دفاعا عن العقل

حجم الخط
2

وأنا أتجول عبر فضائياتنا العربية استوقفني نقاش ساخن على إحداها كان «الفريسة» فيه أستاذ في الحديث والمُنقضُّون عيه أساتذة في الاستنارة كما يبدو من دعاوى ألسنتهم على الأقل. وكان الأمر الذي شد انتباهي إليه هو إنكار الصحافي معروف متن حديث كان موضوع النقاش الساخن بحجة أن الأخير يناقض العقل، وظل يردد حجته البالغة مرات ومرات وكأنها كما يعتقد الأستاذ فيصل التفرقة بين الاستنارة و الهرطقة ، والأمر ليس خاصا بصاحبنا وإنما هو كلام يلوكه الكثير من مثقفينا ممن يحسبون أنفسهم على أهل العقل والاستنارة والعلم ويزيدون الطين بلة عندما ينسبون مقالاتهم واعتراضاتهم إلى المنطق فتجد ألسنتهم كثيرا ما تردد عن حديث أو رأي أو مذهب أنه يخالف المنطق ويناقضه.
وآفة الكثير من هؤلاء معتقد ،خاطئ حتى النخاع، مفاده أن ادعاء صفة أو قدرة أو مهارة يجعل مدعيها متحققا بها وكأن عالم المثقفين لا يحكمه ما يحكم العوالم الأخرى من إمكان الخطأ والوهم والتملق والزعم والتجمل بما يجلب الشهرة ويُدخل في زمرة المتميزين. وتجد أصحابنا المثقفين هؤلاء أسرع الناس إلى فضح ادعاءات السياسيين- مثلا – وبيان أن ما يدعونه لأنفسهم من خدمة لمصالح الناس ولمؤسساتهم من ديمقراطية في الإدارة هي مزاعم لا حقيقة لها خارج التوظيف الإيديولوجي والاستقطاب الانتخابي وأن الغاية من كل تلك الشعارات الحزبية هي السلطة والمال أو تلميع الصورة أمام الغرب: قبلةِ الاستنارة.  وينسى أصحابنا أنهم ناس من الناس وأن احتراف الكتابة لا يعصم من انحراف النفس أو من وهم الفكر. وما أكثر الوهم فيما تطلع علينا به الجرائد و الكتب و الفضائيات من كلام الدكاترة والمثقفين والصحافيين الذين يحسبون أنفسهم من أهل العقل والاستنارة و العلم وهم عندما تعرض كلامهم على ما يعتقدونه مصدَره تجدهم يقفون على غير أرض العقل والعلم والاستنارة، وتلك إحدى أكبر المصائب التي ابتلي بها مثقفونا: وهْم الاتصاف بالعقلانية.
والنقاش الذي بدأت المقال بالحديث عنه يعرض مثالا لما أجملت القول فيه، فالصحافي «الفضائي» المستنير يعتقد نفسه واقفا على أرض الحداثة و يحسب أن عقله قد قُدَّ على مقاس المنطق وأن صدره تملؤه أنوار الاستنارة، يُفحم خصمه بقول يظنه فصلا هو أن ما جاء في متن الحديث يخالف العقل والذوق ويسكت معتقدا أن الحجة بالغة وأن الأمر قد قُضي. والذي يفترضه كلام الأستاذ أن العقل واحد وأن بمقدوره أن يرى الحق حقا بمجرد استحضار الموضوع المختلف فيه أمام محكمته دونما حاجة حتى لسماع الشهود. وهو عند التحقيق يقف على الأرض التي يصف أهلها بالخرافة ممن يدعون المعرفة بالباطن ويكتفون بعرض أفكارهم أو تقديم وصفاتهم الاستشفائية دون ذكر لأسباب أو حجج، فكلا الفريقين ينسب لنفسه قدرة باطنية يميز بها الخبيث من الطيب: فريق يسميها العقل و فريق يسميها بركة أو هبة أو روحا من عالم آخر. والأمر في نهاية التحليل سيان، وإطلاق اسم العقل على قدرة لا يجعلها حجة ولا يضفي على كلام صاحبها يقينا. فصاحبنا لا يذكر ما الذي في العقل يجعل كلاما من الكلام باطلا وآخر حقا ويكتفي بالإحالة على العقل بالمطلق ويزيد عيه الذوق، والذي يسكت عنه الخطاب هو أن الأستاذ يقصد عقله هو وذوقه هو أي ما تربى عليه حسه وما ألفه من وسطه. وإذا توغلنا قليلا في التحليل قلنا إن الأستاذ الصحافي – كشأن كثيرين غيره ممن ينسبون أنفسهم خطأ إلى الحداثة والعقل- ينطلق من تصور «تقليدي « للعقل يراه ماهية قائمة بذات صاحبها جاعلة منه كائنا قادرا على إدراك العالم كما هو، متمكنا من الوصول إلى حقائق الأمور دونما تسليم بشيء خارج سلطان العقل.
وقد بقي الكثير من مثقفينا سجناء لهذا التصور على مستوى مفردات الخطاب الذي يكتفي في حجاجيته بادعاء العلمية والموضوعية والمطابقة بدل بسط الحجة وتحرير الدليل منطقا واستعارة وتمثيلا وبيانا لأن تقسيم مفكرنا الكبير محمد عابد الجابري للأنظمة المعرفية إلى برهان وبيان وعرفان لم يكن سوى خرافة كانت لزمن طويل وقودا لخطاب يعتقد في برهانيته ادعاءا وحقيقةُ الأمر أن اللغة ليست مجرد قناة لتوصيل الفكر المحض الصادر عن عقل كوني وأنها عكس ذلك تكاد تكون جزءا ماهية الفكر، باصطلاح الأصوليين، فلسان قوم، كما وعى ذلك المتقدمون وبينته دراسات الغربيين الحديثة في فلسفة اللغة وتحليل الخطاب، هو الذي يحدد شكل توسلهم للمعنى ومنطق صياغتهم للخطاب بما يلزم به من أبنية نحوية ونصية تركيبة من جهة كونه آلة لبناء المضامين وبما يحمل من ملامح تشكل خصوصية الأمة الناطقة به من جهة كونه «حامل» خطابهم و»أداة» إبداعهم وتواصلهم. كما أن الخطاب ليس مضمونا فكريا خالصا يمكن إدراكه في استقلال عن كل ما له صلة بمنشئه، فلا وجود لخطاب أول يؤسس لكل شيء ولا يتأسس على شيء، وحتى النظريات الرياضية والأنساق المنطقية تستند إلى مسلمات وتسن آليات وتضع القواعد للعمليات، بل وتستند في بيان بعض خصائص الأنساق إلى تأويلات قبل بناء النظرية وإقامة البرهان.
والذي يجهله أصحابنا أن ما يسمونه صوت العقل أو البداهة كان عائقا أمام تطور علوم الطبيعة وعلوم الاستنباط :المنطق والرياضيات، فعقل أصحابنا يستهجن مثلا أن يكون الجزء مساويا للكل أو أن من نقطة خارج مستقيم يمر أكثر من مستقيم يوازي هذا المستقيم أو أن جزئيات المادة قد تنتقل من مكان إلى آخر دون سلوك أي سبيل أو أن أي نسق منطقي لا شأن له بواقع الناس وأنه محكوم بما سلم به صاحبه ابتداءً أو أن نظريات العلم الحديثة من نسبية و ميكانيكا الكم لا تدعي مطابقة الواقع لـ «تصوراتها» وإنما تقاربه بنماذج تسمح بالتنبؤ لا غير وأن ما تستعمله من مناهج وما تتوسل به من أدوات وما تقرره من قضايا يستمد صلاحيته لا من مطابقته للواقع أو من كونه حقيقة علمية وإنما من إجماع العلماء على صلاحيته. قلت إن «عقول» أصحابنا قد تستهجن كل ذلك ولكن استهجانهم يستند الى غير أساس والحقيقة أن ما سردته يُعدّ بعضه فتحا في المنطق و الرياضيات والفيزياء والبعض الآخر يُعدّ من أكثر فلسفات العلم المعاصرة تماسكا وأحكمها اتساقا.

محمد الهداج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية