الشعب نفسه، دون فصل.
ثمة مؤسسة في ليبيا اسمها «مجلس الدولة»، لا نعرف ما هي وظيفتها بصفة محددة، لكن أحدهم تحدث باسمها، مناشدا وعبر «الجزيرة» أيضا «غرب ليبيا» لاستقبال النازحين الفارين من «شرق البلاد».
واضح تماما أن الجميع سيترك تلك القطة، ومعها آلاف الجثث، وسط الركام، مع سؤال مؤلم: لماذا يضطر الشرق لمناشدة الغرب في الجسد نفسه خلال أي مأساة؟
هل توجد معابر وجسور ومراكز حدودية وختم جوازات سفر، على الحد الفاصل بين الغرب والشرق؟
الطوفان، كما تسميه فضائية «الليبية»، لا يعترف بالحدود، والمنطق الإنساني المباشر يفترض أن يفتح الغربيون، بدون مزاودة عليهم قلوبهم وبيوتهم للمشردين.
المؤلم حد الوجع القومي أكثر من الطوفان، هو تلك الألقاب، التي ترددها قناة «فرانس 24 « لكبار المسؤولين في حكومتين، مع أن الوجوه، نفس الوجوه، والسيل لا يفرق بين الحجر والشجر والقطط.
«رئيس الوزراء» وهو يتفقد
حتى في المغرب، بعد 11 يوما على الزلزال، ورغم وجود حكومة واحدة والحمد لله، رصدنا كاميرا الفضائية المغربية، وهي تتجول مع رئيس الوزراء في الميدان، وسط الركام الضحايا، حتى سألت صديقا مغربيا: ما الذي كان يفعله الرجل طوال 10 أيام، وصولا إلى لحظة «تفقد»؟!
ألم يكن رئيس الوزراء المغربي يفعل شيئا قبل «التفقد»؟
التنمية كان يفترض أن تصل لتلك القرى المنسية في «الحوز»، حتى تصبح مهمة «التفقد» أقل خسارة.
لكن لا أحد يريد أن يبلغنا، رغم تصفيقنا الحار للمملكة المغربية، عموما، لماذا لا يسأل علية القوم التنفيذيون الآن عن ما كانوا يفعلونه بعد كل تداول للسلطة أو انتخابات لأهالي الجبال، وتلك القرى المنسية؟
حتى في الأردن صعقنا أمام كاميرات منتدى الوسطية المتميز، وزير سابق للاقتصاد بالحقيقة الرقمية التالية: مستوى دخل المواطن الأردني هو نفسه وذاته منذ عام 1985.
عندما سمعت ذلك كدت أصيح «زغرتي يا حليمة» فهذا الثبات الرقمي «انجاز وطني» عبقري.
الزلزال.. الفيضان.. سقوط رافعة في ميناء: كل ذلك «أمر الله»، لكن الجاهزية والرصد العلمي والاستعداد والتحذير واستخدام حبل رافعة مناسب للوزن، كلها تدبير البشر.
وما يقلقنا أن حكومات الماضي تستمتع بنفس حصانة الجنرالات في «بلاد العرب أوطاني».
ما لم يحصل بعد في بلادنا هو مضمون مقولة حراكية أردنية نشطة ودمها خفيف وهي تنشر: «أي هو مطول هالنيزك».
كنافة نابلسية
قبل شهر بالتمام والكمال، ظهر الدكتور مروان المعشر، الخبير الأبرز أردنيا بإسرائيل والسلام القبور، والمجتمع الدولي، على شاشة فضائية «رؤيا» مقترحا أن «العلاقات الأردنية – الإسرائيلية تحتاج لمراجعة».
فوق ذلك، ما يقترحه الرجل منذ أسابيع هو «تفسير بسيط ومباشر» لظاهرة «إسرائيل الجديدة»، وعلى أساس «ما يجري تخطيط لدولة واحدة يهودية وعنصرية».
لا أفهم، لماذا فقط المعشر يشعر وسط النخبة الأردنية أن كيانا عنصريا استيطانيا توسعيا على خاصرة الضفة الغربية لنهر الأردن، يشكل خطرا علينا نحن الأردنيين «دولة وحكما وشعبا ومستقبلا».
أتمنى أن يتوقف التلفزيون الرسمي عن الخجل فيلتقط ما يقوله وزير الخارجية أيمن الصفدي، ويؤسس لسلسلة برامج على الهواء المباشر تتجاوز صيغة «قال معالي الوزير. وأضاف وأردف».
صاحبنا، «لم يردف» حقا، وكل ما فعله مؤخرا وتلفزيون «المملكة» يتوسع في التغطية هو إعادة إنتاج مخاوف المعشر، التي سبقت بشهر كامل بعبارة دبلوماسية تلفت نظر العالم مجددا، لأن «الأسوأ» سيحصل إذا ما سمح لليمين الإسرائيلي بصياغة مشروع «الدولة الواحدة العنصرية».
كان المعشر نفسه يخبرنا قبل أعوام أن «دولة واحدة»، يعني أن يصبح محمد رئيسا لحكومة إسرائيل و»أبو العبد» وزيرا للدفاع، وأن يصبح طبق الكنافة النابلسي الطبق القومي للكيان.
طاقم تائه
حتى صاحبنا «عدل وبدل» في روايته، فمحمد و»أبو العبد» وراتب وفتحية و» أبو عقال وكوفية» سيتحولون في دولة واحدة عنصرية إلى «فائض بشري»، يعبر قسرا إلى شرق الأردن لإقامة «وطن بديل»، لم تخجل ولم تتردد شاشة «سي أن أن» في الإشارة إليه مؤخرا وهي تتحدث عن كواليس الجمعية العامة للأمم المتحدة.
القصة بسيطة وواضحة في المشهد الأردني. بدلا من «طاقم تائه» يدير الأمور، المطلوب رموز وطنية مهنية رفيعة المستوى تناجز الإسرائيلي وتجيد ملاعبته، لا بل مواجهته، وتجهز كل مكونات الشعب الأردني المعركة، واضح أنها آتية لا محالة، لا بل وشيكة.
تريدون دليلا: حسنا دققوا قليلا في خريطة نتنياهو، وليس فقط خريطة سميوريتش.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان